لذة القراءة في أدب الرواية

متابعة: أحمد فضل شبلول
حاول أن ينقل لنا متعته

لم يخلص أيمن الغزالي إلى عنوان كتابه "لذة القراءة في أدب الرواية" الصادر عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع بدمشق، لأنه ألحق بدراساته ـ المتفاوتة في عمقها عن الرواية ـ دراسات ومقالات أخرى عن الشعر، مثل الكشف عن المألوف عند جاك بريفير، والشعراء المنفيون في حياة متخيلة.
لم أدر ما الذي ألحق مثل هاتين الدراستين في كتاب من المفترض أنه يتحدث عن الرواية العربية والأجنبية، ولم يشر مؤلفه في المقدمة سوى إلى الرواية والمشاكل التي "سيواجهها روائيو القرن الحادي والعشرين التي ستكون أكثر من التي واجهها بلزاك وديستوفسكي، نظرا لوجود موروث نقدي وأكاديمي وتيارات مختلفة".
هل أراد المؤلف زيادة عدد صفحات كتابه الذي جاء في 84 صفحة فحسب، فألحق كل ما وجده أمامه من مقالات ودراسات سبق نشرها في الدوريات المختلفة منذ عدة سنوات؟ أم أنه وجد أن ما كتبه عن الشعر والشعراء يمت بصلة ما، إلى عالم الروايات التي يتحدث عنها؟
حقيقة لا أدري.
***
عدا ذلك، تعرَّض الكاتب لعدد من الروايات العربية والأجنبية (المترجمة) وبدأها برواية "باولا" لإيزابيل الليندي التي ختمتها بقولها "وداعا يا باولا الجسد، أهلا يا باولا الروح".
وباولا هي ابنة المؤلفة إيزابيل الليندي، فبينما كانت تحتفل بمناسبة تقديم روايتها قبل الأخيرة "اللحظة اللانهائية" في أسبانيا، دخلت عليها ابنتُها باولا في حالة سبات، وإلى جوار باولا بدأت الليندي تدون قصة حياة أسرتها وقصتها هي نفسها، لتقدمها إلى ابنتها بعد تجاوز المحنة. ولكن يبدو أن الابنة ماتت، لذا يأتي العمل حميما شديد التأثير على المستويين الأدبي والاجتماعي، الفني والروحي كذلك. ويبدو أن حالة المرض التي رصدتها الكاتبة بكل تطوراتها هي الإطار الزمني للرواية من جهة، بحيث حاولت الكاتبة أن تقاطع هذا الإطار بإطار الزمن الاجتماعي، لتعبر فيها عن فترة زمنية حاسمة من تاريخ تشيلي، وبيت الليندي بآن واحد، بحيث بدت الأحلام التي انهارت لن تصل إلى نهايتها الطبيعية.
ثم ينتقل المؤلف للحديث عن أحلام مستغانمي من خلال روايتيها "فوضى الجسد"، و"ذاكرة الجسد"، ويذهب إلى أن "ذاكرة الجسد" تُعد أول عمل روائي نسائي باللغة العربية في الجزائر.
ثم يكتب مقالين عن الكاتب الأرجنتيني خورخي بورخيس، حيث تدهشنا تجربته الخاصة، إذ يقول: "الحقيقة أن كل كاتب يبدع ريادته الخاصة. إن عمله يعدل مفهومنا للماضي، ويصف لنا المستقبل أيضا".
ويرى أيمن الغزالي أن خورخيس لم يتبع خطى ديستوفسكي أو تولستوي أو فلوبير أو بلزاك، فهو من الذين احتفلوا بعدم إنسانية المجتمع، حيث يقول الروائي: "ماذا يمكن أن يحصل لنا أكثر أو أفضل من الزوال والنسيان".
المقالة الأولى عن بورخيس كانت بعنوان "تلويث الواقع بالحلم"، والثانية كانت عن مجموعته "المؤلف ونصوص أخرى" حيث يدعو بورخيس القارئ لمتابعته في رحلة أسطورية أدبية من خلال عشرين أقصوصة وثلاثين قصيدة، تدلل على فكر مؤلفها الذي ينطلق من هوميروس وصولا إلى سرفانتس.
وعودة إلى الروايات العربية لنجد المؤلف يتوقف عند رواية "جمر الرصيف" لنادر عبد الله، التي تنطلق من علاقة واقعية أو متخيلة بين الرواي "نور" بطل الرواية وراويها، و"بسمة"، حيث يروى من خلالها نور سيرة حياة مجموعة من البشر، نزحوا من ديارهم عنوة، عبر مسالك وأدياس وعرة، بدءا من عام 1967.
أما رواية "الهدنة" للكاتب مارلو بينيديتي، فهي تختلف عن روايات أمريكا اللاتينية في أن زمنها هو زمن كتابتها، وحسبما يشير الغزالي، أن هذا أمر نادر إلى حد ما في تلك الروايات. وتتحدث الرواية عن موظف حكومي في الأرغواي بقي على تقاعده من عمله الوظيفي، ستة أشهر وثمانية وعشرين يوما، ومنذ خمس سنوات وهو يفكر في هذا التقويم الذي سيضعه يوما خارج الحياة. ويسأل هل يكون ذلك أقصى درجات عزلته ووحدته وآلامه، ضمن يوميات قصيرة وصغيرة، لا مجال فيها للرجوع إلى الخلف أو الماضي أو الوراء.
وعلى الرغم من ذلك يصف الغزالي هذا النوع من الروايات بأنه "روايات المذكرات" التي تأتلف مع الواقع، والحياة، لأنها تسجل يوميات بشكل دقيق. ومن هنا تناولت الرواية قضية المرأة في بداية تحررها في أمريكا اللاتينية، وقضايا المجتمع والوطن والعمل والوحدة، والموت والخير والشر والحب، كذلك البنيان النفسي والاجتماعي لطبقات الشعب.
ويُنهي المؤلف كتابه الصغير ـ ذا الأخطاء المطبعية الكثيرة ـ عن الرواية ولذة قراءتها بمقالين عن غسان كنفاني، جاء الأول بعنوان "الانتقال من زمن الخطابة إلى زمن الكتابة" والآخر عن رواية "الشيء الآخر" لكنفاني، التي نشرت لأول مرة في مجلة الحوادث الأسبوعية اللبنانية على حلقات أسبوعية عام 1966. وهو يرى أنها ـ أي الرواية ـ رغم اهتمامها بالتوصل والسرد القصصي إلا أنها رواية أفكار، وأن السياق السردي جاء مركبا ليخدم الفكرة فقط.
***
هكذا يتنقل أيمن الغزالي من رواية إلى أخرى، ومن فكرة إلى أخرى، ومن حديث إلى آخر، دون رؤية نقدية واضحة، وإنما مجرد انطباعات عن ما قرأه من أعمال لستة روائيين عرب وأجانب (من أمريكا اللاتينية)، هم: أحلام مستغانمي، ونادر عبد الله، وغسان كنفاني، وإيزابيل الليندي، وخورخي بورخيس، وماريو بنيدينتي. ولكنه على أية حال حاول أن ينقل لنا متعته أثناء قراءة بعض روايات هؤلاء الروائيين، لذا سمَّى كتابه "لذة القراءة في أدب الرواية" على الرغم من حديثه عن بعض الشعراء، كما ذكرنا من قبل. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية