لماذا تحول حزب الله من حزب مقاوم إلى بيئة حاضنة؟

بقلم: حسان القطب

الأحزاب العقائدية ترسم مسارها السياسي استناداً لمنهجها الفكري المستمد من المبادئ العقائدية التي تحملها وتتبناها وتؤمن بها، وهي تسعى لتحقيق حضورها ووجودها وتطبيق رؤيتها السياسية على الساحة المحلية أو الإقليمي أو الدولية، من خلال ربط جمهورها ومحبيها ومؤيديها والمؤمنين بها بثوابتها العقائدية سواء كانت دينية أو علمانية.. وأي عبث أو تلاعب في التوجه السياسي أو الخطوط العريضة للتوجهات السياسية لهذا الحزب أو ذاك تفقد المواطن أو المؤيد وحتى العضو في أحد هذه الأحزاب الثقة ليس بالنهج السياسي فقط بل بالرؤية الفكرية لفريقه، وبالتالي بثوابته ومسلماته العقائدية.. وبمدى جدية ومصداقية قيادته التي ترفع هذه العناوين والشعارات والمبادئ.

وحالة حزب الله في لبنان هي حالة من بين هذه الحالات، التي تناقضت فيها المسارات السياسية، والأداء الجهادي والمالي وحتى البنيوي داخل هذا الحزب مع المبادئ والمسلمات الدينية التي أعلنها حزب الله مع بدايات انطلاقته في مطلع العقد الثامن من القرن الماضي.. فانطلاقة حزب الله كانت انطلاقة تحمل في بداياتها مفاهيم وطنية جامعة أبعد ما تكون عن الطائفية والمذهبية على مستوى لبنان، ومسيرة جهادية تسعى لجمع كافة القوى التي تتبنى روح وفكر ورؤية المقاومة تحت شعار واحد وهو المقاومة الوطنية ولو كان هذا الأمر تحت شعار أو راية "المقاومة الإسلامية" بهدف تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، والعمل على عودة السلطة الشرعية اللبنانية لتبسط سلطتها على كافة الأراضي اللبنانية دون استثناء، هذا على المستوى الوطني، أما على الصعيد الإسلامي فقد كان حزب الله يسعى في لقاءاته وحواراته واتصالاته التأكيد على التعاون مع كافة القوى الإسلامية دون استثناء باعتبار أن المقاومة هي العنوان، والتحرير هو الهدف، بغض النظر عن التباين العقائدي وبالتحديد بين أهل السنة والشيعة؟

ولكن وبعد أن اشتد ساعد حزب الله وقوي عوده بفضل الدعم المالي واللوجستي والمعنوي من دولة إيران وبفضل الحضانة السياسية والغطاء الأمني الذي وفره له الوجود العسكري السوري في لبنان، بهدف خدمة إستراتيجيته السياسية والعسكرية الهادفة إلى إبقاء بؤر أمنية وقوى مسلحة غير شرعية في لبنان، تعطيه القدرة على المساومة مع المجتمع الدولي على ضرورة ضبط هذه المجموعات أو التخلص منها عند الضرورة، بما يكفل له البقاء في لبنان ورعاية شؤونه واستغلال مقدراته واللعب على تناقضاته إلى ما شاء الله. هذا الواقع الذي لا يمكن تجاهله أو إنكاره دفع بحزب الله إلى الشعور بحال من الاسترخاء والاستقرار والثقة بالنفس مما شجعه ليكشف أكثر فأكثر عن حقيقة توجهاته ومخططاته وأهدافه، وخاصةً بعد إنجاز التحرير عام 2000، حيث بدأنا نسمع لغة مختلفة يطلقها قادة حزب الله، ورأينا ممارسات مختلفة عن حالة ما قبل التحرير ومن الممكن إبرازها على الشكل التالي:

