لماذا لا يعطون العراق فرصة اثبات حسن نواياه؟

بقلم: د. مظفر الامين

منذ وصولها الى السلطة، بدأت إدارة بوش حملة منظمة من التشويش السياسي ضد العراق ترتكز على الادعاءات الباطلة ضد الحكومة العراقية وكان أهمها أن العراق يملك أسلحة الدمار الشامل والتي يمكن أن تتسرب إلى المنظمات الإرهابية لشن ضربات ضد المصالح الأميركية وهو ما لا يمكن أن يحدث واقعيا.
ونجحت إدارة بوش في تعبئة الرأي العام لهجوم وشيك على العراق من خلال التقارير التي تم تسريبها من البيت الأبيض الأميركي وسيناريوهات الحرب التي تسربت من البنتاغون والخطابات العدائية الصادرة من وزارة الخارجية الأميركية وكلها كانت تهيئ الرأي العام لقيام الولايات المتحدة بحرب لا تستند الى سلطة الأمم المتحدة لاستبدال حكومة الرئيس العراقي بقرضاي بغداد.
واعلن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير مؤخراً عن دعمه التام لهجوم عسكري أمريكي ضد العراق وقال أنه يملك الدليل القاطع على تهديد العراق للعالم ولكنه لن يكشف عنه إلا بعد اتخاذ قرار ضرب العراق. فإذا كان بلير يملك دليلا حقيقيا، فلماذا لا يقدمه إلى مجلس الأمن ويدع منظمة الأمم المتحدة لكي تقرر ما يجب عمله. ان الموقف من العراق كان ومازال قضية تخص الامم المتحدة وليست شأنا أحادي الجانب يخص الولايات المتحدة أو بريطانيا.
رد العراق على تصريحات بلير بتوجيه دعوة مفتوحة إلى الحكومة البريطانية لإرسال وفد من الخبراء لإجراء تفتيش على كافة المواقع العسكرية لإثبات أن البلاد لا تملك أسلحة الدمار الشامل. ويمكن لمثل هذه الزيارة أن ترد على مخاوف الحكومة البريطانية، كما يمكن استخدامها أيضا كمدخل جديد لاستئناف عمل مفتشي الأمم المتحدة في العراق. ولكن لسوء الحظ فان الحكومة البريطانية رفضت الدعوة وأصرت على الإدعاء القديم بأن العراق يملك أسلحة الدمار الشامل.
وخطت الحكومة العراقية خطوة أبعد من ذلك لكشف أن الادعاءات الأمريكية تستند على افتراءات وأكاذيب ومعلومات اعيد تقديمها من خلال توجيه دعوة إلى"هانز بليكس" رئيس لجنة "انموفيك" للتفتيش عن الاسلحة لزيارة العراق بهدف مناقشة قضايا نزع السلاح البارزة واتخاذ الإجراءات السريعة لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق.
ولكن الحكومة البريطانية والإدارة الأميركية رفضتا دعوة العراق لبليكس واعتبرت زيارته مناورة سياسية وكشفت الإدارة الأميركية عن نيتها تجاه العراق بأن هدفها الحقيقي ليس عودة المفتشين بل تغيير الحكومة العراقية وهو ما يتعارض مع السلطة القانونية والأخلاقية للأمم المتحدة.
وقد رحبت روسيا بمبادرة العراق ووصفتها بأنها تحرك إيجابي لحل الأزمة. وحظيت المبادرة بدعم كل من الصينيين والفرنسيين لأنهما، مثل بقية العالم، يرغبان في ايجاد حل سياسي ينهي الأزمة بين العراق والأمم المتحدة لضمان الشرعية الدولية واحترام سلطة الأمم المتحدة وهو ما لن يتحقق من خلال عمل عسكري أميركي ضد العراق ومن جانب واحد.
أن دور الحكومة البريطانية حاسم للغاية في مهاجمة العراق لأن الولايات المتحدة لا يمكن أن توجه ضربة عسكرية بدون غطاء دبلوماسي من بريطانيا وأيضا مساعدات عسكرية بريطانية.
ومما لا شك فيه أن العراق وبريطانيا يتمتعان بعلاقات تاريخية خاصة وهو ما يجب ان يدفع بريطانيا لبذل المزيد من الجهد وأقصى ما يمكن عمله لتجنب الحرب ضد العراق. وكل فرد في الشعب البريطاني مدرك بأنه لا يمكن شن حرب على شخص واحد. وإذا ما شنت أمريكا حربها ضد العراق فان ذلك سيؤدي إلى موت الآلاف من الابرياء من ابناء الشعب العراقي وسيهدم البنية التحتية للبلاد التي أنهكتها 11 عاما من العقوبات الاقتصادية وقصف الطائرات البريطانية الأميركية المستمر.
لا توجد سلطة أخلاقية أو قانونية للعمل العسكري ضد العراق خاصة في ظل التصريحات المتتالية من الأمم المتحدة نفسها والتي تؤكد أن العراق يملك الحقوق والمسئوليات. فمسئولية العراق هي نزع سلاح الدمار الشامل وحقه يكمن في رفع الامم المتحدة العقوبات الاقتصادية.
وقد قدم رالف إيكوس رئيس اونسكوم السابقة وسكوت ريتر كبير مفتشيها ادلة وافية بأن العراق نزع سلاحه. ورغم ذلك فلا توجد دلالات على ان الأمم المتحدة لديها النية في رفع العقوبات الاقتصادية خوفا من النقض الأمريكي. كما أصر السكرتير العام للأمم المتحدة على عودة المفتشين بدون الالتزام بشأن الجدول الزمني لرفع العقوبات أو إعطاء أي تعهد برفع العقوبات بعد عودة المفتشين والتأكد من عدم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل.
ثمة فرصة حقيقية لفتح الحوار الدبلوماسي مع العراق وتجنب الحرب وعلى بريطانيا ان تنتهز الفرصة وتثبت سلامة النية المتوفرة في العراق وتقبل دعوة الحكومة العراقية وتبعث المفتشين البريطانيين إلى العراق.
واذا كان هناك من حاجة لوازع أخلاقي لمثل هذا التوجه فيمكن للحكومة البريطانية أن تستعيد تصريحات د. روان وليامز رئيس أساقفة كانتيربيري القادم عندما قال "أنه من المحزن أن تجتمع أمم العالم الأقوى على التهديد بالحرب وتواصل الهجمات العسكرية كوسيلة مقبولة للسياسة الخارجية".
سلطة الأمم المتحدة الأخلاقية والقانونية على مفترق طرق. فاذا دعمت بريطانيا العمل العسكري الأميركي ضد العراق فان هذا سيسجل بداية النهاية لسلطة الأمم المتحدة ومفهوم القانون الدولي والشرعية الدولية. * د. مظفر الامين، رئيس شعبة رعاية المصالح العراقية في لندن. والمقال ينشر في آن واحد مع صحيفة الغارديان البريطانية