'للجبل وجه آخر'.. متانة الجسد وضعف الأطراف

بقلم: سعيد سالم
بناء تقليدي جيد

هذه رواية رجل اسمه "غريب"، فاجأنا المؤلف بأنه يغادر الإسكندرية متجها إلى الأقصر بناء على نداء من "صاحب القبضة النورانية" الراحل، والذي أصبح يقوم مقامه شخص آخر لم توضح الرواية عنه تفصيلا ذا أهمية.

يذهب صاحبنا إلى الأقصر ويعيش لزمن مرافقا الترابي الدفان، طامعا في ولوج باب "الوصول" دون جدوى، فيعود إلى مدينته (الإسكندرية) لتلفظه زوجته وتخفي عنه ولده خلف جلبابها، كما يعامل من أهله وأصهاره بقسوة أشد فلا يجد بديلا عن العودة إلى أرض صاحب القبضة النورانية، وهو في حالة من الانهيار التام شكلا ومضمونا.

البناء التقليدي العام للرواية جيد في مجمله، وليس من السهل على أي كاتب أن يقتحم عالم الرواية الصوفية بمقاماته وأحواله ورموزه ودلالاته التي يستعصى الكثير منها على الفهم لغير المتبحرين في هذا العالم النوراني الجميل، الذي يمزج بين حب الإنسان للإنسان وحب الغنسان لله وحب الله للإنسان.

والواضح أن الكاتب على دراية جيدة بالكثير من المعطيات الثقافية لهذا العالم الروحاني الخلاب.

ورغم أن الرواية لم تكن قصيرة، إلا أنني رأيتُها تمثل ملخصا مختصرا للرواية الأصلية التي كنت أنتظر أن أتمتع بتفاصيلها الساحرة، تلك التفاصيل المفقودة التي لم تقدم للقارىء عناصر الإقناع الفني والموضوعي بموقف البطل الراوي، من حيث ظروف وملابسات وتفاصيل تعطشه إلى "الوصول"، وسعيه الحثيث إليه، حتى يتعاطف القارىء مع سعيه الإرادي نحو هدفه العظيم، وشدة احتياجه وشوقه إليه وولعه به، والتضحية بكل شيء لأجل بلوغه.

كل هذا لم يرد بالعمل، بل على العكس، فقد شعرنا من الصفحات الأولى أن سفره إلى الأقصر قد تم دون أدنى تمهيد روحاني يليق بجلالة الغرض، من وجهة نظر الراوي على الأقل.

كذلك لم يكن اقتناعنا بعودته الأولى أو حتى الثانية، مبررا بأنه فشل في مسعاه، فهذا أمر غير منتظر من "مريد" ذي إرادة حديدية، من المفترض أنه قد اجتاز بحب وكدح ومعاناة مراحل "التنقية والتصفية والتخلية والتحلية" طمعا في الوصول وتمهيدا له.

كذلك لم يكن مقنعا تلك المعاملة القاسية التي لقيها من زوجته، رغم قصة زواجه منها التي تدل على حب كان بينهما، بدليل مقاطعة أهله له بسبب ارتباطه بها وإصراره على مواصلة الحياة معها رغم رفضهم لها. لذلك لم نفهم سببا واحدا موضوعيا أو فنيا يبرر لنا قسوة ذلك اللقاء، أو يبرر لنا تعمدها إخفاء طفله عنه خلف جلبابها، أو يبرر لنا قسوة أهله وأصهاره، التي أكد الكاتب على أنها كانت أشد عليه من قسوة زوجته، فكم من نساء ورجال تزوجوا على غير ارادة أهليهم، ثم تكفل الزمن بإذابة القطيعة والبغضاء وعادت الحياة إلى مجاريها الطبيعية. تلك كلها تفاصيل كانت الرواية في مسيس الحاجة إلى التعرض لها.

