لماذا أخفقت سياسة «السعوَدة» في تحقيق التوازن العُمّالي في السعودية؟

البحث في فارق التكلفة

جدة (السعودية) - على الرغم من كل الإجراءات التي تم اتخاذها بهدف توطين العمالة في المملكة العربية السعودية؛ إلا أنّ أعداد العمالة الوافدة لا زالت في تزايد. وتسجل أعداد طالبي العمل من المواطنين السعوديين زيادة بمعدل أكبر من الأعداد التي يقوم القطاع الخاص بتوظيفها.
هذا ما يستدل من مضمون دراسة أجريت مؤخراً لسياسة توطين العمالة في السعودية، والمعروفة باسم "السعْوَدة". وتستنتج الدراسة أنّ هذا الإخفاق يعود إلى ضعف تطبيق قرارات السعودة التي ينص عليها نظام العمل والعمال، وكذلك قرارات الإحلال التدريجي للعمالة المواطنة محل العمالة الوافدة. وتدعو الدراسة التي أعدها الدكتور حمد بن عبد العزيز التويجري، الأستاذ بجامعة الملك سعود، والتي تحمل عنوان "تجربة توطين العمالة في المملكة العربية السعودية"؛ إلى تفعيل قرارات السعودة وإجراء المزيد من الخطوات العملية لتطبيقها.
وكان إجمالي عدد القوى العاملة المدنية قد ارتفع من ما يربو على المليون ومائة ألف عامل في عام 1970 إلى ما يزيد على سبعة ملايين عامل في عام 2000، وذلك بمعدل نمو سنوي بلغ 18 في المائة. وقد قام القطاع الخاص باستيعاب 90 في المائة من هذه العمالة، بينما استوعب 10 في المائة منها في القطاع العام.
وقد تغيرت السياسات الحكومية المتعلقة بسوق العمل في التسعينيات من القرن العشرين عنها في السبعينيات. إذ ركزت خطط التنمية في البداية على تنمية القوى العاملة المواطنة مع الاستعانة بالعمالة الوافدة لإكمال النقص الكمي والكيفي في العمالة المواطنة، إلا أنّ انخفاض العوائد النفطية والذي واكبه معدلات نمو سكانية عالية جعل تركيز السياسات الحكومية ينصب على إحلال العمالة المواطنة محل العمالة الوافدة.
وتشير البيانات إلى أنّ قرارات السعودة خلال الفترة الماضية قد ساعدت على إيجاد عمل للمواطنين في النشاطات والمهن التي تم قصرها على المواطنين، فعلى سبيل المثال ساعد قرار سعودة نشاط البيع في أسواق ومحلات الخضار في إيجاد أكثر من عشرين ألف فرصة عمل. كذلك فإنّ قرار مجلس الوزراء السعودي رقم 50، والذي يهدف إلى الإحلال التدريجي للعمالة المواطنة محل الوافدة في منشآت القطاع الخاص التي توظف عشرين عاملاً فأكثر؛ قد ساهم في زيادة العمالة المواطنة في هذه المنشآت بنسبة 58 في المائة خلال السنوات 1416-1422 هـ.
وتلاحظ الدراسة أنّ النمو في أعداد العاملين السعوديين يختلف من قطاع إلى آخر، فقد شهد قطاع التجارة والخدمات نمواً في أعداد العمالة المواطنة يتجاوز 300 في المائة خلال السنوات 1416-1422 هـ. كذلك شهد قطاع التشييد والبناء زيادة في أعداد العمالة المواطنة بلغت 245 في المائة، بينما بلغ النمو في أعداد العمالة المواطنة 2 في المائة فقط في قطاع المناجم والبترول.
وعلى الرغم من أنّ نظام العمل والعمال في المملكة العربية السعودية يؤكد أنّ "العمل حق للمواطن"، وأن يتم استقدام العامل الوافد للعمل في المهنة التي لا يوجد من يشغلها من المواطنين، وكذلك على الرغم من السياسات التي تهدف إلى توطين الوظائف؛ إلا إنّ هذه السياسات لم تحقق طموحات المسؤولين والأفراد وتطلعاتهم، وتعاني العديد من أوجه القصور.
