لبنان: عندما تطلق السلطة النار على قدمها!

تحسب الدول الديمقراطية حسابا عقلانيا للرأي العام بوصفه مصدر شرعية السلطة وذريعتها. انه الساحة التي يلتقي فيها الجميع والتي يتوسل بها الجميع من اجل تبرير خياراتهم السياسية والإعلان عن مواقفهم الوطنية. والسلطة السياسية (أي الحكومة والمعارضة) في البلدان الديمقراطية الحقيقية تناضل بشتى الوسائل للفوز بثقة الرأي العام وعقول أفراده، لذا عندما يعبر الرأي العام عن موقف سياسي أو عن رغبة سياسية في وسائل الإعلام أو في الساحات العامة تبادر الحكومة إلى الرد بما يتناسب مع حجم التعبير ومدى تمثيله.
في ثمانينات القرن الماضي نظمت أحزاب اليمين الفرنسي تظاهرة مليونية (للتذكير عدد السكان يناهز 70 مليون نسمة) ضد مشروع تربوي اشتراكي يضعف اثر التعليم الكاثوليكي والخاص في البلاد وبالتالي يعرض مصالح يمينية أساسية للخطر فكان أن تراجعت الحكومة عن المشروع الذي لاقى في حينه تأييدا عارما في الأوساط اليسارية على اختلاف مشاربها. كان بوسع الحكومة الاشتراكية أن ترد بمليون متظاهر مماثل لكنها تدرك أن هذا النوع من الردود يطيح بالتحكيم الديمقراطي أي بصمام الأمان الضروري للاستقرار السياسي والوحدة الوطنية.
وفي فرنسا أيضا لكن في أواخر الستينات اندلعت تظاهرات الطلاب الشهيرة واستولى الشبان المتمردون على المدن والجامعات والساحات العامة وبدا حينذاك أن المطلوب هو رأس الجنرال ديجول. رد أنصاره بتظاهرة حاشدة في جادة الشانزيليزيه على الضفة اليمنى لنهر السين فيما اليسار يحتل الحي اللاتيني على الضفة اليسرى للنهر. بدا من خلال هذا الاصطفاف الحاد أن الوطن مهدد بالانقسام. رد الجنرال الراحل لم يتأخر كثيرا، طرح الثقة بنفسه في استفتاء عام واشترط البقاء في الحكم أو التخلي عنه بحسب نتائج صناديق الاقتراع فكان أن خذله الرأي العام وتخلى عن السلطة رغم سيطرة تياره على الحكومة ومجلس النواب ورغم الملايين المنحازة إلى صفه وذلك لكي ينقذ الوحدة الوطنية في بلاده ولكي يبقى نظامها السياسي مستقرا.
في حالتي الحكم يمينا ويسارا كانت عين الحاكم مركزة على الوحدة الوطنية وفي الحالتين تراجع الحاكم أمام ضغط الرأي العام وكان التراجع انتصارا للديمقراطية أي للجميع ولم يقدمه أي طرف بوصفه نهاية المطاف للفريق الآخر.
نتحدث عن فرنسا بوصفها البلد الأكثر حضورا في الثقافة السياسية اللبنانية فهي ملهمة نخبة سياسية واسعة من اللبنانيين إلا أن تجربتها ليست فريدة من نوعها فهناك أمثلة غنية بالدروس المشابهة يمكن العثور عليها في الديمقراطيات الغربية الأخرى. ولعل الحديث عن فرنسا يلقي أضواء كاشفة على ما يدور في لبنان هذه الأيام ليس من زاوية التدخل الفرنسي في الوقائع اللبنانية وإنما من زاوية مقارنة الأصول المرجعية بفروعها، فلبنان لم يخترع الديمقراطية بل استوردها من بلدان المنشأ وبالتالي يتوجب القياس على الأصل وليس على الفرع.
في مارس/ آذار من العام 2005 حشدت الأحزاب الممثلة في السلطة السياسية الحالية مئات الآلاف من المتظاهرين في ساحة الشهداء وطلبت استقالة حكومة الرئيس عمر كرامي. صحيح أن الظرف السياسي كان محكوما باغتيال الرئيس رفيق الحريري، لكن الصحيح أيضا أن كرامي لم يأمر باغتياله وبالتالي كان بوسعه مع فريقه الموصوف ب 8 مارس/ آذار أن يزج بمتظاهرين مماثلين وأن يقابل الشارع بالشارع بيد أنه فضل الخضوع لإرادة المتظاهرين والتخلي عن الحكم.
في 1 ديسمبر/ كانون الأول الجاري زجت المعارضة بمئات الآلاف في شوارع العام الماضي نفسها وطالبت بسقوط حكومة رئيس الوزراء اللبناني أو توسيع تمثيلها ليشمل الجميع. اعتبر أنصاره أن الأمر يستدعي شارعا مقابل شارع وطائفة مقابل طائفة وأن سقوطه يعني سقوط لبنان! وقرر هؤلاء اعتباطا أن الحكومة لا تسقط في الشارع. ولو اقتصر الأمر على فريق السلطة وحده لأمكن القول إن الطبقة السياسية اللبنانية متخلفة وإن مقارنة لبنان مع الديمقراطيات الغربية لا تجوز مع وجود الفارق و لقلنا أيضا إن ازدواجية المعايير شأن المتخلفين وحدهم لكن ماذا نقول عندما يتبنى أساتذة الديمقراطية في الغرب المعايير المزدوجة نفسها ويوفرون الغطاء الدولي للحكومة اللبنانية وإن انطوى ذلك على خطر انهيار النظام السياسي على رؤوس اللبنانيين جميعا؟
في هذه الأيام تلتقي الديمقراطيات الغربية مع شموليي الشرق من أجل توفير غطاء دولي وإقليمي لحكومة لبنانية تعتبر أن الرأي العام الغالب المناهض لبقائها لا قيمة له وأن قيمة التحكيم الديمقراطي عبر الاعتصام والتظاهر والانتخابات المبكرة تقاس بمدى قرب التحكيم أو بعده عن مصالح الحاكم.
في هذه الأيام تدور في بيروت معركة مصيرية بين تيار معارض ربما يعبر عن تطلعات القسم الأكبر من الشارع اللبناني والعربي من جهة وتيار حكومي لبناني مدعوم بجزء مهم من الرأي العام المحلي ويحظى بتعاطف معظم المسؤولين العرب وتطلعاتهم وعلاقاتهم الدولية ما يعني أن النصر أو الهزيمة في هذه المعركة سيعبر الحدود وسيحسب ضمن الاصطفافات العربية والأجنبية الممعنة في تموضعها وتمحورها الأمر الذي يستدعي تدبيرا حكوميا لبنانيا استثنائيا ذا نكهة تاريخية في حين يبدو الحاكم في تعنته كمن يطلق النار على قدمه وفي المحصلة العامة على الوطن. فيصل جلول