لبنان في ذكرى اغتيال الحسن: تعبيد الطريق لقطع 'رأس' شعبة المعلومات!

قلّما يُقتل القادة في لبنان فجأة. في بلد الحريات الراقصة على أعتاب الجريمة، غالباً ما يُفرش طريق الموت بكتابات واتهامات وكيد لا ينتهي. القاتلون هم الحلقة الأخيرة في مسلسل الاستهداف، لدرجة أن المستهدف يشعر بدنو أجله قبل أن يعانقه الموت، أو يتمنى هو نفسه أن يعانق الموت شهيداً لفرط ما يقتلُه أعداؤه قبل موته!

رفيق الحريري ليس وحده الذي سار على طريق الاستهداف. لم يقل وحده "أستودع الله هذا البلد الحبيب وشعبه الطيب"، وهو يشعر أن سيارة الاغتيال تلاحقه حتى دارته، وحملات الافتراء تدخل معه الى غرفة نومه. رفيقه وسام الحسن سار على الدرب نفسه. شعر بالموت يقترب. حاول تأخير النهاية ببراعته الأمنية، لكن قضاء الله كان غلاّباً.

منذ قيام الجمهورية اللبنانية لم يتعرض جهاز أمني لبناني لما تعرضت له "شعبة" المعلومات، لا سيما في الفترة التي كان يرأسها فيها وسام الحسن. لم يجرّم أحد التمهيد للقتل، بل إن كثيرين صفّقوا له.

ورغم توالي القتل ومحاولات القتل فقد استمر مسلسل الاستهداف، في السياسة والإعلام والقانون... والدم، حتى وصلوا إلى الرأس في 19/10/2012. لم يتحمل معتادو التبعية نشوء جهاز أمني سيادي بهذا المستوى. ليس في الأمر مبالغة ولا مدح غير مستحق، فقد شهدت السنون العشرون من عمر شعبة "المعلومات" على هذه الحقيقة.

منذ مباشرته عمله في العام 1993 كان الفرع محارَباً، انطلاقاً من خشية النظام السوري أن يتحول إلى ذراع أمنية خارج النظام الأمني السوري اللبناني المشترك، خصوصاً أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان الداعم الأول له. وبعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، وتسلّم اللواء أشرف ريفي قيادة قوى الأمن الداخلي خلفاً للواء علي الحاج، الذي أوقف لاحقاً بناء على توصية المحقق الدولي في جريمة اغتيال الحريري، ديتليف ميليس، وضع ريفي نصب عينيه أهدافاً كثيرة، أهمها: تطوير قوى الأمن الداخلي، وإنقاذها من رواسب الوصاية السورية، ومكافحة الإرهاب، ومواكبة التحقيق الدولي بصورة فاعلة، والالتزام قدر الإمكان بمعايير حقوق الإنسان. على هذه الأسس اهتم ريفي بإعادة بناء قوى الأمن الداخلي عموماً، وفرع المعلومات خصوصاً.

أعاد ريفي زميله السابق المقدم وسام الحسن إلى السلك العسكري بعدما تركه مضطراً، وأسند إليه في شهر شباط 2006 رئاسة فرع المعلومات، بعدما كان المقدم سمير شحادة شغل رئاسة الفرع لفترة انتقالية. ومع تسلّم الحسن رئاسة الفرع تطوّر الجهاز بما لا يقارن مع حجمه السابق، عدة وعديداً، وبناء لهذا الواقع الجديد بدأ مجلس قيادة الأمن الداخلي بالبحث في تحويل فرع المعلومات إلى شعبة، غير أن قرار مجلس القيادة بتوسيع الفرع، المتخذ في 4/3/2006، بقي بلا غطاء قانوني، بسبب عدم تعديل النصوص القانونية المنظمة لعمل قوى الأمن الداخلي.

