لذكرى الروائي الراحل عزت الغزاوي

إعداد: نضال حمد
الغزاوي (يمين) يتحدث في اوسلو والى جنبه الزميل نضال حمد

أسرد لكم وقائع ندوة و لقاء كان جمعنا في النرويج مع الروائي والكاتب الفلسطيني الراحل عزت الغزاوي، وكان لعزت وجوده وحضوره القوي بين الأدباء والكتاب النرويجيين الذين أعطوه حقه وكرموه يوم وفاته كما كانوا بالسابق كرموه حيا عبر منحه جائزة الحرية لإبداعه وعمله الأدبي والثقافي الذي أغنى الأدب العالمي وعرف العالم بالهم الفلسطيني وبالقضية الفلسطينية.
تعود معرفتي بعزت للعام 1996، حيث كنت في الأسبوع الثاني من عمري بلا تدخين وبلا سجائر، فقد أقلعت عن تلك العادة المميتة، وكان عزت من المدخنين الشرهين، يدخن بكثرة ولا يرحم جسده، كان لقاؤنا الأول في أوسلو في مهرجان التضامن النرويجي مع الشعب الفلسطيني، بحيث كان عزت من الشخصيات الفلسطينية المدعوة لإلقاء كلمة في المهرجان.
قام يومها الراحل بإلقاء كلمة معبرة وجميلة يرثي فيها أبنه الشهيد رامي الذي فقده في الانتفاضة الأولى. بعد القسم الرسمي من مهرجان التضامن وفي مكان خارج القاعة حيث يمكن للمدخنين تدخين سجائرهم بدون إزعاج الآخرين، وقفنا مع عزت الغزاوي و تحدثنا عن السياسة والثقافة وواقع حال الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وعملية السلام واتفاقية أوسلو وغيرها من المواضيع.
قال لي عزت أن اتحاد الكتاب الفلسطيني الذي كان هو رئيسه سوف يفتح له فروع في الخارج، لكن المشروع لم يكتمل وها هو عزت يرحل مبكرا والانتفاضة الفلسطينية المقاومة في استمرارية والحالة السياسية المجمدة أمريكيا وإسرائيليا على حالها وبلا تقدم بل في سبات وجمود. وتعززت العلاقة بعزت مع تفجر الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وفي إحدى زياراته لأوسلو سنة 2002 ، قمنا في جمعية اصدقاء فلسطين في النرويج بدعوته لمحاضرة ولقاء الجالية الفلسطينية على عجل مستغلا زيارة عمله التي كان يقوم بها للنرويج بدعوة من اتحاد الكتاب النرويجيين،وذلك لعجز جمعيتنا الوليدة عن تأمين مصاريف دعوة أيا كان للقاء هنا في أوسلو، حيث جرت وقائع السلام السرية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
لذا كان علينا أن نقوم بعملنا بسرعة فائقة، خاصة أن عزت كان في اليوم التالي على موعد مع العودة و السفر إلى البلاد عن طريق مطار فرانكفورت في ألمانيا، وشاءت الصدفة أن يكون يوم السفر المذكور هو نفس اليوم الذي اختطفت فيه الطائرات التي هاجمت نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا وغيرت وجه التاريخ الحديث في عالمنا المعاصر، وقد كانت رحلة عزت يومها شاقة ومرهقة وهذا ما أكده لي خلال حديث هاتفي فيما بعد. أرى الآن أن في نشر وقائع تلك المحاضرة بعض من الوفاء للصديق الراحل وتكريما له.
جاءت المحاضرة مع بعض أبناء وأصدقاء الشعب الفلسطيني، ذلك يوم 10-09-2002 بدعوة من جمعية أصدقاء فلسطين في النرويج، وكانت الجمعية تهدف إلى القيام بحملة توعية للفلسطينيين وأصدقائهم في النرويج، كذلك لتقريب وجهات النظر وفتح باب الحوار البناء بين أبناء وأصدقاء فلسطين أينما كانوا،عبر الكلمة الصادقة والمواقف الحرة، وعبر الإدلاء بها بلا خوف ووهن وتبادلها بين فئات الشعب الفلسطيني الموزعة على بقاع المعمورة، كما كان الهدف من اللقاء سماع وجهة نظر ورأي الشريحة المثقفة من أبناء شعب فلسطين الذين هم على تماس يومي مع الأحداث ويعيشون الانتفاضة وتداعياتها ويقضون العمر في البلاد بين أبناء شعبهم،في بيوتهم ودورهم ومراكز عملهم حيث وطنهم ومكانهم الطبيعي بين زيتون بلادنا فلسطين.
بما أن الكاتب الفلسطيني عزت الغزاوي يعتبر من المبدعين الفلسطينيين كان عليه أن يجيب على أسئلة الحضور بواقعية الوطني وسحر الأديب والثقافي، فنال استحسان البعض ونال عدم رضا البعض الآخر الذي اتهمه بالتهرب من الأجوبة خاصة فيما يخص السلطة الفلسطينية وقيادتها.
لكني شخصيا وجدت في أجوبة عزت ما يليق بالحدث وما ينم عن حس وطني مسئول على الرغم من عدم التقائي سياسيا وتحليليا مع بعض التحليلات والأفكار التي طرحها صديقي الراحل.
بحكم إدارتي للندوة كان لزاما علي أن احدد الوقت منذ البداية وأقول للحضور أننا كنا نملك ساعة ونصف فقط لا غير، بحكم ارتباطات أبو جاد قبل السفر. لكن تمت الندوة وكان اللقاء بيننا وبين عزت الغزاوي، وأليكم نص الندوة كما جاءت:
"أشعر بنوع من الكبرياء لوجود جالية عربية فلسطينية تهتم بالأشخاص القادمين من بلادنا، أنا أشجع أن يوجد جالية في كل بلد في المنفى يقيم به فلسطينيون وأن يؤسسوا جالية في أماكن توجدهم. نتيجة عملي أحاول أن أترجم مع آخرين كتاب الأساطير المؤسسة للسياسات الإسرائيلية وذلك من خلال صحيفة الأيام الفلسطينية، القارئ لهذا الكتاب يشعر ويحس بالألم لشدة إخلاصهم (يقصد اليهود) سواءً كانوا في المنفى أم في فلسطين، قبل قيام الدولة وبعدها.
