لكثير من العراقيين، حان وقت الرحيل

بغداد - من اليستير ماكدونالد وعمر العبادي
لا استثناءات في مقاتل العراقيين: صابئة يشيعون قتيلا لهم في بغداد

أحيانا تكون همسة في الاذن من جار وربما رسالة تهديد تترك عند الباب او مكالمة تليفونية مشؤومة او مجرد احساس غامض بالرعب.
ومرة أخرى يمكن ان يكون مسلحون يتحدثون في الشارع ويذبحون أصدقاء وأقارب امامك عينيك ..ومهما يكن ذلك فانه يقنع العراقيين بجمع أولادهم والفرار من ديارهم خلال الليل وهم يفعلون ذلك بأعداد كبيرة.
وبادراجه "وقف التهجير " ضمن أولويات حكومته الجديدة اعترف نور المالكي رئيس وزراء العراق بمشكلة ناشئة تشبه "التطهير العرقي" في البلقان في التسعينات . ولكن قلة هم الذين يتوقعون التوصل لحل سريع.
وقال عباس محمد وهو سائق حافلة صغيرة يبلغ من العمر 28 عاما وهو يتذكر اللحظة التي عرف فيها ان أي شيعي لم يعد أمنا في معقل المسلحين السنة في العمرية ببغداد "خرجت من المنزل ووجدت قصاصة من الورق على نافذتي .
"كتب فيها ارحل خلال 72 ساعة والا ستتذوق انتقامنا. ورحلنا في اليوم التالي ونحن نعيشن الان مع عمتي.
"يصعب ان تفقد ذكرياتك وأصدقاءك . ولكن الحكومة لا تستطيع إعادتي الى منزلي بأمان الان."
ويقول مسؤولون إن ما بين 30 و50 شخصا يقتلون يوميا في بغداد وحدها في أعمال عنف طائفية وغالبا ما يتم خطفهم وتعذيبهم منذ تفجير مزار شيعي رئيسي في سامراء في فبراير شباط.
ولا تترك هذه الارقام احد يشك في واقعية التهديدات.
وقال احمد سلام عبد الله وهو موظف سني يبلغ من العمر 35 عاما وترك المنزل الذي يملكه في احد خطوط المواجهة الطائفية ببغداد "تركنا المنزل عندما اطلقت النار على اثنين من جيراننا السنة."
وانضم عبد الله الان الى جيش مهجري بغداد الجوالين والاخذ في الزيادة غير قادر على تحمل دفع ايجار مكان اخر وهو يتنقل اسبوعيا بين اقاربه.
وقال"الحكومة لا تستطيع الدفاع عن نفسها ومن ثم فهي لا تستطيع ان تحمينا ولذلك لا أستطيع الذهاب لمنزلي."
ويقول مسؤولون ان 100 الف شخص سجلوا "كمشردين" خلال ثلاثة أشهر منذ تفجير سامراء. ولكن كثيرين اخرين لم يتم تسجيلهم وقد سعوا بهدوء للاقامة مع اقارب لهم او سافروا الى الخارج.
وكان اكثر ما يثير قلق العراقيين في ظل ما يوصف"بجمهورية الخوف" خلال حكم صدام حسين زيارة الشرطة السرية لهم في منتصف الليل والان يخاف العراقيون من السير ليجدوا شخصا قد ترك عند البوابة او على جدار رسالة تقول "ارحل والا قتلت."
ويقول البعض ان أصدقاء في الطائفة المحلية التي تمثل أغلبية يبلغونهم سرا بالتهديدات .
وعلي محمود (27 عاما) واحد من بين ألاف يعيشون على الاعانات الحكومية والدينية في مخيم في مدينة النجف الشيعية بعد ان فر من اللطيفية وهي بلدة تقع جنوبي بغداد ويعيش فيها سنة وشيعة.
وقال"بعد تفجير المزار المقدس بدأ جيراننا يهددوننا وقالوا اننا سنقتل جميعا.
