لبنان بين هلالين

مثلما كانوا يفعلون دائماً، يضع اللبنانيون اليوم أيديهم على قلوبهم وهم يستمعون الى خطب زعمائهم السياسيين، الذين هم في الحقيقة جزء من الارث الغامض الذي صار على الشعب اللبناني أن يحمله على ظهره، من غير أن يتساءل عن الاسباب التي تدفعه الى القيام بذلك.زعماء رضعوا الزعامة القبلية والطائفية منذ نعومة أظفارهم. سليلو عوائل قدر لها أن تكون مهيمنة على مصير الطوائف، التي لا يرى أفرادها في انتمائهم الى المواطنة اللبنانية الا نوعا من الزخرف الرسمي.

كان اللبنانيون من أكثر الشعوب العربية استعداداً لمواكبة العصر في تحولاته. لا يزالون كذلك. لكن ذلك الاستعداد لم يضعف سلطة التفويض الطائفي التي يحرص الزعماء على استعمالها في بسط نفوذهم، من خلال اجهزة الحكم، حيث يتيح لهم نظام المحاصصة التسلل الى كل مفاصل الدولة براحة.

هذا الواقع يشير الى تناقض واضح يعيشه اللبناني بين قدرته على أن يكون معاصرا وبين انضوائه تحت عناوين دينية وطائفية ومذهبية، هي من بقايا عصور ما قبل الدولة الحديثة. يكتم اللبناني شعوره بالحرج ازاء ذلك التناقض خشية أن يخسر الانتماء الطائفي من غير أن ينعم بالمواطنة، فيُحرم من السقف الذي يحميه في اطار دولة، خذلها دستورها حين جعل من مبدأ المحاصصة شرطا لاستمرارها.

وإذا ما كان قدر لبنان الطائفي قد جر شعبه إلى مناطق الانزلاق الى الحرب الاهلية، غير مرة في تاريخه، فان تلك الحروب الاهلية بكل قسوتها وبشاعتها لم تؤد الى أن تتسيد طائفة واحدة على الطوائف الاخرى.

دائماً كان اللبنانيون يخرجون من حروبهم كما دخلوا اليها. المعادلة الطائفية لا تتغير. يخسر الجميع فيما تجد النزعة الطائفية في تلك الخسائر أسباباً لتأصيل وجودها أكثر.

ولكن هل علينا ان نصدق أن اللبناني المعاصر لا يزال مصرا على الطائفية، باعتبارها الحل المتاح الوحيد لتأكيد وجوده؟ وما معنى المعاصرة في مجتمع لا يزال غير قادر على أن يضع سياسييه في مكانهم الطبيعي، كونهم منفذين لارادته وخدما لمصالحه؟ يذكر سلوك اللبنانيين وهم يراقبون تصرفات الديكة الطائفية بانصياع وخضوع الرهائن، الذين قد تحدد لحظة طيش او انفعال غير متوقع مصائرهم.

وكما يبدو لي فان انشغال الشارع اللبناني بتصريحات السياسيين التي لا تمت الى وظيفتهم الخدمية بصلة، انما تعكس هلع اللبنانيين وخوفهم الدائم من أن يجر اولئك السياسيون بلادهم الى التهلكة مرة أخرى.

في خيال كل لبناني يقيم شبح لحرب قد تقع كل لحظة.حرب يخسرها الجميع،غير أنها تقدم للطائفية أسبابا للاستمرار. لعبة خبر اللبنانيون فصولها.واللاعبون الكبار لم يملوا من الامساك بالحبال المشدودة. السنيورة وميقاتي مَن منهما يحل محل الآخر؟اليوم يمسك حزب الله بالخيوط كلها فيما يضع تيار المستقبل (الحريري) خططه للايقاع بالخصم، الذي صار ينظر إلى خصومه باعتبارهم اندادا غير اكفاء، ولا يضارعونه قوة. في المسافة بين الفريقين ما من أحد سوى الشعب المسكين. زعماء الطوائف كلهم توزعوا حول فكرة من يلوي ذراع الآخر وما من فرج يشير الى باب مفتوح يقود الى برية لا تشكل الازمة فضاءها.

الحديث السياسي الناعم في لبنان انما يعبر في حقيقته عن طموحات زعماء طائفيين، كل واحد منهم يهدد الآخر برهائنه المنسيين. اولئك الرهائن الذين لا يطلع صوتهم الا همسا بسبب شعورهم بالعار. دائما كان هناك نوع من غسيل الادمغة في لبنان يهدف الى وضع اللبنانيين في خنادق متقابلة. ولم يكن تألق حزب الله الا مثالاً على تلك الحرب الخفية التي كان اللبنانيون يشنونها، بعضهم على البعض الآخر. فالمقاومة وهي فعل نبيل لم تكن سوى حدث جانبي عارض في حياة ذلك التنظيم الطائفي. لقد وجد ذلك الحزب في ما سمي بـ"مظلومية الطائفة" اطارا لوجوده، وهو اساس عقائدي لا يمكن سوى ان يكون محاولة لاستبعاد التفكير بالظلم الذي يمكن ان يتعرض له اللبناني، بغض النظر عن طائفته.

واذا ما كان حزب الله يمثل صورة المحتكر الرسمي لشيعة لبنان، فان ذلك لا يمحو من الذاكرة استعراضات حزب الكتائب، يوم كان ذلك الحزب يتوهم انه صار قادرا على احتكار الشارع المسيحي. هل يعني هذا ان اللبنانيين لا يتعلمون من اخطائهم التي قادتهم الى ارتكاب جرائم عظيمة بحق بلادهم ومستقبل العيش فيه؟

ربما ابدو متشائما حين أقول ان لغة الرهينة المطيعة والخانعة لا تزال سائدة. يحتاج اللبنانيون الى شيء من الشجاعة لكي يتفوقوا على أنفسهم من اجل ان يخرجوا من القمقم الطائفي الذي حبسوا أنفسهم فيه.

لم يكن حزب الكتائب حلاً ولن يكون حزب الله هو الحل. لبنان المواطنة وحده كفيل بان يرتقي باللبنانيين الى مستوى نبل شعورهم وتفكيرهم بمعاصرتهم.

فاروق يوسف