وكان لهم مؤسسات مثل بنك ابوعليم وغيرها، هم يعملون جاليات في كل مكان، هم 12 مليون يهودي في العالم تحس أنهم موجودون في كل مكان، كأنهم مجندين، أنا أتساءل أنه عندنا ملايين العرب، لكنهم بدون تنظيم..
أنا كاتب زاوية أكتب في صحيفة الأيام، لي 6 روايات وفي النقد ترجمت الكثير من الأدب العالمي، حررت مجموعة كتب فلسطينية للأدب الإنكليزي، وأنا لاجئ من قلعون من أعمال الخضيرة، لجئنا إلى طولكرم. ولدت سنة 1951 وصحوت على الدنيا وأبي كان مشلول لأنه فقد أخاه في الحرب، النتيجة كارثية وانتقلنا إلى قرية قريبة وكان الانتقال كارثي والمخيم بشع، المهم كافحت وتعلمت في الجامعة الأمريكية ولازلت أعمل في جامعة بير زيت حيث سنة 1987 كنت من قيادة ألانتفاضة، اعتقلت سنة 1989 وخرجت أواخر 1991، طبعا أستمريت في النشاط السياسي وكنت مقتنع بعدما فقدنا نحن كشعب إطار الدعم العربي والإسلامي،جيلنا فقد أن يكون هناك فعل عربي إسلامي لتحرير فلسطين عمليا، هذا فقدناه وصار وهم، كنا نرى كم هي قوة إسرائيل المالية بدعم أمريكا، أين تقع المنظمة بعد الرحيل إلى تونس؟ جاء الوقت ورجعت القيادة إلى فلسطين سنة 1993. فقدت أبني رامي شهيد ومنع الإسعاف من نقله ونزف حتى أستشهد، هذا كان له أثر هائل على شخصيتي وتركيبتي مع العالم، العالم الآن عالم صغير، يتدخل في شؤوننا كما أمريكا تتدخل في كل مكان في العالم.
النرويج بلد غني وصغير لكنه أيضا يتدخل في كل مكان من العالم، المثقفين الفلسطينيين يجب أن يعرفوا كيف يردوا على العالم، في لحظة من الزمن لا يتفق الإنسان مع ما يحدث ويجري في بلادنا، أحس أنه ليس هناك توجيه حقيقي نحن نفقد المؤسسة الحقيقية، الشعب يناضل بقوة، الوضع يقتل فلسطينيون ، يأتي شبابنا ويردوا، يثأروا، ثم يجيء الإسرائيليون ويحرقوا الأرض.
يقتل مستوطن في منطقة ما يقولون أن ياسر عرفات مسئول عن قتله ويتحمل المسئولية، أنا لا أدري إن كان هذا حقيقة أم لا، لكن العقاب هو ضرب ورد بقصف بالأف16 فتقتل وتجرح الكثيرين بالإضافة للتدمير الذي تحدثه. حلقات انتقام وانتقام مضاد، إسرائيل تحتاج إلى السلام ونحن في فلسطين نحتاج إلى الحرية ، هذا ما نقوله للناس الذين نلتقيهم وهذه معادلة يجب أن توازن، فنحن هدفنا النهائي الحرية وليس السلام فقط. هم يدعون أننا لا نحب أولادنا ونرسلهم إلى الموت، هذا سألني عنه صحافي وقلت له هذا الكلام عنصري ولا أحب أن أسمعه، هذا كلام عنصري ، كل إنسان يحب أولاده ولكن عندما نتواجه بالحقيقة أن الوطن محتل وهذا يتطلب تضحية للعيش ككل الناس ، وقتها تقدم التضحيات. لن نبقى كما جنوب أفريقيا، نريد أن نكون أحرارا مثل الروسي الذي له الحق بالعودة إلى فلسطين، لنا نحن اللاجئين الحق في العودة إلى بيوتنا، مثلا أمي 86 سنة وليس لها الحق بالعودة إلى بلدها. الوضع في فلسطين أصعب مما نرى في التلفزة" عين ما تشوف و قلب ما يحزن" والذي نراه " المخفي أعظم" الذين شردوا وقتلوا في ظروف خادعة وكاذبة كُثُر، هناك اختلاق وتزوير للحقائق مع الأسف لا يوجد لدينا إعلام، لدينا وزارة إعلام محصورة في بناية ومنطقة جغرافية معينة،اليهود حلمهم كان أن يقتلوا مئة فلسطيني مقابل كل يهودي، الآن النسبة أصبحت عشرة فلسطينيين مقابل كل يهودي واحد، الآن يشعروا أن الوضع صعب، مثلا أصبح ثمانية لواحد بسبب العمليات الأستشهادية التي نفذها غالبا شباب من حماس والجهاد الإسلامي،هي رد فعل مفهوم لبعض الناس وغير مفهوم للآخرين.
أنا أقول للأجانب : إذا كنت لست قادرا على مواجهة عدوك جيش بجيش وأنت أخ لشهيد قتل أمس، ما هو شعورك ساعة تذهب للنوم؟ في نهاية المطاف الإنسان قبلي والقبيلة موجودة فينا كلنا، في النهاية هذا الأخ يعمل عملية انتحارية..
الوضع في الداخل صعب ومعقد، غزة عليها ضغط أكثر من الضفة، فيها عدد سكان كبير ، هناك ضرب وتدمير كبيرين في غزة، الجيش يحيط بها أحاطة السوار بالمعصم ، الحدود مغلقة ومقفلة ، البوابة من جهة مصر مقفلة بقفل وهناك أيضا حاجز أيريتز، كان يخرج يوميا أكثر من 75 ألف عامل يعملون في إسرائيل،، يعني الدخل الذي كان يجلب للعائلات انتهى، البطالة 65% في غزة وهناك متسولون وتردت الأجور والعامل الذي كان يتقاضى 100 شيكل لم يعد عنده ما يسد به رمق أولاده. في الضفة الغربية البطالة وصلت 45% ، مجموع الأموال من العالم العربي كسلفة مسهلة وبدون فوائد قد يلغى؟
ظهرت قضية الفساد في العالم العربي لذلك " لن نعطي السلطة أموال"الكثير ذهب لمؤسسات هي ليست أقل فسادا من السلطة، التسيب في السلطة غير مبرر لكن مبالغ فيه أيضا، البلد الوحيد الذي فيه هيئة محاسبة هو فلسطين، هيئة رقابة تدخل كل مؤسسة، جزء من الفساد الذي ظهر هو بالشكل الآتي:
وزارة الصناعة ظهر فيها بعض الأموال التي اختفت لكنها باعت مجموعة أراضي أميرية بثمن قليل وزهيد ،لذلك الرقابة كانت تحسب أن الدونم مثلا بكذا ، هم باعوا بأقل من كذا ..
ظهر بعض الوزراء عندهم أكثر من سيارة. تحت عذر أن هناك فساد مالي أوقفوا الدعم للانتفاضة،كان هناك طرق عدة للدعم."
وفي الختام رد الراحل عزت على أسئلة الحضور ونقتطف من ردوده ما يلي:

