لماذا فشل مشروع السلام الاجتماعي؟

بقلم: أحمد شهاب

يعتقد عدد غير قليل ممن ينتمون إلى الإسلام بأن دينهم لا يشجع على العنف، وأنه دين السلام في عنوانه وفي مجموعة الأنظمة والتعاليم التي يتلقاها الفرد المؤمن منذ لحظات حياته الأولى. ويركز علماء الإسلام في مخطوطاتهم عادة على نظافة الحروب الإسلامية وعدم استهدافها للمرأة أو الطفل أو الشيخ الطاعن في السن، بل وتنهى نصوص معتمدة عن النبي عليه السلام في الشأن الحربي عن قطع شجرة أو قتل حيوان أو المثلة بعدو.
من جهة أخرى يشعر المسلمون في قرارة أنفسهم بأن الولايات المتحدة تستحق بعض العنف الذي يمارس ضدها وذلك ضمن حسبة المعاملة بالمثل، فالولايات المتحدة كانت وما تزال تقتل الشعوب بهدف تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية بعيدة المدى، ومن حق المسلمين أن يردّوا القتل بالقتل، والعنف بعنف مضاد، دفاعا عن النفس والكرامة وليس أكثر.
وبظني أن اغلب المسلمين يعانون من دوار كبير في تحديد الموقف القاطع مما حدث ويحدث في المنطقة، إذ استطاعت القوى الإسلامية المتشددة أن تنفس عن غضب جمهور عريض من المسلمين بطريقة أو أخرى، وبالرغم من اختلافي مع منهج العنف الإسلامي ومع تأسيساته الفكرية التي يقوم عليها، إلا أنني أعده صنيعة الواقع السياسي العالمي القائم على فرض القوة وهتك سيادة الدول، والمتمترس خلف قانون دولي يحمي أطماع الكبار الذين يمتلكون وحدهم حق العيش بحرية وأمن وكرامة.
من المؤكد أن الأسوياء لن يقبلوا الإرهاب وقتل الأبرياء وسيلة ضغط سياسية، ولكن أي عاقل أيضا لن يقبل أن يعالج إرهاب الأفراد والجماعات المغمورة بإرهاب الدول، ومما يثير الاستغراب أننا لازلنا نعتقد وببساطة، أن لحظة القضاء على العنف هي لحظة القضاء على مجموعة أشخاص ينتمون لتيار الإسلام المتشدد، أو بضع منظمات سياسية معارضة، وما يجب أن نقرأه بعقول مفتوحة أن هؤلاء عبروا عن غضب الشارع الإسلامي من السياسات الأمريكية التي تحظى إسرائيل في ظلها بدعم سياسي وعسكري واقتصادي ليس له نظير.
بل وأعتقد أن الكثيرين هنا لا يجدون فرقا في الطبيعة، بل في الدّرجة فقط، بين عمليات التفخيخ وبين توفير غطاء سياسي وقانوني دولي للمذابح التي ترتكبها القوات الإسرائيلية يوميا في الأراضي المحتلة.
لا يكفي اليوم أن نقول اننا ضد العنف، أو أن نلاحق نتائج العنف ونعتقل أنصاره، فهذه ليست بطولة، وإنما البطولة تكمن في القدرة على البحث جيدا في الأسباب التي دفعت هؤلاء لامتشاق السلاح والتضحية بالمال والنفس والوطن دون شعور بالذنب أو إحساس بالألم.
ولو تمعنا في أسباب العنف لفوجئنا بأن أرضية خلق " القنابل البشرية المفخخة" قوية في مجتمعاتنا، ليس لأن الإسلام عنيف، بل لأن الواقع السياسي العالمي يدفع في اتجاه التصادم بين المنظومات المختلفة.
بالطبع ليس المقصود تبرير العنف الذي تمارسه قوى إسلامية متشددة ضد الآخرين، إذ تبدو المشكلة في جوهرها أكثر عمقا، فهذه القوى تمتلك كل المبررات الشرعية لتجاوز اجتهادات علماء الأمة وحكمائها، الأمر الذي يغنيهم عن الالتفات إلى آرائنا مهما وجدناها نحن شرعية وجديرة، فلديهم كل ما يدعم رأيهم من كتاب مخطوط أو كُرّاس سري، أو شيخ قصير النظر.
وإنما الأجدر بالذين يرهبون أعمال العنف ويخشون أن تأكلهم نارها، ويبتغون بسط السلم الاجتماعي، المبادرة لعقد المصالحات الوطنية عبر فتح منابر التعبير عن الرأي والاستماع لكل أبناء المجتمع دون تصنيف أو تضييق، فلا أكاد أجد فرقا بين المجتمعات المستقرة والمجتمعات المتوترة سوى كون الأولى تمتلك القدرة على تلمس عثراتها وتصحيح مساراتها قبل انقضاء الفرصة، فيما تتستر الثانية على أخطائها وأزماتها الذاتية حتى تتضخم وتنفجر وينفجر معها المجتمع على شكل حروب وصدامات وأعمال عنف يومية. * أحمد شهاب، كاتب كويتي AHMED_HJ@HOTMAIL.COM