لقمان ديركي يتوسط الساخر والمحزن

بيروت
الضحك فجيعة أحيانا

في نصوص مجموعة "من سيرة الهر المنزلي" القصصية للكاتب السوري لقمان ديركي يرافق القارئ شعوار يبدأ بانطباع هو أن ما يقرأه ليس أكثر من سخرية تسيل من خلال وصف لبعض مظاهر الحياة اليومية.

لكن هذا القارئ يجد نفسه في مجالات عديدة -ومن خلال ما يبدو فكاهة و"تنكيتيا" يتناول بعض أوجه حياتنا اليومية والعادية- يغوص في مشكلات ومشاعر إنسانية عميقة قد تأتي أحيانا مشبعة بأحزان مأساوية لا يتوقعها القارئ من كتابات تركز على العادي بكلام "عادي" لا يدعي العمق الذي يصل إلى حدود نظرة فلسفية الى الحياة، لكن هذا العادي يصل أحيانا الى كل ذلك ويوصلنا إليه.

مجموعة ديركي وهي العمل السادس للشاعر للكاتب السوري جاءت في نحو 140 صفحة متوسطة القطع واشتملت على 17 قصة قصيرة، وقد صدرت المجموعة عن دار "رياض الريس للكتب والنشر" وبرسم غلاف لحسن ادلبي.

في القصص ما هو واقعي ممعن في سخره وأنواع من المجاز ومن التورية أحيانا وفيه كما يبدو لنا في القصة التي أعطت عنوانها للمجموعة دخول عبر ما قد يصح أن نطلق عليه تعبير "الهررية" الى توأم لها بل الى وجهها الآخر أي "الانسانية" فنعيش مع مشكلات وقضايا "انسانية" ربما توهّمنا أنها حكر على "بني ادم" وحدهم، وقد يتساءل القارىء هل "يؤنسن" ديركي عالم الحيوان أم أنه يود أن يقول إن "الهررية هي الأخت الصغرى للانسانية من حيث كثرة المشكلات والاحزان".

قصة "من سيرة الهر المنزلي" تبدأ بهذا الشكل "لم اكن أحب القطط ولم أفكر أبدا بمداعبة أحد القطين اللذين يعيشان في بيتنا بل كنت استغرب دائما ما يجعل القط هكذا ذا كبرياء (...) الا انني غيرت رأيي في احدى الامسيات بعد ارتكابي حماقة لا أتذكرها وغيابي لاكثر من اسبوع عن البيت (...) عندما فتحت اختي الباب ونظرت الي ببرود وعتاب فيه شيء من التشفي (...) وكان الجميع يحملون ذات المشاعر بل ان أيا منهم لم يرد عليّ وفي تلك اللحظة حدث شيء مدهش اذ ركض من بين اقدامهم القط الاشقر (...) ورمى نفسه على صدري معانقا اياي".

وتحدث عن عالم القطط التي تعددت في منزله وعن أحزانها ومشكلاتها وعن الغيرة التي تتملكها عندما تشعر باهمال وعن "كبر نفس وشهامة" بعضها ودناءة البعض الاخر، ووصف ذلك الشعور الخفي الذي يدفع الواحد منها عند احساسه بدنو اجله الى الابتعاد ليلقى نهايته وحيدا، ووصف لنا هرا كان يخاف منه فلا يتركه يلمسه حتى حين يطعمه بل كان يسرع الى الهرب، وهنا أورد مثلا يدعم النظرية التي تقول بأن الحيوانات تشعر بحزن الانسان.

قال "وفي احدى الليالي كنت حزينا للغاية وكان الجميع نياما، خرجت من غرفتي وفي الممر صادفت جودي (الهر) فجلست على الارض، نظر الي وأحس بحزني ولم يهرب (...) بقي واقفا ينظر الي كأنه يشاركني احزاني، ولكنه بعد ذلك تراجع الى الخلف بهدوء شديد وانسحب على مهل كي لا يخدش مشاعري فهو في النهاية يخاف مني بشكل مرعب".

