لجان الحوار الوطني: مهام صعبة ولكنها ليست مستحيلة

بقلم: د. إبراهيم أبراش

بالرغم من النتائج الكارثية للانقسام الفلسطيني، والتي مست كل مناحي الحياة ليس فقط السياسية بل والاجتماعية والثقافية، وبالرغم من ثقل الضغوط الخارجية الدافعة نحو تكريس الانقسام وإعاقة الوحدة الوطنية الفلسطينية، إلا أننا نلمس بداية إرادة حقيقية بالمصالحة عند قوى العمل الوطني، وشيئا من التفاؤل الحذر عند الجمهور.
وسواء كانت هذه الإرادة ذاتية ونابعة من الحرص الحقيقي على المشروع الوطني أو نابعة من الإحساس بالمأزق عند الفاعلين السياسيين، وخصوصا حركتي فتح وحماس، ووصول رهاناتهما على الخارج إلى طريق مسدود، فإن اللجان المشكلة والمُكلَفة بالمصالحة تشتغل بجد لإيجاد مخارج للقضايا المكلفة بها، وجاءت استقالة حكومة الدكتور فياض كبادرة حسن نية لتشجيع المتحاورين على إنجاز عملهم بالرغم من بعض التأويلات السلبية للاستقالة، وتساؤلات عن واقع الحكومة الآن فهل ستكون من هنا لنهاية الشهر حكومة تسيير أعمال لحكومة هي أصلا حكومة تسير أعمال؟! كما لن نناقش تساؤلات مقلقة مثلا ماذا لو لم يتم تشكيل حكومة وفاق وطني نهاية الشهر؟ هل ستعود نفس الحكومة أم ستشكل حكومة جديدة وهل ستكون حكومة تسير أعمال مرة أخرى؟ وفي جميع الحالات يجب التعامل مع الاستقالة كمؤشر على جدية الحوار وعلى الرغبة في إنجاحه.
هذا لا يعني أن العقبات قد ذللت وان قطار المصالحة انطلق ولن يتوقف إلا عند محطة المصالحة النهائية. فالتعثرات واردة وإمكانية تدخل أطراف خارجية لإعاقة الحوار واردة وقد تكون أقوى من الإرادة الوطنية بالمصالحة، ولكن يبقى عنصر الإرادة الوطنية ضروريا وهو الأساس وخصوصا إرادة الرئيس أبو مازن وحرصه على المصالحة لحرصه على المشروع الوطني الذي كان أحد مؤسسيه وفي سبيله تعرض لكثير من الاستفزازات بل والإهانات من أصحاب التفكير السطحي والمصالح الضيقة وممن لا يدركون مفهوم الوطن والمشروع الوطني.
انطلاقا من حرصنا ورغبتنا بإنجاح الحوار نبدي الملاحظات التالية بالنسبة لبعض اللجان متمنين أن تؤخذ بعين الاعتبار من طرف المتحاورين في القاهرة:

أولا، بالنسبة للجنة الحكومة:
بالرغم من تداخل الملفات إلا أن لجنة الحكومة تُعتبر أهم اللجان والنجاح فيها سيشكل مدخلا للنجاح في عمل اللجان الأخرى ،ولا نقصد بالحكومة المحاصصة والاتفاق على نصيب كل طرف من المقاعد بل البرنامج السياسي لهذه الحكومة، فبدون برنامج سياسي واضح ومحل توافق وطني ومتصالح مع الحالة العربية والدولية فلن تتمكن الحكومة من الإقلاع وستتكرر تجربة حكومة الوحدة الوطنية، إن إسرائيل تجلس في حالة ترقب وقد تجد في برنامج الحكومة مبررا لعدم التعامل معها، وعليه يجب نزع الذرائع حتى وإن تطلب الأمر اعتراف هذه الحكومة بإسرائيل لانه لا يعقل أن تشكل حكومة وتقوم بمهامها بدون الاعتراف بإسرائيل حيث المشاكل الأساسية هي مع إسرائيل التي بيدها كل المعابر وقد جربت حركة حماس فتح المعابر بدون تسوية سياسية ولم تفلح، وإن كان الاعتراف بإسرائيل يحرج حركة حماس فيمكنها البقاء خارج الحكومة خلال هذه المرحلة الانتقالية أو تنسّب وزراء لا يكونوا من أعضائها.
