لبنان يجتاز عتبة الحرب الاهلية

بقلم: فيصل جلول

ربما مازال اولئك الذي عاشوا سنوات الحرب الاهلية في لبنان (1975 ـ 1990) وبخاصة السنتين الاولى والثانية يذكرون ما كان يعرف باسم "الجولات" القتالية. والتسمية ناجمة عن هدنة او وقف للقتال كان يفصل بين معركة عسكرية وأخرى تطول او تقصر حسبما يشتهي المتحاربون. كانت الحرب في احد وجوهها حاصل جمع تلك الجولات ولعل شهودها الاحياء يذكرون أن وقف النار في نهاية كل جولة كان يتم بعد مفاوضات بين المتصارعين تعقد في المقرات الحزبية او الدينية واحيانا بعد مصالحات تتخللها احاديث عن تفكيك العقد والتغلب على الصعوبات التي تعيق عودة "الحياة الطبيعية" الى سابق عهدها!
ومن بين خصائص تلك الفترة أن القتال كان يستأنف في منطقة مختلفة عن تلك التي شهدت تفاهما او مصالحة وعليه كانت الجولة الاولى تنتهي في بيروت مثلا لتبدأ الثانية في البقاع والثالثة في الجبل والرابعة في الجنوب والخامسة في الشمال الى ان ارتسمت خطوط قتال ثابتة بين المناطق وصارت المعارك شبه منتظمة خلف مواقع محصنة تدور داخلها حركة السكان الذين خضعوا لفرز وتهجير طائفي متبادل. اما الحكومة فكانت تتكيف مع الوقائع الجديدة وتمنح خدماتها الضرورية للجميع (رواتب الموظفين وثائق السفر تسجيل المعاملات الرسمية....الخ).
ولعل شهود تلك الفترة يذكرون أيضا أن وسائل الاعلام كانت تنشر خطبا ومقالات تبشيرية مع نهاية كل جولة يؤكد المعنيون بها على "العيش المشترك" وعلى "عظمة لبنان" واللبنانيين وعلى فرادة "الديموقراطية اللبنانية" ويردون اسباب تجدد القتال الى يسمى بـ"الانتكاس الامني" لاسباب طارئة أو لما يسمى ب "الطابور الخامس" الى غير ذلك من الأوصاف و المسميات الساذجة.
هكذا بدأت الحرب في سنتيها الاولى والثانية واستمرت من بعد تتشعب ويتعدد ابطالها وتتبادل اطراف خارجية الادوار فيها الى أن كلفت سوريا بتولي الشؤون اللبنانية فوضعت حدا للحرب التي ادت الى سقوط ما يقارب ال 200 الف قتيل وعشرات الالاف من الجرحى ومثلهم من المهجرين في الداخل وما يفوق هذا الحجم وذاك من المهاجرين الى الخارج .
ولان الحرب الاهلية اللبنانية كان فظيعة في مجرياتها ونتائجها على كل صعيد ولانها طالت كل اسرة وكل بيت لبناني فقد ساد اعتقاد بعد الانسحاب السوري عام 2005 يفيد بتعذر استئنافها ليس فقط لان فظاعاتها لم تطوها الذاكرة الجمعية بعد وانما ايضا لان المقاومة اللبنانية التي استثينت في "اتفاق الطائف" من نزع السلاح لا تريد الحرب ولا مصلحة لها في وقوعها بل في تجنبها . وقيل أيضا إن الحرب الاهلية انفجرت في السابق بسبب المقاومة الفلسطينية التي خرجت من المعادلة اللبنانية وبالتالي ما عاد في هذا البلد طرف غير لبناني يتنازع حوله أهل البلاد هذا فضلا عن طرد اسرائيل من الجنوب وانهيار نفوذها ـ الظاهر على الأقل ـ بين اللبنانيين ... الخ.
تعين هذه المؤشرات حول الحرب الاهلية اللبنانية السابقة على الاستنتاج بأن الحرب تسللت الى المجتمع اللبناني تدريجيا ككرة النار الصغيرة المتدحرجة التي شرعت تكبر وتكبر حتى صارت حريقا ضخما التهم البلاد والعباد دون ان يعلن أحد عنها صراحة. وتعين المؤشرات نفسها على الاستنتاج ان تفسير اندلاع الحرب في الربع الاخير من القرن العشرين كان وما يزال سطحيا ومضللا.
لقد غاب عن لبنانيي اليوم في تفسير حربهم انها كانت كجميع الحروب المعروفة تستجيب لاهم قوانين الحرب التي صاغها كلاوزفيتز بوصفها "امتداد للسياسة بوسائل أخرى" وكان قد سبقه نصر بن سيار الشاعر والعامل الاموي على خرسان الى جوهر هذه الخلاصة بقرون عندما قال شعرا "الحرب أولها كلام" ما يعني أن كلام السلام هو الذي يملي سلاما فيما كلام الحرب يملي حربا بالضرورة. لقد اخطأ اللبنانيون بتفسير حربهم السابقة وها هم يدفعون ثمنا باهظا لهذا الخطأ الفادح.
إن المراقب للتطورات اللبنانية منذ عشية "اتفاق الدوحة" يتسلل الى أذنه كلام الحرب وتقفز إلى عينه "جولات" قتالية شبه مكررة للحرب السابقة من بيروت الى الجبل الى البقاع والى الشمال (في هذه اللحظات) ومن غير المستبعد ان تتواصل المعارك مع استمرار كلام الحرب السائد بين المعارضة والموالاة . وهو كلام ناجم عن تموضع سياسي ثابت بين طرف يرى وجوب الخروج من الصراع مع اسرائيل على غرار وبشروط الاردن ومصر وما يعرف بالدول المعتدلة ويتلقى دعما صريحا وحماسيا من الولايات المتحدة وما يسمى بالمجتمع الدولي وطرف يرى ان الخروج من الصراع يتم بشروط المقاومة اللبنانية ومعها دول الممانعة والمواجهة ويسعى كل طرف الى فرض شروطه على غيره والى زج كل وسائله في المعركة المفتوحة والشاملة لكل شاردة وواردة من الشؤون العامة والخاصة.
بكلام آخر لقد أخطأ اللبنانيون عندما اعتقدوا أن بلادهم معصومة عن السقوط في اتون حرب اهلية جديدة جراء فظاعات الحرب السابقة فما من حرب سابقة في العالم حالت دون اشتعال حرب لاحقة. ويخطئون إذ يعتقدون ان ما تشهده بلادهم هذه الايام هو مناوشات آيلة الى الزوال مع الاستحقاق الانتخابي المقبل او عبر اتفاق وتفاهم جديد في الدوحة او في عاصمة اخرى. ويخطئون إذ يرون ان حربهم السابقة تمت بفعل التدخل الفلسطيني او السوري في شؤونهم وان كف اليد السورية يكف الحرب ذلك ان الحرب السابقة كما الحرب الاهلية التي تطل هذه الايام برأسها رويدا رويدا ناجمة عن وقوع لبنان على خط القتال الاول مع اسرائيل وعن تموضع اللبنانيين حول هذا الخط ما يعني أن الخروج من الحرب الاهلية يحتاج الى اعادة تموضع سريع وعقلاني مبني على الارجحية اللبنانية في الصراع مع الدولة العبرية هذا اذا افترضنا حرص وصدق وخبرة من بيدهم الامر في راس الحكم وهو افتراض لا يعول عليه مع الاسف الشديد. فيصل جلول