وبنفس القدر لم يكن مقنعا لنا استسلامه للهزيمة، فقد كان من المنطقي أن يناضل كى يستعيد حياته الدنيوية مادام قد عجز عن الوصول إلى أبواب الحياة الملكوتية الأخرى التي كان ينشدها، فهو لم يحاول بعد فشله في الأقصر أن يقاتل لاستعادة ابنه وزوجته، وإنما عاد على الفور إلى الأقصر ليسأل الدفان سؤالا محددا وكأنه لا يعرف ماذا يفعل أو ماذا يريد:

- لماذا أنا هنا؟ ولماذا تركني صاحب القبضة معك؟

كان ذلك هو العنصر المفقود الأول في تفاصيل الرواية، والذي انتهى بالراوي إلى حالة من البؤس والتخاذل.

رغم ذلك فإننا لا نستطيع أن ننكر على الكاتب براعته في سرد تفاصيل معاناته بالأقصر لأجل الوصول إلى هدفه، وذلك هو بالفعل قلب العمل، والذي لمسنا قوة نبضه في منتصف الأحداث. ولو شئنا الإبحار في قلب هذا العمل المتميز، لعثرنا على أحاديث روحانية شيقة متعددة مثل حديث الجبل: "لا يغرنك جلمود صخري فظاهري غير باطني الذي مسه برق التجلي فشتت ذراتي، وامتدت إليّ يد الرحمة فجمعتني .. ما عرفني إلا أهل الاصطفاء، وما لاذ بي إلا طلاب الصفاء".

وحديث صاحب القبضة النورانية: "بشريتك تشوش عليك صدق التوجه، فاقرع باب التقوى بالتقى، ولا تيأس لإذا تأخر الفتح، ولا تتحدث عن أسرارك وما تشاهد فتداوى بالسم قبل الشفاء"، "لا تظن أنك تركت جسدك منطرحا ومضيت، فقد حملتك روحك، فكذا يبرز العاشق في صفة معشوقه. وما تظنه من سحر فليس من جنسه، وإنما أريت في المرآة نفسك فغشيتك ظلمتك، فافهم!". وهو حديث يذكرنا بمواقف الصوفي الشهير عبدالجبار النفري.

وحديث النفس للنفس: "إنها القنفذ المتخفى بأشواكه، الهارب من نفسه. اهدم جدار صمتك وتعرى للجبل. فإما أن تتخلص مما أنت فيه ويحل عليك الرضا، أو يأتي من خلفك ويقطع رقبتك."

وحديث الزوجة الغادرة:

"الآن ليس لمثلك مأوى، فمكانك العيش بين المتسولين والملتصقين بحوائط المساجد".

وحديث وصيلة: (ويلاحظ أن الحوار لا يكون بالعامية إلا معها).

"هو فيه قهوجي يبقى ولي؟".

ولقد حاول الكاتب من خلال المقدمات التي طرحها بكل فصل من فصوله أن يمهد لما سيجىء من أحداث، مستشهدا بمقولات صوفية شهيرة أخصُّ منها بالذكر مقدمة الفصل الخامس عشر التي أخذها عن ابن القيم الجوزيه: "قلب المؤمن موضوع بين جلال محبوبه وجماله (أي بين صفات القوة والرهبة وصفات الرحمة والحنان)، فإذا لاحظ جلاله هابه وعظّمه، وإذا لاحظ جماله أحبه واشتاق إليه". ورغم ذلك فلم تشفع هذه المقدمة بصفة خاصة فى إزالة حجب الغموض الشديدة عن الرمز الملغز في غموضه، حول رحلة للبطل أشبه برحلة معراج الرسول عليه الصلاة والسلام مع مراعاة الفارق.

وفي محاولة ذكية من الكاتب لإزالة بعض الغموض العام المسيطر على جوهر الرواية، فإنه يكاد يقدم لنا تعريفات مباشرة بشخوص الرواية، حين يقول:

"عشت بينكم عمرا ولم أكن أعرف سركم. وصيلة حلقة الوصل، والدفان مروض النفوس الوحشية وسجان الجبل. خبرته عرفته من يصبر ومن لا يصبر.. الخ".

ومن الممكن أن أخلص من قراءة هذه الرواية الصعبة إلى تشبيهها بجسد شديد الضخامة قوى البنيان، لكن أطرافه تعاني من ضعف غير متجانس مع متانة الجسد، وأقصد بالأطراف بداية الرواية ونهايتها.