لماذا الاعتراض على تسليح العراق

بقلم: جواد كاظم الخالصي

أمر طبيعي أن يكون لأي دولة في العالم جيش وقوى أمن داخلي تقوم على حمايتها من المخاطر الخارجية وهذا الأمر يستثنى منه فقط دولة الفاتيكان في جميع أنحاء العالم لاعتبارها دولة دينية روحية أكثر منه سياسية، وما لم يكن للدولة جيش وقوى أمن ضمن هيكليتها فلن تعتبر دولة في العرف السياسي لتشكيل الدول والاعتراف بها أمميا.
يعيش العراق وسط بيئة دولية مزدحمة بالمشاكل الجغرافية والاقتصادية والسياسية وكذلك الاجتماعية في الجانب العقائدي وهذا الوسط البيئي يفرض على العراق أن يكون متوازنا مع باقي الدول في كل القضايا التي تحفظ الدولة والمجتمع، ولعل الحروب التي مرّ بها العراق جعلت من المنطقة العربية التي تحيط به غير متزنة بالشكل النمطي السياسي الصحيح حيث تفرض حالة من التشاحن السياسي وربما العسكري في كثير من الأحيان ولا ننسى سنوات الحرب المرّة التي عشناها تحت نظام دكتاتوري توسعي جعلت من الإنسان العراقي أداة حربية تخوض المعارك على امتداد سنوات طويلة من الصراع الإقليمي وهذا ما رفضه عموم الشعب العراقي لأن لا أحد يتقبّل أن تتحوّل حياته إلى مشروع جحيم قابل لأن يحترق أو يحرق الآخرين.
من هذا المنطلق هل يحق لنا ولغيرنا أن يرفض تسليح الجيش العراقي وقواه الأمنية وفق معطيات رفض أبناء الشعب العراقي لأي حروب محتملة قد تخوضها الدولة العراقية مع دول الجوار أو الإقليم أو الداخل العراقي وهذا ما لا يمكن أن نقرّه، إذا كان التسليح من أجل الاعتداء وليس الدفاع وما لا يمكن أن نقرّه أيضا إذا كان من أجل اضطهاد أي مكوّن عراقي داخل العراق، أما الذي يجب أن نقرّه لدولة العراق الحق الكامل في امتلاكها السلاح الدفاعي عن الأرض والشعب لأن العراق يمتلك من الثروات الطبيعية ما يمكن أن يعرّضها لمخاطر الاعتداء الخارجي سواء الرسمي الدولي أو الغير رسمي كالمنظمات الإرهابية التي رأينا فعلها المنظّم على أرض العراق وكيفية تدميرها للبنية التحتية العراقية وهو أمر كاف لأن يتعاقد العراق على صفقات السلاح ولأي نوع كان باعتبار أن المنظمات الإرهابية الصغيرة القادمة إلينا عبر الحدود قد استخدمت جميع أنواع الأسلحة التي امتلكتها من دول لها أجندة في تدمير العراق سياسيا واقتصاديا.
إذا كان العراق بهذا الحجم الجغرافي والحجم الاقتصادي وثقله الكبير في المنطقة ولا يحق له التسلّح فلماذا القبول بتسليح دول صغيرة يكاد ان يكون حجمها بحجم محافظة من محافظات العراق ولديها من السلاح ما يفوق دول كبيرة في المنطقة مع عدم امتلاكها جيش وقوى أمن قد يصل إلى نسبة 20% من أعداد جيش العراق وقواه الأمنية، ثم لماذا هذا التخوّف الإيراني وهي تمتلك أحدث وأكبر ترسانة عسكرية في الشرق الاوسط كما أنها تمتلك جيشا كبيرا هل ما زال العقل التآمري عليهم مبني من خلال الوجود الأميركي في العراق وأن ذلك في النهاية سوف يستخدم كقوة رادعة ضدهم مستقبلا، فهل يظن الجانب الإيراني أن العراق بحكومته وجيشه وعقول سياسيّيه ألعوبة بيد الأميركيين، مع إن الأميركيين أيقنوا الصلابة العراقية في مواجهة عنجهيتهم وتعرّفوا عن قرب في كيفية التعامل مع رجال السياسة في العراق بهدوء دون استفزاز، والشعب العراقي بتجربته التي خاضها في حرب لمدة ثمانية سنوات دون هدف لم يعد مستعدا لتدمير مستقبل بلده وتدمير مستقبل أجياله.
أما اعتراض الأخوة الأكراد فهو أمر غريب أن يعترض أبناء البلد على تسليح جيشهم من مخاطر الإرهاب والاعتداء الخارجي وأن يكون للدولة العراقية وضعها الجغرافي القوي في المنطقة، والمشكلة أنهم يصرّحون بأن الجيش لو تسلّح بشكل جيد سوف يعود يوما للاعتداء على المكوّن الكردي عند أول مشكلة تواجه الدولة مع الأكراد. وهذا كلام مردود عليهم لأنهم يشاركون بشكل فاعل في الدولة العراقية وفي أعلى مراكز الدولة فكيف يكون التخطيط ضدهم ونحن اليوم دولة ديمقراطية تعددية تخضع للبرلمان ونوابه ولا يمكن أن يتخذ أي قرار بعيد عن الجو الديمقراطي والقرار الجماعي وهم لديهم تمثيل كبير في البرلمان وفي الحكومة وفي رئاسة الدولة، أنا أعتقد أنها مخاوف غير مبرّرة على الإطلاق خصوصا وأنها قضايا تمس الأمن القومي للدولة والحكومة الاتحادية وحدها من يقرر ذلك.
في اعتقادي إن الحكومة العراقية واعية بشكل جيد أن الشعب العراقي ما عاد قادرا على أي مهاترات عسكرية تقود إلى حروب غير واقعية وغير هادفة وأن الشعب العراقي سوف لن يقبل مرة أخرى أي مجازفات عسكرية لأيّ حكومة عراقية ستحكم البلد في إدخاله حروبا خاطئة وإنما ذلك التسلّح يأتي من أجل التوازن العسكري الدولي والإقليمي وبالمقابل لا أعتقد أن الشعب العراقي سوف يقبل أي اعتداء خارجي عليه سواء من الدول أو منظمات الموت الإرهابية لأن شيمة العراقي وحرصه على الأرض والعرض هما سببان قويان للدفاع وليس الهجوم والاعتداء على الآخر لأن الاستسلام هو عنوان خارج قاموس الإنسان العراقي. جواد كاظم الخالصي