لبنان بين التدويل وخفة يد المقاومة

ليس في الإمكان انقاذ لبنان من داخله، لا لشيء إلا لأن ذلك الداخل يُدار من قبل الفاسدين الذين لا يمكن اقتلاعهم.


ليس أمام لبنان سوى الذهاب إلى المجتمع الدولي قبل أن تحل القيامة


انتصر جميع المهزومين وهُزم الشعب الذي خرج من الحرب يتيما مثخنا بالجراح


هل تكمن الوطنية في التستر على الفاسدين لأنهم بضاعة محلية ينبغي الاعتزاز بها؟

هناك مَن دعا إلى تدويل المسألة اللبنانية قبل الانفجار العظيم الذي ضرب ميناء بيروت وأُتهم يومها بالخيانة كما لو أن الوطنية تكمن في أن نتستر على الفاسدين وقطاع الطرق وحملة السلاح غير الشرعي لأنهم بضاعة محلية ينبغي التعامل معها بقدر من الاعتزاز بحيث نجنبها أي نوع من أنواع الفضيحة أو المساءلة أو الانتهاك الخارجي.

فاسدونا منا ولنا فهم أبناؤنا وليس مقبولا أن نستعرض غسيلنا الوسخ على حبال الآخرين. ليس مقبولا أن نسمح للآخرين أن يشمتوا بنا ويتلذذوا برواية أخبارنا السيئة التي لا تُسر أحدا. فمهما حدث فإن الفساد هو صنعة ينبغي عدم التقليل من أهميتها. هي الشطارة التي أغنت تراثنا الشفاهي بالحكايات الشيقة التي لم يخرج الحرامي فيها مطرودا من المدينة ومطاردا باللعنات.

عبر عشرات السنين تمتع الفاسدون وقطاع الطرق والقتلة بالحماية الشعبية. ألم تتوجهم الطائف بعد حرب أهلية طاحنة فصاروا حكاما على الدولة التي دمروها وقادة للشعب الذي ذبحوه؟ لقد انتصر جميع المهزومين وهُزم الشعب الذي خرج من الحرب يتيما مثخنا بالجراح مكللا بذكريات، حين يلتفت إليها يشعر بعار النظام الذي انتقل من السياسة إلى المجتمع وبالعكس.

يكذب اللبناني حين يقول إنه ليس طائفيا. إنه في حقيقته يتمنى لو لم يكن طائفيا ولكن الواقع يفرض شروطه التي هي شروط أن يتحقق لبنان من وجوده من خلال طائفية أبنائه واستقرار نظامه الطائفي. هكذا كان لبنان منذ اعلان دولته الحديثة وهكذا ينبغي أن يكون. هناك مكر طائفي يمارسه حزب الله من أجل اسقاط النظام الطائفي لتنفرد طائفة بعينها بالسلطة وتكون لها لا لسواها من الطوائف التي سيسحق أبناؤها ويُلحقون بهامش الأقليات المسبية التي ستكون تحت الحماية الإيرانية.

تقع مشكلة لبنان في هذا المأزق وليس في نظامه السياسي المتخلف الرث وغير القابل للإصلاح. كما أنه ليس في الإمكان انقاذ لبنان من داخله، لا لشيء إلا لأن ذلك الداخل يُدار من قبل الفاسدين الذين لا يمكن اقتلاعهم لأنهم يشكلون مادة السلطة السياسية وبأيديهم كل مفاتيح اقتصاد البلد. وما يشهده لبنان اليوم من انهيار اقتصادي يذهب به إلى هاوية سحيقة من الفوضى هو من صنعهم وهم يعرفون جيدا أن كل ما فعلوه بالشعب لن يعود عليهم بالضرر. ستبقى الدولة بيدهم ولن يصل العالم إلى الشعب إلا من خلالهم.

تأخر كل شيء. تدريجيا ومع الوقت تمكن حزب الله الموالي لإيران من احتواء الدولة اللبنانية. صارت دولته هي البديل عن الدولة اللبنانية. فهي الأقوى وهي الأكثر خفة وهي الأثرى وهي القادرة على تلبية حاجات شعبها عن طريق وسائط هي من ملك كل اللبنانيين غير أنها اُحتكرت لاستعمال طائفة يستعملها الحزب وقودا لحربه القادمة. وهي الحرب التي لن تكون إسرائيل طرفها الثاني.   

وهكذا فإن تدويل المسألة اللبنانية انما يبدأ في حقيقته من محاولة تعريف الدولة اللبنانية من جهة التعرف على الحدود الفاصلة ما بينها وبين دولة حزب الله وهو أمر لن يكون ممكنا في ظل جاهزية سلاح حزب الله واتساع دائرة الولاءات الحزبية لما يُسمى بالمقاومة وهي التسمية المجازية المخادعة لحزب الله في صيغته الأشد شمولا التي تخرج به من كونه حزبا يمثل جزءا من طائفة إلى المجال الذي لا يستطيع لبناني أن يشيح بنظره عنه أو يوجه له انتقادا.

تبلورت المعادلة على الشكل التالي. بغض النظر عن الابتذال والرخص والفوضى والرثاثة التي يعيشها لبنان فإن المقاومة تبقيه في مرتبة أعلى من أن يدركها المهتمون بالحياة اليومية الزائلة. لبنان في ظل حكم حزب الله هو أهم ركن في نظام المقاومة بل هو عموده الفقري. وَمَن يتساءل عن وظيفة المقاومة فأما أن يكون جاهلا أو مدسوسا. لذلك فإن الدعوة إلى تدويل المسألة اللبنانية انقاذا لما تبقى من كرامة اللبنانيين وقدرتهم على الاستمرار في الحياة انما تنطوي على جر الشعب اللبناني إلى خندق الخيانة والاصطفاف مع إسرائيل.

ولكن إذا لم يتدخل المجتمع الدولي لإنقاذ الشعب اللبناني من كارثة حياته اليومية التي صار الاذلال عنوانها فما هو الحل؟ حتى لو تحول كل أبناء الشعب اللبناني إلى عبيد موالين لإيران فإن ذلك لن ينجو بهم من الوضع المزري الذي هم فيه اليوم. سيزدادون فقرا وجهلا وموتا ومهانة وإذلالا. فكذبة المقاومة تمحو كل فكرة عن العدالة الاجتماعية.

لذلك فليس أمام اللبنانيين سوى الذهاب إلى المجتمع الدولي فلعله يكون قادرا على انقاذهم قبل أن تحل القيامة.