لماذا فشلت 'السعودة' في السعودية؟

أعداء العاطلين تتزايد

الرياض - كشف تقرير سعودي رسمي أن الاستراتيجية التي تبنتها الرياض لخلق فرص عمل للمواطنين السعوديين في القطاع الخاص خلال العقد الماضي والتي عرفت إعلاميا باسم "السعودة" لم تحقق "نجاح يذكر".

وذكر التقرير الذي صدر عن وزارة العمل السعودية ونشرته صحيفة "عكاظ" أن نتائج خطط الوزارة لتفعيل "السعودة" كانت دون المستوى المأمول، وأن الفائدة المنتظرة من توظيف السعوديين في القطاع الخاص لم تتحقق.

وكان وزير العمل السعودي الدكتور غازي عبدالرحمن القصيبي اعترف قبل أعوام أن وزارته ليس باستطاعتها فرض التحكم والسيطرة على القطاع الخاص وإخضاعه بالقوة لتنفيذ قرارات توظيف العمالة الوطنية، لكنها تنظر إليه باعتباره شريكاً لها في مهمة التوجه لخفض حجم معدلات البطالة بتحقيق أهداف توظيف السعوديين، وليس على أنه طرف يجب إخضاعه للإذعان لتنفيذ قرارات "السعودة".

وقال إن وزارته تعتبر أن وجود عاطل سعودي واحد سواء كان ذكراً أو أنثى جدير بأن يُبذل من أجله أقصى جهد لكي يحصل على عمل، وأضاف "لا أتصور أن تكون هناك مشكلة حقيقية في إيجاد وظيفة في القطاع الخاص لمن يبحث عنها من المواطنين بشكل جاد".

وتشير مصادر وزارة العمل السعودية إلى أن الوافدين يعادلون نحو ثمانية أضعاف المواطنين العاملين في منشآت القطاع الخاص "وذلك بواقع 765.6 ألف سعودي، مقابل 5.8 مليون وافد".

وينتمي الوافدين في السعودية إلى أكثر من مائتي جنسية عربية وأجنبية من مختلف أنحاء العالم.

وأكدت السعودية مرارا أنها ضمن الدول الأقل تأثراً بالأزمة المالية العالمية بفضل السياسات الاقتصادية والإصلاحات التي اتخذتها الحكومة، وحالة الازدهار الاقتصادي التي تعيشها المملكة منذ العام 2004م.

وتشير وزارة العمل السعودية أنها لم تُرصد حالات تسريح جماعية للعمالة المحلية كنتيجة مباشرة للأزمة المالية، وتؤكد أن الطلب على العمالة مستمر من جانب القطاع الخاص.

لكن الأرقام في الواقع تؤكد عكس ذلك، حيث تشير صحيفة عكاظ إلى أن عدد العاطلين وصل إلى 448 ألفا و547 عاطلا بزيادة 32 ألفا و197 عاطلا عن عام 2008، وتؤكد أن معدل البطالة بلغ 10.5 في المائة وفق الدراسة الرسمية.

ويقول الكاتب فهد بن عبدالله البدراني "يتساءل الكثيرون لماذا تنجح 'السعودة' في قطاع وتخفق في آخر؟ السبب من وجهة نظري يعود للأساليب التي تتم بها طريقة السعودة فهي تختلف كلياً من قطاع لآخر لأن استقطاب الشباب السعودي يجب أن يكون مبنياً على الاحتياج الفعلي وتحديد التخصصات التي يمكن أن تشغل الوظائف المناطة بالسعودي ومناسبته لها، بعد ذلك يجب أن يعقب عملية الاختيار تحديد برامج تدريبية متخصصة ومكثفة لنخرج بكفاءات سعودية للانخراط في العمل في القطاع الخاص، وهذا هو الاستثمار الحقيقي الذي يمثل مستقبل القطاع الخاص إذا استثمر الطاقات بالتدريب أولاً".

