لماذا فشلت السياسة التركية في العراق

بقلم: عبد القادر الطائي

ابدأ هذا المقال والبحث مستشهدا بما قاله جلال الطالباني عقب تشكيل الحكومة الأخيرة برئاسة نوري المالكي بأن "تركيا راهنت على الحصان الخاسر". ولا أريد أن ادخل في الجدل والرد التركي على هذا التصريح فهو معلوم ومنشور وتداولته الألسن والأقلام. ما يهمني هنا هو فشل السياسة التركية في الملف العراقي بعد أن عجز العرب أن يقدموا شيئا ايجابيا لإخوانهم في العراق وبعد دخول تركيا كلاعب جديد وقوي على الساحة في الشرق الأوسط وخاصة في عهد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.

لعل كثيرا من العراقيين وبعض القوى السياسية المناهضة للاحتلال وللنفوذ الإيراني قد عولت على هذا الدور التركي في العراق أول الأمر أملاً منها في خلق قدر من التوازن المفقود والحد من النفوذ الإيراني الطاغي على المشهد العراقي بعد احتلاله. ولهذا السبب رحب البعض صراحة وسكت البعض الأخر عن هذا الدور لعله يفلح في تغيير الواقع أو المساعدة على تغييره، والسكوت غالبا ما يفسر بالرضا.

إلا أن هذا الأمل قد تبدد وذهب أدراج الرياح، حيث فشلت السياسة التركية الخارجية في أن تقدم شيئا للعراقيين يوازي هذا الأمل والطموح.

ولابد لنا في هذا المقام أن نؤشر أسباب هذا الفشل والتخبط في الملف العراقي وسبل نجاحه في المستقبل وتخطيه للأخطاء التي وقع فيها إن أرادت تركيا أن يكون لها دورٌ مؤثرٌ وايجابيٌ في القضية العراقية، ويمكن إيجازها بما يلي:

أولا: كان التعاطي التركي في الشأن العراقي تعاطيا براغماتيا مصلحيا واضحا من خلال تركيزه على الجانب الاقتصادي والتجاري باعتبار أن في العراق فرصة كبيرة للاستثمار وسوقا مهما في الشرق الأوسط ومصدرا كبيرا من مصادر الطاقة في العالم من حيث النفط والغاز ولحاجة العراق في إعادة بناء وتطوير بنيته التحتية التي دمرها الاحتلال الأميركي الغربي والحصار الاقتصادي الذي فرض عليه قبل الاحتلال.

اتجه صانع السياسة الخارجية التركية هذا الاتجاه على أمل أن يكون له مدخل رحب للولوج من خلاله إلى الساحة العراقية التي لم يكن له تواجد واضح أو نفوذ فيها من قبل، بخلاف إيران التي تتمتع بنفوذ كبير وخطير من خلال حلفائها وأصدقائها المسيطرين على السلطة في العراق لذلك كان على تركيا أن تطور علاقاتها السياسية مع العراق أولا، وفعلا استطاعت أن تنجح بذلك عبر الزيارات المتكررة للمسؤولين الأتراك للعراق، ولعل زيارة رئيس الوزراء التركي اردوغان لبغداد قد فتحت الباب أمام تطور هذه العلاقة المتنامية بصورة مطردة إضافة للزيارات المتكررة لوزير خارجيته داود اوغلو لبغداد واربيل.

وساعد في تطور هذه العلاقات حرص المسؤولين العراقيين وحاجتهم الملحة لبناء وتطوير العلاقات مع الدول المجاورة وكسب المزيد من الاعتراف والتأييد للسلطة الناشئة حديثا في ظل الاحتلال والتي ينظر إليها في كثير من الأحيان على أنها سلطة ناقصة السيادة والإرادة وإنها مجرد صدى لصوت الاحتلال الأميركي والقوى والاقليمة المتنفذة في العراق،و ما يؤكد ما ذهبنا إليه هو تنامي التبادل التجاري بين البلدين والتواجد الكبير للشركات التركية في العراق وخاصة في شماله باعتبار أن تلك المنطقة تتمتع بشيء من الاستقرار والأمان.

ثانيا: اعتماد السياسة الخارجية التركية على العملية السياسية القائمة في العراق كسبيل للتغير وتبني فكرة إعادة التوازن في السلطة وتغير الوضع السياسي في العراق من داخل العملية السياسية التي أثبتت الوقائع عدم جدواها في الإصلاح وهي ذات الفكرة التي تبنتها الدول العربية من قبل والتي سوقتها الإدارة الأميركية وأصدقائها كرد على مطالبات الدول العربية لأميركا بتغير الوضع القائم في العراق بعد أن تعاظم النفوذ الإيراني وسيطرة حلفائها على مقاليد السلطة وإقصاء وتهميش المعارضين للاحتلال ومشاريعه في العراق وعلى هذا الأساس ساهم الأتراك بصورة مباشرة في دعم العملية السياسية الفاشلة في العراق والتي بنيت على أسس ومبادئ خاطئة، وتبنت المحاصصة الطائفية والعرقية كأساس لها واعتمدت دستورا شاذا كرس هذه الطائفية السياسية،وأصبح من غير الممكن تغير هذا الواقع بالطرق القانونية المعتمدة في الممارسات الديمقراطية، وقد أثبتت التجربة فشل هذا الخيار في تغير الأوضاع في العراق وخاصة بعد أن أقصيت القائمة العراقية مكرهة عن تشكيل الحكومة بالرغم من فوزها بالانتخابات الأخيرة وحصولها على اكبر عدد من المقاعد النيابية رغم الدعم الذي قدمه الأتراك والدول العربية لها.