هناك جانب أخر له أهمية وهو أن فشل لجنة الحكومة قد ينعكس سلبا على المصالحة الوطنية برمتها فيما نجاحها سيذلل العقبات ويخلق حالة نفسية مشجعة عند الجمهور وسيساعد نجاحها كثيرا في التعامل مع المصالحة الشعبية والاجتماعية. أيضا يجب التعامل بجدية عند اختيار الوزراء فهذه الحكومة سيعلق عليها كثير من الآمال بعد فشل حكومة الوفاق الوطني وأزمة الحكومتين الحالتين، وشخصية رئيس الوزراء ووزير الداخلية سيكون لهما اثر مهم عند التعامل مع الملف الأمني حيث القول بالاحتكام لقانون الخدمة بهذا الشأن لن يكون حلا سهلا وكافيا فالأمر يحتاج لحلول إبداعية. أيضا قد يطول عمر هذه الحكومة في حالة عدم إجراء الانتخابات في موعدها المفترض في يناير/كانون الثاني 2010 وهو احتمال وارد جدا.
ثانيا، بالنسبة للجنة الانتخابات:
ستواجه لجنة الانتخابات تحديات متعددة سواء من حيث الاتفاق على موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية أو من حيث قانون الانتخابات، ولكن نجاح هذه اللجنة ونجاح العملية الانتخابية بشكل عام غير متوقف على تذليل هاتين العقبتين بل على التوافق الوطني حول أسس ومرجعيات النظام السياسي. فقد جرت انتخابات تشريعية ورئاسية نزيهة ولكنها بدلا من أن تُخرج النظام السياسي من مأزقه زادته تأزما، والسبب أن المتنافسين على الانتخابات ينطلقون من مرجعيات ورؤى متناقضة ومختلفة على أساسيات النظام السياسي، فالانتخابات كآلية للتداول على السلطة تشترط اتفاق القوى السياسية على أساسيات النظام السياسي والاختلاف في إطارها وليس عليها، فلا يمكن إعمال تداول السلطة بين متناقضات. ففي الديمقراطيات الغربية مثلا الكل متفق على كون النظام السياسي ليبرالي تعددي ورأسمالي وعلماني، وداخل هذه الثوابت يختلفون على كيفية إدارة النظام، فمن ينجح في الانتخابات يمارس الحكم في إطار هذه الثوابت ومن يفشل يمارس المعارضة في إطارها أيضا وإلا سيكون خارجا عن القانون. وعليه نتمنى أن يحدث توافق وطني حول موضوعات السلام والمفاوضات والمقاومة والدولة قبل اللجوء إلى الانتخابات وإلا ستتكرر تجربة انتخابات يناير/كانون الثاني 2006.
ثالثا، بالنسبة للجنة منظمة التحرير الفلسطينية:
منذ أن ظهرت حركة حماس والجدل محتدم حول موقعها قي النظام السياسي وعلاقتها بمنظمة التحرير وهل هي شريك أم بديل للمنظمة؟
وبالرغم من عشرات جولات الحوار التي انطلقت بداية التسعينيات لم يتم التوصل لتفاهم بين حركتي حماس وفتح حول الموضوع وما زال السؤال مطروحا إن كانت حركة حماس شريكا أم بديلا؟
لو كان الخلاف حول نصيب كل طرف في الشراكة لهان الأمر حيث يمكن تعميم نتائج الانتخابات التشريعية على منظمة التحرير بمعني أن تكون نسبة تمثيل كل فصيل في مؤسسات المنظمة مساوية لنسبة تمثيله بالمؤسسة التشريعية، أو تجرى انتخابات على مستوى المنظمات والاتحادات الشعبية وتعمم نتائجها أو يتم الجمع بين الحالتين: الانتخابات التشريعية وانتخابات المنظمات والاتحادات الشعبية. ولكن يبدو أن الخلاف اكبر من ذلك خلاف حول القيادة والزعامة للشعب الفلسطيني وهو الأمر الذي يتم إخفائه بالحديث عن البرنامج السياسي للمنظمة، لأن البرنامج السياسي الذي تم التوافق عليه في الجزائر (وثيقة الاستقلال) 1988 وافقت عليه حركة حماس من خلال تصريحات أكثر من مسؤول. أما إن كان الخلاف حول الاعتراف بإسرائيل فنعتقد ان هذه العقبة متعلقة بالارتباطات الخارجية لحركة حماس أكثر مما هي تعبير عن قناعات سياسية عند قيادات حماس بالداخل الذين يدركون خصوصية الحالة الفلسطينية وثقل ضغط الجغرافيا السياسية.