- تحول المقاومة من مقاومة إسلامية، إلى مقاومة تحمل روحاً مذهبية، فهي حسينية شيعية، في فكرها وعقيدتها وسياساتها، وتتبنى مفهوم الولي الفقيه الذي يقود الدولة والشعب بسلطة دينية مطلقة، وهذا يتناقض مع مفاهيم ومبادئ وعقائد أهل السنة على المستوى الإسلامي، وعلى المستوى الوطني تتعارض مع روحية العيش المشترك ومدنية الدولة اللبنانية التي تجمع تحت سقفها 18 طائفة ومذهب ومكون اجتماعي وديني من المفترض أن تعيش في تناغم وانسجام في دولة مدنية لا دولة دينية؟ وبناءً على هذه الحالة اختزل حزب الله الطائفة الشيعية في حضوره السياسي، رغم أن الحضور الرسمي في مؤسسات الدولة الدستورية هو لحركة أمل ممثلة برئيسها نبيه بري. وأصبح حزب الله حامي حمى الطائفة الشيعية في لبنان والمنطقة، رغم تدثره بغطاء مقاومة الوجود الإسرائيلي في المنطقة، فأصبح ملف الحوثيين في اليمن من اختصاص نصرالله، الذي ناشد الرئيس اليمني وقف الحرب في منطقة صعدة، والملف البحريني تحول إلى أولوية في السياسة الخارجية لحزب الله متقدماً على كافة ملفات منطقة الشرق الأوسط الشائكة بما فيها القضية الفلسطينية، والتحق به بعض مكونات المجتمع الشيعي في لبنان دفاعاً عن شيعة البحرين أو استنكاراً وإدانة لما يقوم به نظام مملكة البحرين لحماية سلمه الأهلي واستقرار مملكته. كما سمح نصرالله لنفسه بمهاجمة المتظاهرين السوريين المطالبين بالحرية والعدالة، ومعلناً تأييده للنظام القمعي في دمشق؟

- بدأ حزب الله يتدخل في شؤون الطوائف الأخرى في لبنان، مؤيداً ومعارضاً، حاضناً ومعادياً، فاحتضن بعض المجموعات من الطائفة السنية وحاول أن يعطيها شرعية تمثيل الطائفة السنية في السلطة وعلى المستوى الإقليمي، وسمح لنفسه باحتضان بعض القوى الدرزية في مواجهة وليد جنبلاط قبل أن يبدأ هذا الأخير مسيرة التحول نحو الفكر الشمولي الذي كان يهاجمه ويرفض سلطته، ومارس المهمة عينها في الجسم المسيحي، وانخرط في لعبة توزيع الاتهامات بالعمالة والخيانة على هذا الفريق أو ذاك وأعطى نفسه حق إضفاء ألقاب الوطنية والبطولة والصمود والممانعة والأكثرية والأقلية على بعض هذه القوى والشخصيات مستنداً إلى قوته العسكرية وانتشاره الواسع ومرتكزاً إلى احتضان شريحة واسعة من أبناء الطائفة الشيعية لبرنامجه ومنهجه وطموحاته باعتباره راعياً لمستقبلها السياسي والاجتماعي في لبنان والمنطقة.. مما يعطي كل خلاف أو تباين بعداً مذهبياً أو طائفياً؟