"وبقينا. ولكن بعد ذلك طوق نحو 100 مسلح منازلنا واطلقوا النار.
"اثنان من أشقائي واربعة من أبناء عمي قتلوا ."
والكل في خطر سواء سنة او شيعة او أكراد أو أيا كان مع سعي مسلحين غامضين تحركهم دوافع طائفية أو عرقية الى تطهير الاحياء ممن يعتبرونهم غرباء ولاسيما في بغداد.
وقال احمد خميس وهو سني يبلغ من العمر 42 عاما وكان يقطن سابقا منطقة الشعب التي يغلب عليها الشيعة "وجدنا رسالة عند الباب تقول اننا سوف نقتل اذا لم نرحل .
"لا استطيع الذهاب الى منزلي الى ان يتم وقف فرق الاعدام وتقول الحكومة بتأمين الحياة."
ويخشى البعض ان يصبح نهر دجلة بين شرق بغداد الذي تقطنه أغلبية شيعية وغرب بغداد الذي تقطنه اغلبية سنية خط مواجهة مثل "الخط الاخضر" في بيروت في الثمانينات اذا اخفق المالكي في وقف جرائم القتل الطائفية.
ويأمل المسؤولون الاميركيون القلقون من اندلاع حرب أهلية بأن يملك المالكي القوة لوقف الميليشيات الشيعية والمسلحين السنة.
وتقول وزارة المهجرين ان 14607 عائلة أو كما يقول مسؤولون اخرون 100 ألف شخص قدموا طلبات للحصول على اعانات خلال ثلاثة أشهر. ولكن المتحدث باسم الوزارة قال ان بعض العائلات لم تبلغ السلطات لانها لا تحتاج لمساعدة.
ولم يشمل ذلك ايضا الذين فروا الى دول مجاورة.
وعاد فؤاد متأخرا ذات ليلة مع زوجته وأولاده الى منزله في شرق بغداد والذي عاشت فيه عائلته السنية على مدى ثلاثة أجيال ليجد كلمة"ارهابيون" قد كتبت بالطلاء على بوابة منزله.
وولج الى المنزل وجمع بسرعة بعض الملابس والاشياء الثمينة وفر بالسيارة. وبعد اربعة ايام كان يعيش في القاهرة.
وقال وقد امتلأ صوته بالحزن "يصعب ان نعيش والموت امام أعيننا. حياتنا أغلى من ممتلكاتنا." ولم يرغب فؤاد في اعطاء إسمه بالكامل.
وفر أيضا عراقيون أثرياء كثيرون لان أي شخص يعتبر يملك مالا يعد هدفا لعصابات الخطف التي تحتجز الافا طلبا للفدى. وقال ضابط جوازات في جزء راق من بغداد ان الطلبات هناك زادت هذا العام أربعة أمثال ما كانت عليه.
وأحمد الموظف السني البالغ من العمر 33 عاما والذي طلب عدم نشر اسمه بالكامل خشية جذب اي انتباه غير مرغوب فيه مثال لعدد متزايد لا ينتظر تلقي رسالة تهديد او رصاصة في ظهره .
وقال عن منزله في منطقة الدورة التي يقطنها اغلبية من الشيعة والتي شهدت العديد من تفجيرات المسلحين السنة منذ بدء الحرب عام 2003 "لا يوجد تهديد محدد او قصاصة ورق. ولكن نشعر فقط بأن شيئا آت.
"خلال السنوات القليلة الماضية لم نكن نشعر بقلق كبير من كل تلك السيارات الملغومة. ولكن في الاشهر القليلة الماضية يأتي الناس الى منزلك لقتلك. حتى الشرطة. وحان وقت الرحيل.
"استأجرنا مكانا في دمشق لمدة ستة اشهر. وسنرى بعد ذلك. ربما تفعل هذه الحكومة الجديدة شيئا. فلنرى."