فقد استمر النمو في أعداد العمالة الوافدة على الرغم من تأكيد خطط التنمية السعودية للحاجة إلى إحلال العمالة المواطنة محل العمالة الوافدة. وقد بلغت أعداد العمالة الوافدة التي تمت الموافقة على استقدامها من قبل مكاتب العمل أكثر من نصف مليون عامل في عام 1421 هـ وحده. وبينما تزايدت أعداد السعوديين العاملين في منشآت القطاع الخاص؛ إلا أنّ عدد العمالة الوافدة قد زاد بنسبة مماثلة، ما يعني أنّ الزيادة في توظيف العمالة المواطِنة يرجع إلى الزيادة في الطلب على العمالة نتيجة النمو الاقتصادي وليس نتيجة الإحلال.
وتربط المصادر المختصة أسباب عدم قبول المواطنين السعوديين للعمل في القطاع الخاص بالمملكة؛ إلى ضعف مستوى الأجور والحوافز المادية والمعنوية، وانخفاض فرص الترقية والتقدم الوظيفي، وارتفاع ساعات العمل اليومية والأسبوعية وكذلك قصر الإجازات مقارنة بالقطاع العام. ويضاف إلى ذلك مبالغة القطاع الخاص في شروط التوظيف المتعلقة بسنوات الخبرة ومستوى اللغة الإنكليزية والحاسب الآلي، وانخفاض مستوى الأمن الوظيفي في القطاع الخاص مقارنة بالقطاع العام، علاوة على اختلاف النظام التقاعدي في القطاع الخاص عنه في القطاع العام.
ويعزو المسؤولون في القطاع الخاص أسباب انخفاض توظيف العمالة المواطنة إلى عدة عوامل؛ مثل ارتفاع تكلفة العامل المواطن مقارنة بالعامل الوافد، وارتفاع إنتاجية العامل الوافد مقارنة بالعامل المواطن نتيجة لضعف التأهيل العلمية وانخفاض مستوى التدريب لدى العامل المواطن، وارتفاع مستويات التسرب عند العمالة المواطنة أثناء التدريب الذي تدفع المنشآت الخاصة تكاليفه أو بعد الالتحاق بالعمل. ويضاف إلى ذلك أنّ "العامل الوافد أكثر انضباطاً وأكثر تحملاً للمسؤولية"، بحسب ما تورده الدراسة.
ويعتبر ارتفاع معدلات تسرب العمالة السعودية المواطنة سواء أثناء التدريب أو بعد الالتحاق بالعمل في المنشات الخاصة بالسعودية أحد العوائق أمام توظيف العمالة المواطنة في القطاع الخاص. إذ يؤدي ارتفاع معدلات التسرب إلى زيادة تكاليف المنشات الخاصة نتيجة توظيف العمالة المواطنة، وهي المشكلة التي دفعت الحكومة السعودية إلى اتخاذ إجراءات لتطويقها.
وللعمل على تخفيض فارق التكلفة بين توظيف العامل المواطن والعامل الوافد تم رفع تكاليف الاستقدام وتجديد الإقامات والرخص للعمالة الوافدة. ولكن إجراءات رفع إنتاجية العامل المواطن وتخفيض فارق التكلفة وكذلك ربط القروض والمناقصات الحكومية بنسب سعودة معينة تلتزم بها المنشآت؛ لم تكن كافية لاصلاح الخلل في سوق العمل. ولهذا فقد أصدرت الحكومة السعودية عدداً من القرارات الملزمة للقطاع الخاص بهدف إحلال العمالة المواطنة محل الوافدة، مثل قرار مجلس الوزراء رقم 50 الذي يهدف إلى إجراء إحلال تدريجي للعمالة المواطنة محل الوافدة وكذلك قرارات قصر بعض المهن والأنشطة على العمالة المواطنة. (قدس برس)