عندما دخلت "شعبة" المعلومات بفعالية في ملف التحقيق باغتيال الرئيس الحريري؛ أثار خصومها التباسات كبيرة حول علاقة مجموعة أصولية عُرفت لاحقاً باسم الـ13 باغتيال الحريري. سبق لـ"المعلومات" أن أوقفت المجموعة على خلفية أمنية، لكن المناهضين للمحكمة الدولية أثاروا لغطاً رهيباً في حجمه وخطورته، بهدف إلصاق جريمة اغتيال الحريري بالمجموعة، انطلاقاً من ارتباط بعض المدعى عليهم بعلاقة صداقة مع أحمد أبو عدس، الذي اختفى قبل شهر من ظهوره في تسجيل على شاشات التلفزة متبنياً اغتيال الرئيس الحريري. نظّمت جهات سياسية معروفة حملة ضخمة لإيهام الرأي العام أن هذه المجموعة، أي "القاعدة"، هي التي تقف وراء اغتيال الحريري. نُسب للعقيد وسام الحسن ومن قبله للمقدم سمير شحادة أنهما لعبا دوراً في تحريف "اعترافات" المجموعة، غير أن الثابت أن لجنة التحقيق الدولية برئاسة القاضي سيرج براميرتس قد قامت بمقابلة بعض أفراد المجموعة، ولا سيما السعودي فيصل أكبر، وخلصت الى النتيجة نفسها التي كانت قد توصلت إليها "شعبة" المعلومات لجهة استبعاد أي مسؤولية للمجموعة في جريمة اغتيال الحريري... ولدى صدور القرار الاتهامي تأكدت هذه الحقيقة، بعدما جاء القرار خالياً من أي اتهام للمجموعة بجريمة الحريري.

تسريب محاضر التحقيق مع العضو في المجموعة فيصل أكبر لم يكن مجرد سبق صحافي، ولا عملاً دعائياً بهدف التشكيك بـ"المعلومات" والتحقيق الدولي. لقد كان حرباً شعواء استهدفت مصداقية "المعلومات" والتحقيق الدولي معاً.

عندما حققت "شعبة" المعلومات نجاحها المعروف في كشف ضلوع "فتح الإسلام" في جريمة عين علق في آذار من العام 2007 تعرضت "الشعبة" إلى التشكيك أيضاً. نقل هذا التشكيك أصحابه من الانغماس في المماحكات السياسية الضيقة إلى العمل على ضرب معنويات قطعة أمنية ناشطة حققت نجاحاً كانت ترجو من ورائه الإشادة لا المهاجمة، سيما أن ملف مواجهة "القاعدة" مجمَعٌ عليه وطنياً، خلافاً لملف المحكمة الدولية.

ما هو اقسى من ذلك جاء على خلفية المواجهة الضخمة التي خاضتها قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني مع "فتح - الإسلام"، عندما نفذت مجموعة من "الفهود" هجومها المباغت على مجموعة من "فتح- الإسلام" كانت تتحصن في شارع المئتين في طرابلس عند الثالثة من فجر 19/5/2007. قيل يومها إن قوى الأمن الداخلي أرادت توريط الجيش اللبناني في معركة مع "فتح- الإسلام"، وقيل إن "شعبة" المعلومات هي التي غذت "فتح- الإسلام" إلى أن انقلب السحر على الساحر.

في الإعلام، وعلى ألسنة كثيرين من مروجي التبعية، كان لـ"المعلومات" نصيب الأسد. بثوا الكثير من الوقائع الكاذبة، والأمور المحرّفة. في "مواسم" ساخنة وصلت دعايتهم إلى حد الادعاء بأن "الشعبة" المذكورة عملت لصالح العدو الإسرائيلي في حرب تموز والتجسس على البلد والمقاومة!.

بعد النجاح الباهر الذي حققه هذا الجهاز في تدمير شبكات عملاء العدو الإسرائيلي، المزروعة في غير منطقة لبنانية، وتعاونه في هذا المجال مع مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، وجهاز امن المقاومة التابع لـ"حزب الله"، تراجعت الحملات المقامة على "المعلومات"، وتحولت إلى ما يشبه "الشكر الخجول" من قبل الفريق الذي دأب على التشكيك بعمل هذا الجهاز، لكن توقيف فايز كرم بتهمة العمالة للعدو الإسرائيلي، شكل محطة لاستئناف الحملات، باعتباره قيادياً في تيار العماد ميشال عون.

