لكي نعتلي رأس الزمن، فلابد من الشوق للفوارس

بقلم: أحمد فضل شبلول

ديوان "الشوق لزمن الفوارس" للشاعر عاطف الحداد، هو الديوان الشعري الثاني في مسيرته الشعرية، وهو ديوان يجمع بين دفتيه قضية، وينتظم قصائدَه همٌّ عام أو هم مشترك، تحمله كل حروف قصائد هذا الديوان جميعا بلا استثناء. ومن هنا يأتي هذا التناغم، وهذا الانسجام بين قصائد الديوان الثلاثين، وكم كان الشاعر موفقا في اختياره لهذه القصائد التي تدل باجتماعها على هذا النحو على طريقة تفكير صاحبها في قضايا الأمة، وفي لحظات مصيرها، وفي ماضيها وحاضرها واستشراف مستقبلها، لذا كثر في معجمه الشعري كلمات: الفارس، الزمن، الشوق، الغضب، الحلم، الميلاد، الطفل، القمر .. الخ.
ومن نسيج هذا المعجم الشعري يأتي عنوان الديوان الدال "الشوق لزمن الفوارس"، الذي نراه مبثوثا على نحو ما في بقية القصائد، وليس القصيدة الأولى فحسب. فنجد على سبيل المثال القصائد: "لكي نعتلي رأس الزمن"، و"بعض مشاهد الزمن الصعب"، و"أطفال الزمن القادم"، و"لحظة الميلاد". يقول الشاعر في قصيدة "لكي نعتلي رأس الزمن": كوني فنارا ..
ولِّدي فينا نهارا
إن أتينا البحرَ نجمعُ شملنا
كوني لنا .. وقت المحن
فجرا جديدا ..
نرتديه ..
ونعتلي ..
رأس الزمنْ
وكما نرى فإن هذا العنوان "لكي نعتلي رأس الزمن" يحمل ضمنا شوقا لزمن آخر، ليس شرطا أن يكون زمن الفوارس، الذي هو بطبيعته شوق لزمن ماض، بقدر ما هو تطلع وحلم لزمن قادم جديد، نود، أو نحلم، بالعيش فيه، وفي هذا العنوان إدانة للزمن الحاضر، أو الزمن الآني، أي إدانة لـ "الآن" العربية، بكل ما تحمله هذه "الآن" من سلبيات في جميع مواقع الأداء العربي: الأداء السياسي، والاجتماعي، والديني، والاقتصادي، والعلمي .. الخ. ومن هنا يأتي رفض الشاعر لكل مظاهر الحياة الآنية، ويتطلع لحياة أخرى، أو لزمن آخر يعيش فيه، أو يتمنى عودته، هو زمن الفوارس، إما الفوارس القديمة من أصحاب السيوف والخيول والرماح والعزة العربية والأصالة الفكرية، أو الفوارس القادمة التي يحلم الشاعر بها من أجل تحقيق العدالة والحرية للإنسان العربي في زمننا هذا، وفي مستقبل أيامنا.
وانطلاقا من هذه الرؤية تأتي قصيدته ""أطفال الزمن القادم" (ص 62، 63)، وهم كما يراهم الشاعر أطفال الصمود والتحدي والرمز الحقيقي لإرادة هذه الأمة التي لا ترضي بالذل والمهانة: الطفل تشهَّدَ في صمتٍ ..
أطبق جفنيه وراح يصلي
كانت صلواتُ المذبوح ..
لم يشعر بالنصل يلامس شيئا من أعضائه
لم يقطرْ دمُهُ المسفوح
هربتْ من كل شرايين الطفل دماه
واستعصتْ كل حروف الآه ..
إن تأمل الشاعر في ظروف عصره أو في "الآن" التي تشكل جل اهتمامه وعمق رؤيته الإنسانية والفنية والفلسفية، جعله يطلق على إحدى قصائده في ذلك الديوان عنوان "عصر التتر"، وفيها يناشد بعض الرموز في عالمنا العربي المعاصر لكي تأخذ حذرها من التتر القادمين أو الساعين إلينا: أناشدكم باسم كل الذي خطَّه السابقون
وباسم التراث الذي تملكون
كفاكم ..