في قصة "مسرح البهجة" مثلا وصف مضحك لبعض مشكلات الطلاب و"مقالبهم" لكن ذلك لا يمر بشكل "مجاني" اي لمجرد سرد بعض قصص "الشيطنة" في ذلك العمر (...) بل يصل ببراءة مدعاة وحيادية مصطنعة الى انتقاد عقليات تسود بعض مجالات حياتنا الوطنية وحتى بعض اشكال ممارستنا لعباداتنا.

وفي قصة "امّة فيروز" المهداة الى السيدة فيروز في يوم ميلادها ووسط سرد ممتع وساخر من أمور كثيرة يوصلنا دون وعظ الى التقدير الكبير الذي يكنه الناس في بلده للفنانة الكبيرة والتي يضعها في منزلة تنظر اليها رموز كثيرة في مجالات حياتنا وبينها رموز سلطوية بطريقة رفع البصر الى اعلى (...) إلى منزلتها الفنية الكبيرة.

وهو لا يعجب بفيروز فقط بل بنجلها الفنان زياد الرحباني أيضا، ففي قصة "اهلا اخي زياد" مثلا حوار ممتع ساخر يذكرنا بالفنان الرحباني نفسه، ففي حانة فرنسية الاسم "بار شيه اندريه" في بيروت أو "عند اندريه" بالعربية يدور حوار مفترض بين زياد ومصطفى أو "ابو صطيف الحلبي" التاجر الحلبي الذي جلس قربه وهو لا يعرفه. والحوار اتهام صارخ للمجتمع بعدم تقدير الفنان الحقيقي الذي لا يصل في دخله المادي إلى مستوى مغني المطاعم والحفلات والاعراس، ويعكس الحوار ايضا ما يبدو أن الكاتب اراد أن يصفه بانه اتجاه قوي الى الهبوط يتحكم بالسوق الفنية.

يدور حوارا لا نقرأ فيه رد زياد بل نستنتجه من كلام الحلبي، يسأله عن سبب تسمية البار فيرد انه على اسم صاحب المحل فيشرع الحلبي بمناداة النادل "اخي شيه"، ويسأل زيادا عن اسمه واسم عائلته ويقول "رحباني (...) اي بيت رحباني معروفين عندنا في حلب (...) " ويسأله عن عمله ثم يعلق على الرد "موسيقي، يعني آلاتي، على اي الة بتعزف".

وبدا ان الجواب مخيب قليلا اذ علق الحلبي قائلا "بيانو، أيه إش عليه، البيانو الة كويسة بس المهم وين بتعزف وبتغني، بأي مطعم يعني، ما بتعزف بالمطاعم ولا بتغني بالاعراس، اي ما بيصير اخي زياد (...) تعال لحلب وانا بدبرك لانو المطرب سمير جركس صاحبي للموت، بحكي لك معه مشان تطلع وراه بالاعراس والتلبيسات، وبالنسبة للغنا اسهل بكتير، ابوسمرة بيقول "كنا ستة على النبعة" وانت بترد وراه "اجا المحبوب صرنا سبعة".

يسأله ابو صطيف بعد ذلك "في حدا غيرك بالعائلة بيغني ،الوالدة؟ شي حلو وإش اسمها؟ فيروز اسم حلو وفني اي والله حرام عليك أخي زياد ليش خانقها ببيروت جيبها لحلب منشان تنطلق، اخي بنجيب الوالدة وبنحطها عند الحاجة أمي بيتسلوا مع بعض وهيك بشوف لها أعراس نسوان تغني فيهن، ما في ولا زلمة بالعرس والفرقة اللي معها كمان نسوان، قدرية على العود وأم ديبو على الكمنجة وأم شمندي على الرق وعيوش على الدربكة".