نتمنى أن تتمكن لجنة منظمة التحرير من الاستفادة من إرث ورصيد منظمة التحرير ومن المكتسبات التي حققتها دوليا ومن طابعها الوطني الجامع وفي نفس الوقت الأخذ بعين الاعتبار مستجدات الواقع وخصوصا وجود حركة حماس والجهاد الإسلامي والمبادرة الوطنية كقوى فاعلة وخصوصا حركة حماس. وبمكن التفكير بتشكيل قيادة عمل وطني داخل الوطن من كل القوى الوطنية وبعض الشخصيات المستقلة تتصدى لتحديات المرحلة الراهنة وان يتم الاشتغال على إعادة بناء منظمة التحرير بهدوء وبدون الوقوع تحت ضغط زمن محدد، وهذا لا يعني أن قيادة العمل الوطني ستكون بديلا عن المنظمة بل ستكون قيادة ميدانية ومؤقتة وبمهام محددة داخل الوطن تذلل العقبات أمام مختلف اللجان وتدعم جهود إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير.
رابعا، بالنسبة للجنة المصالحة الوطنية:
كما هو ملاحظ فهذه اللجنة تحمل اسم كل العملية السياسية الجارية فكل اللجان تندرج في إطار المصالحة الوطنية حيث كل لجنة مكلفة بجانب من جوانب المصالحة هذا يوحي بأن عمل هذه اللجنة سيكون على مستوى المصالحات الشعبية على المستوى العائلي والعشائري. النجاحات التي ستحققها اللجان السياسية والأمنية ستسهل كثيرا من عمل هذه اللجنة فكثير من القضايا الثأرية ستخف حدتها إذا تقدمت المصالحة السياسية ومن هنا فإن التنظيمات السياسية وخصوصا حركتي فتح وحماس سيكون لهم الدور الرئيس في إنجاح هذه اللجنة كما أن نجاح هذه اللجنة سيكون مرتبطا بتفعيل دور القانون والقضاء وبجهد ومشاركة من لجان الإصلاح والمخاتير الذين لهم دراية في هذا المجال.
ومن الملاحظ أن العبء الأكبر الملقى على عاتق هذه اللجة سيكون في قطاع غزة حيث عدد المتضررين أكبر بكثير مما هو في الضفة. ولكن ما نود التأكيد عليه أن هذه اللجنة يجب أن تستمر بعملها يغض النظر عن مدى التقدم الحاصل في اللجان الأخرى وحتى لو فشلت اللجان وفشل الحوار يجب على لجنة المصالحة الوطنية الاستمرار بعملها حيث ستسند إليها آنذاك مهام المصالحة السياسية أيضا، وقد لاحظنا في الفترة الأخيرة كيف أن غياب لجنة وطنية عليا للمصالحة أدى لتفاقم الأمور واستدعى تدخل أطراف خارجية في شؤوننا الداخلية.
نتمنى النجاح في الحوار ولو بشكل جزئي لأن مجرد الاستمرار بالحوار سيكون أفضل من حالة القطيعة الراهنة، وفي حالة فشل أو تعثر جولات الحوار الحالية يمكن للقيادة الوطنية المؤقتة المشار إليها بالإضافة للجنة المصالحة العمل لتذليل العقبات. د.إبراهيم أبراش ibrahem_ibrach@hotmail.com