احد أشكال الاستهداف القاسي التي تعرضت لها "المعلومات" تغطى بالقانون، بدعوى أن الجهاز يقوم بأعمال لا تتناسب مع وضعه كفرع. "حماة القانون" أنفسهم رفضوا مد الجهاز المعني بمواد قانونية تنهي الموضوع الذي كان يتعدى القانوني إلى السياسي. تمادى بعضهم باعتبار المعلومات "عصابة"، وفي إحدى المرات دعا احد النواب العونيين إلى رفض التحقيقات الصادرة عن الجهاز، في معرض دفاعه عن العميل فايز كرم!.

لم تقتصر الحرب على "المعلومات" على ذلك، فقد حرص وزراء الاتصالات المتعاقبين من التيار العوني على منع "داتا" الاتصالات عن "الشعبة" المذكورة بحجة الحفاظ على الخصوصية، غير عابئين بالنتائج الكارثية للأمر على صعيد الأمن الوطني. أنصار الخصوصية اسقطوا مصداقيتهم بأيديهم عندما وضعوا "داتا" الاتصالات بعهدة الأجهزة الأمنية اثر الانفجار الثاني في الضاحية الجنوبية، بعد نحو سنتين من المنع الذي عاق كشف المجرمين، والحفاظ على امن البلد، وأخر التحقيقات في جرائم كبرى.

غير بعيد من الحرب الإعلامية والتشكيك الذي لا ينتهي، باشر خصوم "المعلومات" استهدافاً مباشراً أكثر. في 11/2/2006، وُضعت عبوة صغيرة (قنبلة دفاعية)، موصولة بباب منزل رئيس القسم الفني في "الشعبة" النقيب وسام عيد، الذي اكتشف أرقام الهواتف الخلوية التي استعملت في اغتيال الرئيس الحريري، وذلك في محلة الحدث في بيروت. نجا عيد واستمر مسلسل الاستهداف.

في 5/9/2006 زُرعت عبوة متطورة وموجهة بشكل محترف، باتجاه موكب الرئيس السابق لـ"شعبة المعلومات المقدم سمير شحادة. نجا شحادة بأعجوبة، وأصيب بجروح متوسطة، واستشهد أربعة من مرافقيه، شحادة كان شديد الصلة بملف اغتيال رفيق الحريري!

في 25/1/2008 كان الاستهداف الثاني للنقيب وسام عيد في محلة الشفروليه في بيروت، كانت العبوة كبيرة هذه المرة بما يكفي لقتله ومرافقه المعاون أسامة مرعب. الانفجار الهائل نتج عن سيارة مفخخة.

عندما وصلت المؤشرات باستهداف اكبر لـ"المعلومات" فرضت "الشعبة" طوقاً امنياً حول مقرها الرئيس في الاشرفية. قيل يومها أن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي تزعج المواطنين بإجراءات لا داعي لها، مع أن الحملة على "الشعبة" المذكورة بلغت حد تهديد مقرها بالاقتحام على صفحات الجرائد.

رغم ضراوة الاستهداف استمرت "المعلومات" في المقاومة. أنقذت البلاد من أكثر من خطر وفتنة، وأثبتت كفاءة عالية جعلتها محل إشادة أجهزة أمنية دولية عدة. الوقائع كثيرة جدا ولا مجال لذكرها في هذا المقام، فضلا عن تجرئها على فضح النشاطات النائية للسفارة السورية في بيروت، رغم وفرة المدافعين عن النظام السوري، بما في ذلك نواب من البرلمان اللبناني حاولوا تمييع نتيجة تحقيقات "المعلومات" حول خطف معارضين سوريين عبر سفارة بلادهم في لبنان.

