لماذا لا تعاد الانتخابات في العراق؟

بقلم: إبراهيم الزبيدي

بعد أن استعصت الأزمة العراقية على الحل، ووصلت نهايتها، ودخلت طريقها المسدود، راحت ملايين المنتفضين العراقيين بسبب الكهرباء، ومعهم ملايين أخرى ناقمة لم تنتفض بعد، تنادي بإعادة الانتخابات، لتعاقب السياسيين الذين ثبت أنهم خدعوا ناخبيهم، وتاجروا بأصواتهم من أجل مناصب ومكاسب شخصية لا علاقة لها بالوطن والمواطن، من قريب أو بعيد.
ثم جاء نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن إلى بغداد ومعه وفد هام من الكونغرس معلنا أنه قادم من أجل المساعدة على حل. وتنفست تلك الملايين الصعداء. وظنت أن العصا الأميركية قد تسوق وكلاءها إلى الحل العاجل وإخراج الوطن من مأزقه الخانق، قبل فوات الأوان، وقبل أن تشعل السهلَ كله شرارة ٌ كهربائية صاعقة فتحرق الأخضر واليابس على الجميع.
لكن، ومع انتهاء زيارته أصبح واضحا وأكيدا أن الدوامة الحكومية سوف تستمر أشهرا أخرى دون حل. والسبب واضح ولا يحتاج إلى فطنة بالغة. فبايدن، كما بدا، لم يأت لحل المشكلة، بل جاء ليزيد تعقيدها، ولكي يخلط أوراقها بعناية، ويدخلها في نفق ألعن من الذي سبقه، بكثير.
فهو، وفور هبوط طائرته في المنطقة الخضراء، رمى كل الجبروت الاقتصادي والسياسي والعسكري للامبراطورية الأميركية وتحول إلى حمل وديع بين ذئاب المحاصصة، وراح يدور في أزقتها، من هالك إلى مالك، داعيا، بود وتواضع وكياسة ونعومة، إلى مراعاة المصلحة العراقية الوطنية، ومنع التدخلات الخارجية، وتشكيل حكومة وطنية تمثل جميع مكونات الشعب العراقي. وكان بإمكانه أن يأمر فيطاع.
ثم زاد الطين بلة حين أعلن أن القوائم الفائزة، وهي القائمة العراقية ودولة القانون والائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني، هي القوى التي تستطيع أن تحل المشاكل التي تواجه البلاد.
وهذا معناه أن إدارة رئيسه، ما زالت، كسابقاتها، ترى أن العراق مختزل بالقوائم الخمس، وتتجاهل الحقيقة الصارخة التي تؤكد أن رؤساء تلك القوائم هم أصل المشكلة وصُناعُها والمصرون على استمرارها وبلوغها نهاية الطريق المسدود.
فليس معقولا أن واحدا بوزن جو بايدن يجهل أن غير الديمقراطي لا يصنع ديمقراطية. والقوائم التي فازت، وبايدن أكثر من غيره علما بأسباب وظروف فوزها، ليس بينها ديمقراطية واحدة. فهي كلها إما دينية طائفية، أو قومية عنصرية، أو عشائرية متخلفة.
إذن فزيارته المفاجئة لبغداد، وجولاته على قصور "الرؤساء" جاءت لتأكيد الاعتراف الأميركي الثابت بحصر الحل والربط بالقوائم الفائزة وحدها، ولإعلان الإصرار الأميركي الدائم على إغماض العين وإهمال الوجه الحقيقي الآخر للعراق، وجه الشعب الصامت الحانق الكاظم غيضه، والغاضب الصابر على الفساد والمفسدين، ولكن إلى حين.
إذن فإدارة أوباما لم تخرج عن ثوابت الإدارات السابقة فيما يخص المسالة العراقية في مباركة التمترس الطائفي والعنصري القائم، حتى وهي تعلم بأنه سبب المأزق الذي دخلته عمليتها السياسية التي ولدتها، على يد بريمر، مشوهة ناقصة.
وما ينبغي التذكير به هنا هو أن المحاصصة الطائفية العنصرية أساسا لم تكن وليدة اليوم، بل هي زرع ريتشارد دوني السفير الأميركي المكلف برعاية المعارضة العراقية في التسعينيات، وخليل زاده من بعده، ثم غارنر بعد ذلك. أما بول بريمر فقد كان مجرد موظف مكلف بنقل تلك الثوابت من الورق إلى أرض الواقع الجديد في العراق، وتأسيس العملية السياسية على أساس تلك المحاصصة المرسومة في واشنطن من سنين.
وليس معقولا أن أميركا، بكل مؤسساتها السياسية والعلمية ومراكز البحوث العديدة فيها، وبكل إمكاناتها الاستخباراتية الهائلة، كانت تجهل حقيقة زعماء المعارضة السبعة الكبار الذين تولت رعايتهم وتمويلهم وتدريبهم وإعدادهم، ثم عملت على فرضهم بقوة المال والسلاح على العراق والمنطقة.
فمن المؤكد أنها كانت عارفة جميع منطلقاتهم الفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وعارفة أيضا حقيقة ارتباطاتهم بدول الجوار، وبالأخص بإيران وسوريا اللتين أوصاهما بايدن في زيارته الأخيرة بالحذر من تأثيراتهما على تشكيل الحكومة.
