لبنان يحبس نفسه في القفص ويسلِّم جيرانه المفتاح

بيروت ـ من اليستير ليون
الزورق اللبناني في محيط إقليمي متلاطم

مرة أخرى ترك الساسة اللبنانيون للقوى الخارجية محاولة تهدئة أزمة سياسية محتدمة بعد أن عجزوا عن حل الخلافات بشأن محكمة أنشئت لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري.

وعاش لبنان عامين نادرين من الهدوء والرخاء النسبيين لكن التوتر حول المحكمة المدعومة من الامم المتحدة التي أرسلت الاثنين مسودة لائحة الاتهام الى قاضي التحقيقات في تزايد.

وفي الاسبوع الماضي أثار انهيار حكومة الوحدة فورة من الجهود الدبلوماسية الاقليمية التي تهدف الى تفادي تكرار أعمال العنف التي أسفرت عن مقتل العشرات في مايو/أيار 2008.

وفي تكرار مريب لتلك المواجهة الثلاثاء في شوارع بيروت لفترة وجيزة رجال يرتدون ملابس سوداء واعتمر بعضهم قبعات تحمل صورة عماد مغنية أحد قادة حزب الله العسكريين الذي اغتيل وسارع أولياء الامور الذين انتابهم القلق ليقلوا ابناءهم من المدارس.

وانقسم لبنان الى نصفين.

فسعد الحريري ابن رئيس الوزراء الراحل الذي يرأس الان حكومة تصريف أعمال ومن يساندونه من السنة يقفون في مواجهة حزب الله الشيعي وحلفائه.

والمسيحيون الذين كانوا مهيمنين على البلاد ذات يوم لهم فصائل على الجانبين.

ويتمتع كل معسكر بدعم من دول أجنبية التي تسوي خصوماتها ومصالحها في الساحة اللبنانية ويتبادل المعسكران الاتهامات بخدمة المصالح الاجنبية.

وقال بول سالم رئيس مركز كارنيجي للشرق الاوسط "من الواضح أن سوريا وايران في جانب واحد والسعودية وربما الولايات المتحدة على الآخر".

وأضاف "تركيا وقطر تحاولان عادة الوقوف في المنتصف".

واحتاجت تهدئة مواجهة عام 2008 الى اتفاق أبرم بوساطة قطرية حين سيطر مسلحون موالون لحزب الله على أجزاء من بيروت يغلب عليها السنة لفترة قصيرة.

وذهب وزير الخارجية التركي ورئيس الوزراء القطري بمحاولة جديدة للوساطة الى بيروت الثلاثاء بعد يوم من محادثات بين زعماء تركيا وقطر وسوريا في دمشق.

وقال وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو الذي التقى بنظيره الايراني في أنقرة يوم الاثنين "كدول وحلفاء في المنطقة لا يمكن أن نراقب لبنان وهو يجر الى أزمة سياسية أخرى".

وفي اشارة الى الارتباط بين القضايا الاقليمية قال داود اوغلو ان تركيا تريد ألا تؤثر الازمة اللبنانية سلباً على المحادثات التي تجري في وقت لاحق هذا الاسبوع في اسطنبول بين القوى العالمية الست وايران بشأن برنامج الجمهورية الاسلامية النووي المثير للجدل.

وتصعد تركيا بسرعة كقوة لها صلات بالاوروبيين والاميركيين وحتى الاسرائيليين وقد تلعب دورا حياديا ومعتدلا الى جانب قطر الدولة الخليجية الصغيرة الغنية بالغاز الطبيعي التي تحاول زيادة ثقلها الدبلوماسي.

غير أن الشروخ في البناء اللبناني فيما يبدو غير قابلة للاصلاح.

ويريد حزب الله الذي يخشى أن تربط المحكمة التي تتخذ من لاهاي مقرا لها بين بعض رجاله واغتيال الحريري الأب عام 2005 أن يرفض رئيس الوزراء المحكمة ويوقف كل أشكال تعاون الحكومة مع ما يصفه "بالمشروع الاسرائيلي" لاضعاف "المقاومة".

ورفض الحريري التبروء من المحكمة التي أنشأها مجلس الامن التابع للامم المتحدة بدعم قوي من الولايات المتحدة وفرنسا.

ومنذ يوليو/تموز تحاول السعودية التي تساند الحريري وسوريا حليفة حزب الله حل هذه الازمة.

ونقلت قناة العربية التلفزيونية الفضائية الاربعاء عن الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي قوله ان بلاده تخلت عن جهود الوساطة في لبنان وان الموقف خطير.

وصرح بأن العاهل السعودي الملك عبد الله والرئيس السوري بشار الاسد كانا على اتصال لانهاء المشكلة اللبنانية برمتها وحين لم يتحقق هذا قال خادم الحرمين "انه رفع يده".

وأضاف "اذا وصلت الامور الى الانفصال وتقسيم لبنان انتهى لبنان كدولة تحتوي على هذا النمط من التعايش السلمي بين الاديان والقوميات والفئات المختلفة".

وأنحى حزب الله باللائمة في فشل المبادرة السعودية السورية على الولايات المتحدة.

وأدى فشل المبادرة الى سقوط الحكومة حين استقال 11 وزيراً من حزب الله وحلفائه.

وقال سالم "من الصعب جداً الوصول الى اتفاق في هذه المرحلة في وجود او غياب تعاون اقليمي او خارجي".

وأضاف أن القوى الخارجية تستطيع أن تساعد في اثناء حزب الله وحلفائه عن محاولة تشكيل حكومة بنفسهم يستبعدون منها الكتلة الموالية للحريري من الطائفة السنية او عن اللجوء الى اثارة اضطرابات مدنية او القيام بأعمال عنف حتى يحققوا ما يريدونه.

وتابع سالم "أفضل ما نستطيع أن نتعشم فيه في هذه المرحلة هو الاختلال الوظيفي والشلل لكن دون تطورات أسوأ".

وأرجأ لبنان الاثنين مشاورات برلمانية لاختيار رئيس للوزراء لاتاحة وقت للدبلوماسية الاقليمية.

وقال عمر نشابة المحرر في جريدة الاخبار المتعاطفة مع حزب الله ان القوى الخارجية في معظم الاحيان تثير التوتر في لبنان اكثر مما تهدئه مشيراً الى ما وصفه بالسياسات الاميركية المنحازة بشدة لسياسات اسرائيل.

وأضاف "يساورني القلق دائما بشأن زعزعة الاستقرار لان زعزعة استقرار لبنان في مصلحة اسرائيل".

وهو يرى أن واشنطن في الوقت الحالي ستشجع ممارسة تركيا وقطر الضغط على سوريا لضمان أن يظل الحريري رئيسا للوزراء في الحكومة القادمة.

وقال "لكن سوريا وايران تملكان أوراقاً قوية. الاطراف هنا قوية" في اشارة الى المعسكر الذي يقوده حزب الله.

وفضلاً عن الخلاف بشأن المحكمة ينقسم خصوم لبنان حول ما اذا كان يجب أن تكون البلاد الخط الامامي للمقاومة المسلحة لاسرائيل كما يصر حزب الله او تنسحب من الصراع وتتطلع الى مصالحها الاقتصادية.

وخاض لبنان حرباً ضد اسرائيل في عام 2006.وساد الهدوء الحدود الى حد كبير منذ ذلك الحين لكن هذا قد لا يدوم.

وقال نشابة "لن تتسامح اسرائيل مع وجود مقاتلين للمقاومة على حدودها الشمالية يهددون أمنها لاي سبب كان".