الملف الأبرز الذي سرّع - وليس سبّب - اغتيال رأس "المعلومات" اللواء الحسن كان اكتشاف شبكة سماحة - المملوك. براعة اكتشاف وتوقيف الشبكة أخرست السن خلفاء سماحة الذين سحبوا عبارات التشكيك الأولية، كما جرت العادة. بعضهم واصل الاستهداف مداورة، بإثارة اللغط حول شخصية ميلاد كفوري، العميل الذي استعملته "المعلومات" للإيقاع بسماحة صوتا وصورة.

رأس الجهاز والمدير العام لقوى الأمن الداخلي كانا يعلمان أنهما دخلا دائرة الاستهداف الأخطر. في مرات كانا يتجنبان الانتقال عبر الشوارع، أو يزيدان الحماية الأمنية، وفي مرات كان اللواء ريفي يسرب عن قصد ما بحوزته من مؤشرات حول استهداف محتمل، ليوصل رسالة إلى متعقبيه أن تحركاتهم مكشوفة، وهو بالضبط ما حصل نهاية شهر كانون الثاني من العام الذي شهد اغتيال اللواء الحسن.

كثيرون حذروا الحسن من تبعات توقيف سماحة وفتح كنز المعلومات الذي كان معه، فقد ظن الأخير أن أحداً لا يجرؤ عليه، حتى انه كان يسجل لمن يلتقي بهم كلامهم؛ في الهاتف وفي السيارة، وعلى مدى سنين... المبغضون للحسن هددوه علانية، والمحبون أشفقوا عليه من ثقل الحمل الذي تقلده، فنصحوه بالابتعاد عن البلد قليلاً.

عندما غادر ريفي والحسن إلى المانيا للقاء رئيس مكتب الشرطة الفدرالية يوركي سلكي، عممت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي خبراً تمويهياً حول موعد اللقاء ومدته. كان القصد من ذلك إعماء العيون عن الرجلين أثناء وجودهما في لبنان، قبل موعد عودتهما المحدد وفق الخبر، لكن العيون التي رصدت ريفي والحسن أثناء مغادرتهما من مطار رفيق الحريري كانت تعلم أن الخبر تمويهي فحضرت سيارتي الاغتيال. وكما في الذهاب كان متعقبو الحسن في انتظاره عند الإياب. وصل وسام قبل موعده، بعدما ودع عائلته في فرنسا للمرة الأخيرة. أعطى موعدا لأحد النواب المهددين بالاغتيال ليبحث سبل حمايته.. لم يدر أن يد الاغتيال ستسبق الموعد إليه.

رغم فداحة الخسارة الوطنية، فقد استمرت جوقة الاستهداف إياها ترقص حول النعش. ميشال عون قلب منطق الأمور، لدى تعقيبه على الجريمة: "الحسن هو المسؤول الأول عن اغتياله" بعض الشتامين المحميين في مواسم الاستهداف ذرفوا دموع التماسيح على رحيل "الصديق" وسام الحسن، هؤلاء أنفسهم كانوا من دعاة نظرية أن الحسن ضالع باغتيال الحريري.

مناهضو السيادة لم يتوبوا بعد؛ فمسلسل التشكيك والاستهداف مستمر. حصل ذلك بعد توقيف أحمد الغريب. زعموا انه تعرض للتعذيب. وسربوا له رسائل يخبر فيها الرأي العام عن ظلامته!.. هم أنفسهم من يثير اليوم غباراً حول نشاط العقيد سمير شحادة بعدما عاد من كندا، أهانوه عند عودته بإثارة كلام غير لائق عن تكلفة علاجه. زعموا انه مهووس امنيا عندما عين قائداً لمنطقة الجنوب في قوى الأمن الداخلي. وصفوه بالحاكم العسكري بدلا من البطل العسكري.. وما تزال الحملات مستمرة، فالغايات ما تزال هي نفسها.

المقاومة مستمرة قبل وسام الحسن وبعده، والتاريخ يحكم على القادم من الأيام.