للحرب أثر عاطفي عميق

حركة الشخصيات ثقيلة

لم تعد آثار الحرب في سورية تتجسّد في انهيار وتهدّم المدن أو في قتل الإنسان وفي لون الدماء. فثمة كوارث أخرى تتصدّر المشهد على الطرف الآخر، الاجتماعي منه والعاطفي، لتعبث في أرواح البشر وتقتلهم دون أن تسيل منهم قطرة دم واحدة. لذا حاول "coma" وهو فيلم وثائقي لـ سارا فتّاحي، أن يبحث في تفاصيل حميمية لثلاثة نساء بثلاثة عقود مختلفة من الزمن، خائضاً في حيواتهن التي تتقاطع بشكل كبير مع أحداث دمشق، المدينة التي على قيد الوفاة.

بمرورها العابر والكثيف، تجعل الحرب ملامح الناس متساوية وفق تدرّجات زمانية متتابعة. ففي لحظاتها الأولى يتصدّر الرعب والفزع والارتباك الوجوه فيتسمّر في العيون حتى يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى جمود يمنع الشفاه من ابتسامة صريحة وحقيقية. وفي الفيلم، ومن خلال هؤلاء النساء نكتشف أن للكارثة عمقاً أبدياً يغوص في الروح ولا يخرج منها أبداً.

في الفيلم حركة الشخصيات ثقيلة، محبطة ومحمّلة بأوجاع الواقع. ولعلّ العبارة التي تأتي على لسان إحدى السيدات تصبّ في حديثنا هذا إذ تقول: "الأيام عم تروح منا.. شو منتظرين ما بعرف". ونكاد نجزم أنها لا تنتظر جواباً على هذا الاستفسار المغلّف ببوح ليس له هدف أصلاً. خاصة وأنها تتبعها بالكلام عن الخوف الذي يملأ قلوب الناس من حولها محاولين رغم كل ما يحدث أن يعيشوا أيامهم الباقية. إلا أنهم لم يدركوا حين يعتادون الحرب سيتبلّدون، سيتجمّدون من الداخل.

مشاهد النار والدخان المنبعثة من بيوت دمشق لتنتشر في فضاء السماء، تشبه ذلك الدخان الذي تعجّ به قلوب النساء الثلاثة، اللواتي ارتبطن بماضيهن وحاضرهن ومستقبلهن، بهذه المدينة المتخمة بالموت والحياة على حد سواء. وما العنوان "coma" إلا إشارة للمرحلة الحالية من السبات العاطفي والفكري والإنساني بانتظار وقف القتل وعودة الحب والحياة.

جميع التفاصيل المنتشرة في لقطات "كوما" توحي بالحرب، باحتراقاتها وبسكونها. كذلك هي تعكس حالة شخصياتنا الرئيسية المشبعة بالخوف واللافعل. وكأننا أمام حالة تناسب طردي، تؤكد أنه كلما اشتدت الحرب اشتدّ العجز بالمقابل. وهذا كله لا يعني أن النساء قد فقدن الأمل، على العكس تماماً، فهنّ ومن خلال الكاميرا يبحثن عنه ويسعين إليه، رافضات السكون المطلق المقيت من خلال كسره ولو بكلمة ولو بفعل بسيط جداً جداً.

هذا الفيلم الذي أعدّ وقُدّم بحصوله على منحة مؤسسة "بدايات" للأفلام الوثائقية في دورة العام الماضي 2014، حاز على جائزة السيسترس الفضية ضمن فئة "نظرة جديدة" في مهرجان visions du reel بسويسرا قبل فترة قليلة. مؤكداً قدرة الإنسان على الإبداع والعيش في وطن يفقد ملامحه السابقة يوماً بعد يوم، ولحظة بعد لحظة.

وفي تقديمهم للفيلم، كتب فريق بدايات: "يعالج الفيلم تفاصيل حميمية لثلاث نساء بثلاثة عقود مختلفة من الزمن. ينتقل بين الماضي والحاضر عبر مراقبة تفاصيل حياتهن المتداخلة ضمن منزل واحد. ثلاث نساء منفصلات عن بعضهن البعض زمنياً لكن متعايشات بالتجربة وعذاب البحث عن حياة أفضل بعيداً عن الفقد وألم الحياة وقسوة الحرب".