وحين قررت إدارة بوش غزو العراق لإسقاط ديكتاتورية صدام حسين وإقامة ديمقراطية عراقية تكون بؤرة إشعاع ديمقراطي في المنطقة، (وهذا كان الهدف المعلن لذلك الغزو)، سارعت إلى اعتماد أؤلئك السياسيين الفاسدين قادة لتلك الديمقراطية، وهي تعلم بأنهم سوف يفسدونها بفسادهم، ويذبحونها من الوريد إلى الوريد.
كنا سنصدق أن بايدن جاء لحل الأزمة العراقية لو أنه أعلن فور وصوله إلى بغداد عن فشل انتخابات آذار الماضي في تحقيق الاستقرار، ولو أنه فرض على حلفاء دولته ورجالها العراقيين فكرة إعادة الانتخابات، باعتبارها الحل الوحيد الباقي لإخراج العراق من النفق المظلم الخانق، خصوصا وأن العالم كله، شاهد بالعين المجرة كيف انتفضت الملايين من الناخبين، في جميع المحافظات العراقية، لتعلن بقوة ووضوح أن تلك القوائم لا تمثل غير أعضائها، وأن أية انتخابات قادمة ستثبت أنهم لا يمثلون هذه الجماهير، ولا يستحقون احترامها.
وإذا كان بايدن مخلصا في بحثه عن حل ديمقراطي نزيه ونظيف للمشكلة العراقية فإن مشروع إعادة الانتخابات هو الضمان الوحيد الباقي لإطلاق القوى الديمقراطية العراقية الحقيقية من عقالها، وإتاحة الفرصة العادلة أمامها لتستعيد حقها المشروع من تجار السياسة عبيد الكراسي الذين لا يرعون للوطن حرمة ولا للضمير قيمة. وهذا وحده أيضا ما يضمن صيانة كرامة الوطن واستقلاله، وقطع الأصابع الخارجية التي تعبث بأمنه وكرامته ووحدة شعبه وأرضه وثرواته.
ولكن حين سمعنا أنه ناشد (الرئيس) الطالباني العملَ على إخراج العراق من هذه الأزمة السياسية، تأكد لنا تماما، وبشكل حاسم ونهائي، أن أميركا لا تريد إخراج العراق من هذه الأزمة السياسية.
فليس معقولا أن يكون بايدن جاهلا أن الطالباني لا يهش ولا ينش، وأنه لن يسعى إلى حل المشكلة، ووضع حد للصراع المستميت بين المالكي وعلاوي على كرسي رئاسة الوزارة، ما لم يضمن لنفسه رئاسة الجمهوربة، ولحزبه ولأحزاب رفاقه الآخرين في الجبهة الكردستانية حصة الأسد الهصور من جسد الذبيحة.
وإذا صحت تسريبات المقربين من أياد علاوي التي أكدوا فيها أن بايدن دعا علاوي إلى منح المالكي رئاسة الجمهورية وبعضَ المناصب السيادية، مقابل تشكيل الحكومة من ائتلاف دولة القانون والقائمة العراقية، بالتعاون والتفاهم مع الجبهة الكردستانية، فهذا معناه أنه يعلن الحرب على إيران في العراق، ويفتح، في الوقت نفسه، على شعبنا وعلى المنطقة، أبواب جهنم جديدة لم يعد أحد قادرا على تحمل عواقبها وتأثيراتها المدمرة.
ترى هل يعقل أن يفكر بايدن بتحويل نوري المالكي إلى حصان طروادة ضد إيران، وهو العالم أكثر من غيره، بأنه لا يمكن أن يفكر، مجرد تفكير، في جعل خلافاته مع أخوته في الائتلاف الوطني على كرسي الوزارة تصل مرحلة كسر العظم بينه وبينهم.
وليس مفهوما ولا مهضوما أيضا أن يخطر على بال بايدن أن يجعل من أياد علاوي، صدام حسين جديدا ليشعل حربا عراقية إيرانية جديدة، لحساب الآخرين، وهو العارف تماما أنه ليس صدام حسين، وحركته (الوفاق) ليست حزب البعث، والقائمة العراقية المحصورة في حدود المحافظات السنية ليست القوة المؤهلة لخوض تلك الحرب ضد إيران وطوابيرها القديمة والجديدة في العراق.
وأخيرا فبايدن ليس غبيا إلى الحد الذي يتوهم فيه أن الطرف الآخر المقصي (الائتلاف الوطني)، والحرس الثوري الإيراني من ورائه، بأحزابه ومليشياته وأصابعه المتغلغلة في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية، والقابضة على رقبة المالكي نفسه منذ زمن بعيد، سيقبل هذا الانقلاب الأميركي الجديد، بطيب خاطر، ويعود قادته ومقاتلوه إلى منازلهم بصمت، ويكتفوا بالفرجة الهادئة على ما يجري، بروح رياضية ديمقراطية عالية، وتمر العاصفة بسلام.
بالعقل وبالمنطق على الجميع، بايدن ورئيسه وإدارته، والعراق وشعبه، والساسة العراقيين المتحاصصين، والمنطقة كلها، أن يتحملوا مسؤلياتهم، ويقبلوا بآخر الدواء، فيعيدوا انتخابات العراق من جديد. وهذه المرة سوف يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض، بحسم ووضوح ودون لبس ولا خلاف. فهل يفعلون؟ إبراهيم الزبيدي