ودقوا طبول الخطر
أفيقوا ..
فقد عاد عصرُ التتر
فأين المفر ..
أين المفر ..؟
والمفر الذي يسأل عنه الشاعر في هذا الديوان غير المفر الذي سأل عنه شاعر مثل محمود حسن إسماعيل في وقت سابق، وفي عصر سابق أيضا. فالزمان اختلف، شعريا، وسياسيا أيضا. ولم تكن الهموم هي الهموم، ولم تكن هناك اتفاقياتٌ ولا يحزنون، أما وقد فارق الذئبُ دار السلام، ليغيرَ على شياهٍ أخرى، فقد لزم على الشاعر أن يحذر ويحذر، وعلى الرغم من أننا جميعا نرى الذئب الآن وهو في طريقه إلينا، إلا أن أحدا لم يحرك ساكنا، ومن هنا كان على الشعراء المبصرين من أمثال عاطف الحداد أن يحذروا ويحذروا من عصر التتر القادم. إن أمثال عاطف الحداد كمثل زرقاء اليمامة التي رأت العدو على مسيرة ثلاثة أيام وحذرت قومها، ولكنهم لم يصدقوها ومضوا في لهوهم وعبثهم، والمشكلة الآن أننا جميعا نرى الذئب قادما، ونرى الخطر زاحفا، وكأننا كلنا أصبحنا زرقاء اليمامة، وما من أحد يتحرك: كفاكمْ نحيبا
كفاكمُ شجبا
وصدري يُعرَّى ..
وجلدي يُحرَّق
لحمي يُقطَّع
يُذْبَحُ حيا
وأنتم شهود
متى تتقون
متى تصرخون ..؟
ولعل تعبير "وأنتم شهود" يدل دلالة أكيدة على أن الجميع يرى، ولكنهم فقدوا القدرة على الحركة، وعلى الفعل، على الرغم من وجود الأفعال المضارعة (يعرَّى، يحرَّق، يقطَّع ..) والتي تحمل نوعا من أنواع المبالغة في الفعل. ولعلنا جميعا سنجلس نبكي بين يدي زرقاء اليمامة، عندما يقع المحظور، وعندما يعود عصر التتر، مثلما بكينا بعد هزيمة 1967، وكان هناك شاعر آخر يحذر وينبه، هو الشاعر أمل دنقل صاحب ديوان "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، وغيره من الشعراء والفنانين أصحاب الضمير الحي والرؤية الثاقبة.
***
إن الشاعر الرائي يحذر ولا يملك أكثر من ذلك. لذا فإنه غالبا يسبح ضد التيار، أو يعدو عكس التيار، وهو بتحويل نغمته من النغمة المتشائمة، وهي النغمة السائدة في أغلب قصائد الديوان، إلى نغمة متفائلة، ولو عن طريق الحلم، يحاول أن يجد معادلا يساعده على العيش في "الآن" ويشاهد لحظة ميلاد الزمن القادم في ضوء البدر حيث: يتبدَّل لون النهر الآسن
وتعود طيور الحب
تغرد في الأبكار
ألقاني ..
رغما عني
أعدو ..
في عكس التيار
هكذا يحمل ديوان "الشوق لزمن الفوارس" للشاعر عاطف الحداد، لغة تحذيرية ولغة رؤيوية أو لغة مبصرة، قادرة على حمل التراث، وحمل قضايا وهموم الإنسان المعاصر، في تشابكه مع واقعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهو بذلك يعد شاعرا من أصحاب القضايا الإنسانية، ولا ينفي ذلك ارتباطَه بطريقة أو بأخرى بالموضوع العاطفي أو الغزلي، الذي تجلى في ديوانه الأول "مواسم العشق" وهو ما يحتاج إلى حديث آخر. وما نلاحظه في آخر هذا الحديث أن الدلالات الزمنية، والمعجم الزمني، تلعب دورا كبيرا في كلا الديوانين، ودعونا فقط نتأمل العنوانين: مواسم العشق، بكل ما تحمله كلمة "مواسم" من دلالة زمنية، و"الشوق لزمن الفوارس" بكل ما تحمله كلمة "زمن" من دلالات في الماضي والحاضر والمستقبل. أحمد فضل شبلول
شاعر وناقد مصري