لغزنا وقد وصل إلى الفلبين

وصل التنظيم الإرهابي داعش إلى الفلبين أخيرا. المسافة بين أراضي الشام والعراق والدولة التي تقع في أقصى الجنوب الشرقي لقارة آسيا ليست مهمة. ليس مهما السؤال عن وسيلة النقل التي أقلت الإرهابيين بأسلحتهم إلى الجزر البعيدة. ليس مهما السؤال عن اللغة التي استعملها الدواعش القادمون من الشرق للتفاهم مع دواعش الفلبين المتمرنين. ام كان الدواعش هناك كلهم فلبينيين تم تجنيدهم عن بعد عن طريق الإيحاء الذي يمكن من خلاله الاستغناء عن اللغة.

داعش تنظيم عابر للقارات، أفراده يملكون قدرات سحرية تمكنهم من اختراق المطارات بحقائبهم الملغومة من غير أن يحتاجوا إلى إبراز جوازات سفرهم لرجال الأمن الذين لن يتمكنوا من رؤيتهم مثلما يفعلون معنا. شيء من الخيال العلمي صار حدثا واقعيا مع داعش. فالدواعش يملكون القدرة على التحول إلى أشباح لا تُرى حين يسافرون ويخترقون المطارات وهم يستعيدون هيآتهم البشرية حين يحطون في المواقع التي يديرون من خلالها عملياتهم القتالية. داعش هي كلمة السر وعي اللغز في الوقت نفسه.

وما دامت الجهات الحكومية في الفلبين مقتنعة بأن جيشها يحارب داعش فعلينا أن نصدق ذلك. لقد فعلت ذلك مصر من قبل وكأن أرضها قد خلت من الإرهابيين المحليين الذين يمكن ان يتخذوا اسما آخر عنوانا لتنظيمهم أو أن يقوموا بعملياتهم الإرهابية من غير اسم. سبقت ليبيا مصر إلى ذلك. فكان الدواعش جزءا من الكولاج الليبي الذي لا يفرق بين الأصل والفرع في مشكلة لن يتمكن أحد من التعرف على أساسها. لذلك كان من الميسر على مَن يشاء أن يختار من داعش عنوانا له.

وهل داعش ماركة تجارية مسجلة؟

أبداً. الرجل الذي اعتلى ذات اليوم المنبر في الجامع الكبير بالموصل باعتباره خليفة للمسلمين وكان اسمه أبو بكر البغدادي وهو نازح من سامراء اختفى ولا أعتقد أن أحدا سيعثر على أثر له في أي مكان. كان ممثلا بارعا من جهة أدائه لدوره خطيبا مفوها. وإذا ما كان الإعلام قد صنع له تاريخا فإن ذلك التاريخ قد يكون زائفا مثلما هو تنظيمه الذي ما كان له أن يتغول ويرتكب جرائمه ضد الإنسانية لولا رعاية أجهزة خفية.

سيكون من الصعب إثبات حقيقة أن ذلك البغدادي لم يكن سوى ممثلا، ما دامت الفلبين قد اعترفت بقدرة تنظيمه على أن يصل إلى أراضيها. كل ما يتطلبه الخيال العلمي من شروط يبدو متوفرا. لقد كان ضروريا بالنسبة إلى حكومة الفلبين أن تنضم إلى التحالف المناهض للإرهاب الذي تم اختراعه من أجل تدمير دول شرق أوسطية بعينها وإشاعة الرعب والخوف وعدم الاستقرار في دول هي الأخرى شرق أوسطية. ولكن الفلبين بعيدة عن الشرق الأوسط ولديها مشكلاتها التي لا أعتقد أن الخليفة البغدادي قد فكر فيها.

في ظل سطحية الوعي التي تطبق على بشر كوكبنا الخائفين يمكن لكذبة من ذلك النوع أن تتسع بحيث تصبح الفلبين واحدة من دول الشرق الأوسط بذريعة الإسلام السياسي الذي تم اختراعه ليكون عبئا على كل مَن تحمل هويته أو سحنته أو عاداته صفة مسلم. وهي التهمة التي لن يقفز عليها موظفو المطارات بالرغم من أن عشرات الألوف من الارهابيين كانوا قد نجحوا في الإفلات من عقابها بطريقة مريبة.

ليت المسرحية تكون في نهاياتها.

ما يسمى بإرهاب الإسلام السياسي ما كان له أن يظهر لولا التمويل المنظم الذي قامت به دول بعينها. وهي دول صارت معروفة ويُشار إليها من غير أن يغضبها ذلك. لذلك فإن إشارة الفلبين إلى داعش تبدو مضحكة. يُفضل أن لا يكون للإرهاب أسم. فداعش هو فضيحة عصرنا.