1- لقد بدأت أرى البعد الآخر، يجب أن نعتمد على أنفسنا، الاعتماد على الآخر لم يعطنا شيء..

2- الرأي العام يتحدث عن أشخاص حول الرئيس يحثونه على التنازل، نحن نعرف أنه لن تعود كل فلسطين لأن إسرائيل حينها سوف تستعمل القنبلة الذرية، تكون أو لا تكون..
3- نريد إقناع الأوروبيين بزيارة الضفة وغزة لكي يشاهدوا بأم أعينهم ما يحدث هنا، مثلا جاءت لزيارتنا امرأة نرويجية عملت متطوعة في لبنان سابقا ، أسست في بيت لحم مؤسسة تعالج مجانا وجاءت هي كي تعمل لمدة ثلاثة شهور كمتطوعة في المؤسسة. دخلنا البيت وبعد خمسة دقائق حصل إشكال قرب المستعمرة وبدأت نار جهنم حولنا في البيت، عادت وقدمت شهادتها بصدق لكل الناس.

انتهت المحاضرة ..

أردت بنشر هذه الندوة الآن و التي لم تنشر في حينها لأسباب تقنية بحتة، كانت تتعلق بعطل أصاب كمبيوتري الشخصي ولم أتمكن من طباعتها وإرسالها، ثم جاءت تطورات ما بعد 11 ايلول وما تبعها من تداعيات وضاعت تلك الأوراق بين أوراقي الكثيرة المبعثرة، لكني وبعد وفاة عزت بأيام قليلة تذكرتها وقررت البحث عنها وإيجادها حتى أقوم بنشرها وفاءً للصديق عزت الغزاوي الذي تركنا ورحل مع استشهاد عاصمة الخلافة العباسية في نيسان ابريل الماضي.

أمل أن أكون وفقت في مسعاي وأعطيت الصديق الراحل قليلا من حقه علينا.