لحظة

قصة: رباب كساب
لا دماء ولا صراخ

في طريق عودتها استقلت الميكروباص (مشروع) هكذا يسميه أهل الإسكندرية ولا أعرف سببا للتسمية ـ لم أسأل ـ.
لم تكد السيارة تسير بها عدة أمتار حتى صرخت بالسائق ليتوقف طالبة النزول.
الوقت ذروة والناس جميعهم ملتفون بأردية الاختناق يتمسحون في الوقت ليمر، وهي توقف كل شيء بمجرد ركوبها.
نطق البعض بكلمات ودوا معها لو امتدت لها أيديهم لتطبق على رقبتها.
تركت السيارة ونزلت وهي تغض الطرف عن شتيمتها التي سمعتها من الركاب واتهامها بالدلع وعدم تقدير المسئولية.
تلفتت حولها بحثا عن نفق تعبر منه للجانب الآخر.
كان عنها بعيداً بالتحديد في المكان الذي ركبت منه.
نظرت للطريق.
السيارات تنهبه في سرعة شديدة.
مدت قدمها في أول خطوة لتعبر الطريق بلا أنفاق .. تحذيرات أمها وأبيها تنطلق أبواق.
- لم أعد صغيرة.
خطوة أخرى.
تتسارع دقات قلبها، تسمعها مطارق.
- لست صغيرة.
هدأ يسارها أخيرا، خطت الخطوة الثالثة فالرابعة .. عبرت؛ صارت في وسط الطريق، بقى النصف الثاني، انتابها شعور بالخوف لا تستطيع العودة لتسير نحو النفق، عادت التحذيرات.
هدأ اليمين بعض الشيء، اندفع مغامر جبار للمرور، تعجبت كيف فعلها؟!
سقط قلبها قبل أن تكمل سؤالها كان بينه وبين سيارة مسرعة قيد أنملة، أغمضت عينيها قبل أن ترى أشلاءه، اهتز جسدها وهي تحس ملمس الدم المتناثر عليها.
لم تسمع أي صراخ ولا أصوات ارتطام ولا فرامل سيارات. فتحت عينيها، الطريق كما هو، لا شيء جديدا، لا دماء ولا صراخ.
كيف مات؟
لم يمت.
لن تموتي أيضا.
وقفت علَّ اليمين يهدأ، وقف إلى جوارها بعض من الناس تعلقت عيناها بأقدامهم، ستعبر معهم ويصيبها ما يصيبهم.
الكل على أهبة الاستعداد وهي أولهم، تنتظر أول خطوة ستدفع بها للبر الآخر من الطريق.
ها هي أول الخطوات مدت معها قدمها، رفعت رأسها لم يكن الجميع معه، إنه مغامر، يا لك من مجنون، ارتبكت لقد شاركته الخطوة، إنها بعرض الطريق، لا تتمكن من النظر خلفها ولا أمامها، يمينها يزأر، ارتفع صوت نفير السيارات وهي تقف بلا حراك، أصوات شتائم تمر بها وهم يعبرونها بصعوبة متفادين الاصطدام، حاولت أن تتقدم، لكن قدميها ما طاوعاها، قبل أن تحتضن تلك السيارة الضخمة، كانت قد وقفت على جانب الطريق إلى جوار البحر. ورسغها في يد المغامر، عاني في إمساك كفها الذي كان يمطر عرقا.
كلمة الشكر لم تخرج منها، داهمها شعور بأنه السبب لولاه ما حدث ذلك، إنه أصلح خطأه ـ على الجميع إصلاح ما يفسدونه ـ نظر إليها متعجبا ومضى.
نظرت للبحر الهائج في هذا اليوم الرائق، أطالت النظر، طالت وقفتها أمامه، لا هي جالسة ولا ماشية. نظرت في ساعتها، لقد تجاوزت موعد عودتها بمدة طويلة.
تغط الشمس في سريرها بعيدا، والليل يداعب المدينة برقة، لم تكن تحس ولا ترى ولا تسمع غير هذا السؤال الذي لا تكف عن تساؤله: لماذا تركت السيارة ونزلت؟ ولماذا عبرت الطريق؟ رباب كساب ـ الإسكندرية 23/1/2010