لماذا التفريق بين القاعدة وداعش؟

في بادئ الأمر كنت أحسن الظن بطائفة من السلفيين واعتقد فيهم السذاجة التي تحجب عنهم رؤية خطر التطرف على حقيقته وتفرض عليهم تفريقاً مصطنعاً بين جبهة النصرة و"داعش"، لكني رأيت الأمر انقلب من السذاجة إلى قبول التطرف والسكوت عنه وتأييده تأييداً ضمنياً بعيداً عن التصريح والإفصاح المباشر.

فبعد أن أسفر تنظيم داعش عن وجه القاعدة الإيراني هرع البعض إلى التفريق بين تنظيم القاعدة وداعش، وأخذ ينهى عن الجمع بينهما تورعاً عن الطعن في المجاهدين!

ذكرنا في المقال السابق "أيهما أخطر داعش أم جبهة النصرة؟" أن الأصول الفكرية المنحرفة هي التي تجمع الفئتين (داعش والنصرة) وأن التفريق بينهما ما هو إلا سعي لإنقاذ المنهج الفاسد وتلميع صورته وحفظ ماء وجهه ومنحه مزيداً من المجال ليسفك الدماء.

يصرُ بعض السلفيين على الانسلاخ من سلفيتهم حينما يظهرون الورع ويحتمون بـ"الحيطة من الطعن في المجاهدين" لأنهم في الحقيقة يضمرون التطرف ولا يصرحون به ويميلون إليه ولا يعلنون عنه، فنحن أمام تيار باطني جديد مظهره سلفي وباطنه متطرف.

لقد اعترف الجولاني أنه كان يعمل في العراق تحت إمرة البغدادي (أمير داعش) كما أعلن عن بيعته للظواهري (في أبريل/نيسان 2013)، أما داعش فهي امتداد لدولة العراق الإسلامية ذراع الظواهري في العراق، فالكل يعمل في نفس المنظومة ويرتبط بقيادة الغلو فكرياً وتنظيمياً.

لم يتبرأ الجولاني والظواهري من إخوانهم في داعش، وإنما سعوا في إنقاذهم عبر التقدم بمبادرة وقف الفتنة وحل المشكلة عبر الحوار والتفاهم والتحاكم إلى الشرع.

لقد ارتكبت داعش الخيانة العظمى بحق الجهاد وأهل السنة، ومع ذلك ما زلنا نسمع دعوات إنهاء الفتنة والتصالح وتغليب المصلحة الجهادية (من جهة القاعدة) كما نسمع دعوات عدم الخلط بين الفاسد والمجاهد حتى وإن انتسبا للمنهج ذاته (من جهة المتعاطفين مع القاعدة).

هذا البرود والسلبية واللغة السلمية الهادئة والدعوات المفضوحة للصلح وفض النزاع وقطع دابر الفتنة، لا يدل على تجاهل للحكم الشرعي في التعامل مع الأزمة فحسب وإنما يدل على وقاحة كبيرة يتلبس بها أصحاب هذا الخطاب المسموم الذي لا يبالي بمصير العباد والجهاد والبلاد وغاية همه الحفاظ على سمعة القاعدة وفصائلها.

إن التفريق بين داعش والقاعدة غايته إنقاذ الفكر المتطرف وهو شبيه بالتفريق بين التشيع العربي والفارسي الهادف إلى إنقاذ التشيع.

على جميع المشايخ والدعاة والعلماء المندفعين للجهاد في سوريا أن يوضحوا رأيهم ويبنوا موقفهم من فتنة القاعدة، فالصمت أو التردد، أو إظهار الورع والاحتماء به يعني قتل الجهاد باسم الانتصار له، والسعي لتدميره بنية الحفاظ عليه!

على هؤلاء المندفعين أن يعلموا أن حب ابن باز وابن عثيمين والألباني لا يجتمع مع حب الظواهري وبن لادن والزرقاوي، وأنه لابد من الخروج من المنطقة الرمادية الضبابية وتحديد الموقف والاختيار: السلفية أم القاعدة؟ الجهاد أم العمليات الانتحارية؟ المشروع السني أم المشروع الإيراني؟ فلا توجد منطقة محايدة أو حالة ثالثة أو موقف متوسط، أو رأي يجمع بين الأمرين ويوفق بين الطرفين، لأن الحق لا يتضح إلا باتخاذ موقف متميز بيّن، ومكان بعيد عن موضع الشبهة وموطن الفتنة

أما الذين يجادلون عن القاعدة فلا نملك لهم سوى قول ربنا في كتابه "ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم مّن يكون عليهم وكيلا" [سورة النساء: 109].