وأوضحت وزارة العمل السعودية أن استقدام الموظفين غير السعوديين ارتفع بنسبة 1.3 في المائة، نتيجة حاجة البلاد لمواكبة متطلبات المرحلة الحالية من التنمية الاقتصادية.

وتواجه السعودية كبقية دول مجلس التعاون الخليجي تحديا يحمل عنوان "التركيبة السكانية"، حيث يعتبر مواطني تلك الدول أقلية قياسا بحجم العمالة الوافدة.

ويتساءل الكاتب عبداللطيف الضويحي في مقال له "هل فقدت وزارة العمل بوصلة السعودة؟".

ويضيف "على الرغم من كل الجهود المخلصة المبذولة في تلك الإستراتيجية. فمشكلة مشروع 'السعودة' أنه رَبَط عاطفياً منذ البداية بين الاستقدام والبطالة وكأن الاستقدام هو السبب المباشر الأوحد للبطالة، وأنه لا يمكن القضاء على البطالة أو الحد منها دون الوقف التام أو الحد من الاستقدام، حتى تداخل الأمر على أطراف عديدة بمن فيهم الرأي العام وصناع القرار وربما حتى على المخططين. والحقيقة ما كان ينبغي الربط بينهما برغم وجود علاقة غير مباشرة بينهما".

و توقعت دراسة رسمية انخفاض معدّل البطالة في القوى العاملة السعودية إلى نسبة 7.1 في المئة عام 2014.

وأكدت الدراسة التي نشرتها صحيفة "شمس" أن العمالة السعودية المحلية ستغطّي تقريبا 58.6 في المئة من إجمالي الطلب على العمالة عام 2014، بينما يصل تعداد العاطلين عن العمل في السعودية في العام ذاته إلى ما يقارب 418.51 ألف شخص.

ويقول الضويحي إن وزارة العمل أخفقت بأنها لم تلتفت إلى تغيير القيم الثقافية المحلية السلبية تجاه قيمة وقيم العمل بالتنسيق والتعاون مع الجهات ذات الصلة.

ويضيف "يجب أن نعترف بأن لدينا قيماً اجتماعية حالت وتحول دون ميلاد جيل أو أجيال تؤمن بالعمل ليس كوظيفة وإنما كمهنة تحميها قيم العمل الإنتاجية وليس المضاهاة الاجتماعية".

وأوصت الدراسة السابقة بضرورة دعم العمالة السعودية من خلال برنامج يركّز على حصر المهن والوظائف الجديدة، ومتطلباتها من مستوى التأهيل والمهارات، وحصر العاطلين عن العمل داخل قوى العمل، "وهو ما يشمل الشباب المتسرّبين من التعليم، والخرّيجين الباحثين عن عمل، وإعادة تأهيلهم بتدريبهم في برامج تنتهي بالتوظيف في المشاريع الجديدة، إضافة إلى العمل على زيادة مشاركة المرأة في العمل، وفتح مجالاته لها، والتوسّع في إنشاء مراكز تدريب، ومكاتب توظيف لهذا الغرض".

ويقول الضويحي "لو كان لدى الوزارة أهداف واضحة تفصل بين البطالة والاستقدام، لما بقيت الوزارة تدور في حلقة مفرغة منذ انطلاقة هذا المشروع. فما إن تبدأ بخطة حتى تلغيها بقرار جديد، لا تصمد بعض تلك الأنظمةٌ أشهر فتتغير، بشكل يعكس سياسة الترقيع وعدم الوضوح".

ويتساءل "لماذا بقي رقم البطالة مرتفعاً بعد مرور كل هذه السنوات على انطلاقته حتى في ذروة ارتفاع أسعار البترول لبلد هو الأول عالميا في إنتاج البترول؟ ولماذا أخفقت وزارة العمل في فرض الحد الأدنى من الأجور الذي تطبقه كثير من الدول النامية والمتقدمة والذي بسبب غيابه يستعبد أرباب العمل العاملين السعوديين وغير السعوديين"؟