ثالثا: اعتمد صانع القرار التركي في رسم سياسته المتعلقة بالعراق على مساعدة ومشورة بعض الأشخاص والجماعات السياسية من داخل العملية السياسية أو القريبين منها أو من خارجها نتيجة للتقارب الفكري معهم أو لوجود علاقات مصلحية وشخصية مع البعض الأخر أو لروابط عرقية مشتركة.

وعلى أية حال فان هؤلاء الأشخاص أو الجماعات التي احتضنتها تركيا والتي لعبت دورا مهما في توجيه مسار السياسة التركية في الملف العراقي لم يكونوا على هذا القدر من الوعي السياسي والرؤية الواضحة للمشكلة العراقية من حيث أسبابها الرئيسة وأولويات العمل الواجب تبنيه في هذه المرحلة للوصول إلى حل ناجع للقضية العراقية، بل إن البعض من هؤلاء كان ولازال جزءً من المشكلة وطرفاً فاعلاً فيها وساهم بصورة مباشرة في هذا المأزق الذي يعاني منه الشعب العراقي.

رابعا: استبعد الساسة الأتراك عنصرا مهما ومؤثرا في القضية العراقية ألا وهو القوى الوطنية العراقية المناهضة والمقاومة للاحتلال بكل أطيافها ومسمياتها المعروفة والفاعلة على الساحة والتي أكدت حضورها وفاعليتها على مدى سني الاحتلال سواء منها القوى المسلحة أو القوى السياسية التي عاشت المشكلة العراقية في أدق تفاصيلها، والتي أثبتت التجربة صحة توجهها، وصواب رأيها، ونضج طرحها الوطني الشامل، واستيعابها لخطورة المرحلة، والمؤامرات والمخططات، والنوايا التي تتربص بالوطن ومستقبله.

انه لمن المؤسف جدا أن يتجاهل الساسة الأتراك لهذه القوى الوطنية ودورها المهم في الشأن العراقي والتي شهد الأعداء قبل الأصدقاء بمواقفها المبدئية الراسخة في رفض الاحتلال ومشاريعه، وكان لها الفضل السابق في التصدي وإجهاض المشروع الأميركي ليس فقط في العراق، بل في الشرق الأوسط كله.

خامسا: لم يحسن الأتراك تقدير حقيقة وحجم الدور الإقليمي في العراق وخاصة الدور الإيراني المهيمن على الساحة العراقية وطبيعته الازدواجية ومدى التوافق بينه وبين الدور الأميركي بالرغم من الخطاب الإعلامي البراق المعادي لأميركا والذي لم يعد ينطلِ على أحد من أبناء العراق أو من المهتمين بالشأن العراقي، وما يؤكد هذا الرأي هو الدعم السياسي والإعلامي الواضح للعملية السياسية منذ انطلاقها وتأسيسها على أيدي الاحتلال الأميركي، ووقوفهم ومساندتهم للأحزاب والقوى التي جاء بها الاحتلال، ولعل انتخابات عام 2010م وتشكيل حكومة المالكي ومرافقها من شد وجذب وضغوط كبيرة تعرضت لها بعض الكتل السياسية، وإرغامها وفرض الأمر الواقع عليها خير دليل على ذلك.

لهذه الأسباب وربما لأسباب أخرى تضائل الدور التركي وتراجع كثيرا، بل فشل في تحقيق ما كان يعول عليه الكثير من العراقيين والعرب على حد سواء، ولذلك ومن واجب التذكير والنصح وحرصا على أن يكون لتركيا دور ايجابي فاعل وحقيقي في تقديم العون للعراق وتصحيح الأوضاع السائدة فيه وإعادة التوازن المفقود بين جميع أطيافه، والوصول به إلى قواعد سليمة وعادلة يمكن من خلالها إعادة ترتيب البيت العراقي واستعادت عافيته من جديد وتخطي هذه المرحلة المؤسفة التي عانى منها الشعب العراقي بكل أطيافه وأعراقه.

ولكي يتحقق النجاح لهذا الدور فلا بد للقادة الأتراك من مراجعة حساباتهم وخططهم وان يوجهوا دفة سياستهم المتعلقة بالعراق إلى الاتجاه الصحيح وان يكونوا أكثر جدية وحزما، وان يعتمدوا معيارا أكثر توازنا بين مصالحهم ومصالح الشعب العراقي، وان يأخذوا بعين الاعتبار العمق التاريخي والجغرافي وما يمثله العراق لمنطقة الشرق الأوسط من صمام أمان بوجه الكثير من المشكلات الخطيرة التي يمكن أن تهدد وتزعزع الأمن والاستقرار في المنطقة، وعلى الأتراك أن لا يتجاهلوا دور القوى الوطنية العراقية الفاعلة والمؤثرة في الساحة وان يكون لهذه القوى حضور فعلي في ذاكرة صانع القرار التركي.

أتمنى أن يكون الدور التركي في العراق دورا ذاتيا نابعا من حرصها على وحدة العراق واستقلاله ومصالح شعبه بعيدا عن الإرادة الأميركية واملآتها بما يحقق مصالح الشعبين العراقي والتركي.

عبدالقادر الطائي