- هذا الواقع الطائفي والمذهبي الذي بدأ يظهر به حزب الله على الساحة اللبنانية، دفع بشريحة واسعة من أبناء الطائفة للالتحاق به والانخراط في صفوفه، وهذا ما قد يؤدي بالتأكيد، وقد أدى بالفعل، إلى أن ينضوي في صفوفه ولاعتبارات دينية مجموعات أو عناصر ليست بالضرورة على قناعة بفكر حزب الله وبرامجه، ولكن نتيجة الشد العصبي والمذهبي، ولمصالح خاصة وبغية تحقيق مكاسب وطموحات شخصية. فبدأنا نسمع وللمرة الأولى حالات فساد مالي في حزب الله وأهمها حالة الحاج صلاح عزالدين والمبالغ التي يتم الحديث عنها تتجاوز المعقول، والتي لم يكن ممكناً أن تكون في حوزة هذا الشخص أو برعايته وبإشرافه لولا ثقة المستثمرين به وبمن يظن انه راعيه وحاضنه رغم نفي حزب الله لأي علاقة تنظيمية له بهذا الشخص؟ وهناك العديد من الحالات التي يتحدث عنها المواطنون التي لا يمكن التأكد منها بصورة قطعية ولكن مما لا شك فيه أن العديد من قيادات حالية أو سابقة أصبحت ثرواتها موضع تساؤل المواطنين العاديين من المؤمنين بهذا الحزب ومسيرته؟

- كما أصبح الفساد المالي صورة ظاهرة في جسم حزب الله أو حالة ممكنة الوقوع، ومع اعتراف نصرالله بوجود عملاء في صفوفه، فقد بدأ حزب الله يعاني من حالة فساد سياسي أو بالأحرى تسلل عملاء إلى صفوفه ما قد يؤدي إلى تهديم مصداقية حزب الله كحزب مقاوم عقائدي ديني لا يمكن اختراقه، بسبب مناعته العقائدية والتزامه بروح العصبية المذهبية، والسبب في هذا يعود إلى توسع وتمدد الحالة الشعبية لحزب الله دون ضوابط كما يبدو، وامتناعه وإرضاءً لحليفه ميشال عون عن تسريع محاكمة فايز كرم المقرب من ميشال عون بتهمة العمالة، وعدم تلميح حزب الله مؤخراً بضرورة إعدام العملاء بعد محاكمتهم، باعتبار أن العميل لا طائفة ولا مذهب له. ثم إن هناك اللقاءات العديدة والمتعددة التي تعقد بين بعض المقربين منه وبعض مسؤولي السفارات في لبنان، فقد أعلنت حكومة بريطانيا، على سبيل المثال، أنها تعقد اجتماعات رسمية مع الحزب إذ غالبا ما يجتمع دبلوماسيوها سرا وعلنا مع مسؤولين كبار في حزب الله. وكانت بريطانيا أعلنت تغييرا في نهجها العام الماضي عندما قررت الإعلان عن لقاءاتها مع قادة الحزب، ودعت واشنطن إلى حذوها في خطوة أولى لمباشرة الحوار المباشر. كما كرمت «جمعية المبرات الخيرية الإسلامية» السفيرة البريطانية فرانسيس غاي لمناسبة قرب مغادرتها لبنان بعد انتهاء مهمتها الدبلوماسية. كما كرمت، في مطعم الساحة، المستشارة السياسية في السفارة نيكولاس ديفيس التي تنهي في تموز/يوليو، المقبل مهمتها في لبنان. وكانت كلمات للمدير العام للجمعية محمد باقر فضل الله ورئيس جمعية الهادي، إسماعيل الزين.

صحيح أن جمعية المبرات ليست تابعة لحزب الله ولكنها تعمل في الوسط الشيعي وقد يكون بعض الحاضرين أو المدعوين من الأصدقاء المشتركين وهكذا تبنى العلاقات وتؤسس بين من يكون مستعداً لخدمة أهداف الغير ومن هو جاهز لتلقف هذه المبادرة؟ يمكن القول أن لا بيئة حاضنة للعملاء بشكل خاص، كما لا يمكن القول أن أحداً لا يمكن اختراقه أو التسلل ضمن صفوفه مهما كانت حصانته العقائدية أو الفكرية أو المالية.. وهذا ما تبين جلياً في حالة حزب الله، مما أدى إلى تحوله من حالة حزب مقاوم إلى بيئة حاضنة وهي الصفة التي أطلقها على غيره من الأحزاب والبيئات اللبنانية؟

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات

hasktb@hotmail.com