لبنان من 'ساحة' الى 'قاعدة'...

بقلم: خيرالله خيرالله

لا حاجة الى إضاعة كثير من الوقت ولا حاجة الى التساؤل مجددا لماذا لا يزال لبنان خطرا على نفسه وأبنائه ولماذا لا يزال يشكل خطرا على محيطه العربي... باستثناء سوريا طبعا. سيظل لبنان يراوح مكانه، وستبقى ذكرى الثالث عشر من نيسان/أبريل 1975 حاضرة بقوة، ما دام هناك رفض مستمرّ لفكرة الدولة. يجري ضرب فكرة الدولة يوميا عن طريق استخدام التنوع اللبناني وتوظيفه في خدمة التفريق بين اللبنانيين بدل أن يكون التنوع مصدر غنى للبنان والعرب عموما.
في أساس ما يشهده الوطن الصغير من أحداث حاليا، أي في أساس المشكلة التي أسمها لبنان توظيف إمكانات كبيرة في سبيل تكريسه "ساحة" لتصفية الحسابات مع هذه الدولة العربية أو الغربية أو تلك. هناك بكل بساطة من لديه مصلحة في لبنان "الساحة". حصلت نقلة نوعية في السنوات الأخيرة في اتجاه انتقال لبنان من "ساحة" الى "قاعدة". أنها نقلة من السلبي الى ما هو أكثر سلبية كي يكون الوضع اللبناني أسوأ مما يمكن تصوره. هناك من يسهر بعناية على تنفيذ النقلة عن سابق تصور وتصميم معتقدا أن لبنان "ورقة قوة" له.
في السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، كان مطلوبا تشجيع دخول أكبر عدد ممكن من المسلحين الفلسطينيين الى لبنان بغية أبقائه الجبهة الوحيدة المفتوحة مع إسرائيل تأسيسا على أتفاق القاهرة المشؤوم الذي أجبر العرب لبنان على توقيعه في العام 1969 بغية معاقبته على اعتماده موقفا حكيما في العام 1967 عندما رفض دخول حرب خاسرة سلفا مع إسرائيل، حرب كان يمكن أن تسمح لها باحتلال الجنوب بسهولة باكرا. فعل العرب والمسلحون الفلسطينيون كل شيء ممكن كي تحتل إسرائيل جزءا من الجنوب لفترة معينة. وبعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من الأراضي اللبنانية في العام 1982، كان لا بدّ من البحث عن بديل من المسلحين الفلسطينيين كي تبقى الأرض اللبنانية أرضا سائبة. كان مطلوبا بقاء الجنوب منطقة منكوبة أرضاء لإسرائيل التي تعمدت أبقاء "الشريط الحدودي" تحت الاحتلال الذي بدأ في العام 1978. لم تصدر يوما عن العرب كلمة تساعد في رفع الظلم عن لبنان، كلمة تدين تعامل المسلحين الفلسطينيين مع الحكومة اللبنانية أو استمرار تدفق السلاح والمسلحين الى الأراضي اللبنانية انطلاقا من الأراضي السورية بغية تدمير مقومات الدولة اللبنانية ومؤسساتها المختلفة بدءا بالجيش الوطني.
لا يزال لبنان يتعرض للهجمة ذاتها. الهدف منعه من أن يكون دولة حرة سيدة مستقلة. لبنان يقاوم. قاوم لبنان في الماضي الوجود المسلح الفلسطيني ولبنان وسعى الى التخلص من الميليشيات الحزبية ومن القواعد الفلسطينية ومن الوجود السوري، على نحو تدريجي، بفضل أتفاق الطائف الذي لا يختلف نصه في شيء عن القرار الرقم 1559 الصادر عن مجلس الأمن في العام 2004. من يريد حاليا دفن القرار 1559 أنما يريد في الواقع التخلص من أتفاق الطائف لا أكثر وإحلال المثالثة، التي تكرس الشرخ الطائفي والمذهبي مكان العيش المشترك المبني على التوازن والمناصفة، لتكريس البلد رأس حربة للمحور الإيراني- السوري و"قاعدة" له.
من يستغرب حاليا المواجهة القائمة بين السلطات المصرية و"حزب الله" لا يعرف شيئا عن لبنان ولا علاقة له بما يدور في البلد من قريب أو بعيد. هذه المواجهة نتاج طبيعي لانتقال لبنان من "ساحة" الى "قاعدة" بحجة مقاومة إسرائيل في كل أنحاء المنطقة. والحقيقة أن المقاومة التي تحصل هي مقاومة للبنان ولا هدف لها سوى ألحاقه بالمحور الإيراني- السوري الراغب في عقد صفقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل على حساب اللبنانيين والفلسطينيين. هل صدفة الانفتاح الأميركي على إيران والتعاطي الايجابي الإيراني مع هذا الانفتاح في هذا الوقت بالذات، في وقت تتعرض فيه مصر لانتهاك واضح لسيادتها وأمنها؟
هناك بكل بساطة محاولة لجر لبنان الى استعداء مصر وإيذائها بصفة كونه أداة إيرانية وسورية لا أكثر. يفترض في اللبنانيين أن لا يغيب عن بالهم ولو لحظة أن كل المطلوب ألا تكون هناك دولة في بلدهم الذي يدفع حاليا ثمن الصمت العربي الطويل حيال ما يجري على أراضيه. من حق لبنان أن يسمع إدانة عربية لما يسمى "مقاومة" توجه سلاحها الى صدور اللبنانيين بحماية سورية ومباركة إيرانية ودعم فعلي من الجانبين. من حق لبنان، الذي ليس قادرا على مقاومة الميليشيا المسلحة الإيرانية التي أقامت دولة داخل الدولة في أراضيه ما مكن مهربين من الاعتداء على الجيش اللبناني الاثنين الماضي الواقع فيه الثالث عشر من نيسان/أبريل 2009، أن يقول للعرب أن تحوله "قاعدة" انطلاق لأي نوع من العمليات الايرانية والسورية لن تفيدهم في شيء. أكثر من ذلك، مثل هذه العمليات سترتد، عاجلا أم آجلا، على العرب والأمن العربي من المغرب، الى مصر، الى البحرين، الى الكويت، الى دول الخليج الأخرى. لم يكن ممكنا أن تعتدي عشيرة على الجيش اللبناني، بالشكل الذي حصل فيه الاعتداء، لولا وجود دويلة إيرانية داخل الدولة اللبنانية.
لا داعي الى الدخول في مهاترات من أي نوع كان في شأن ما فعله ويفعله "حزب الله" في مصر نيابة عن النظامين الإيراني والسوري. كل ما في الأمر أن على العرب التنبه قبل فوات الأوان أن لبنان "القاعدة" بعد لبنان "الساحة" سيعود عليهم بالويلات. معركة لبنان هي معركتهم. أنها معركة كل الذين يرفضون أن يكون الوطن الصغير مجرد أداة لإيذاء العرب وطعنهم من خلف من أجل تأمين انتصارات جديدة لإسرائيل كما حصل أخيرا في غزة وضمان عقد صفقات مع الولايات المتحدة متى تسنح الفرصة لذلك! خيرالله خيرالله