لبنان بين استحالتين: استحالة إسقاط المحكمة واستحالة إسقاط السلاح

بقلم: صلاح أبوالحسن

عاش لبنان خلال مرحلة حكومة "اتفاق الدوحة" أو ما عرف بحكومة الوفاق الوطني، وكأنه امام حكومة معطلة، إذا استثنينا بعض الأعمال الروتينية الأقل من عادية، نتيجة انتقال الإصطفافات المدمرة الى قلب الحكومة، التي عجزت عن اقرار او حتى نقاش مئات البنود والملفات المكدسة على طاولة الحكومة.. وبقي الطبق الرئيسي والوحيد، الذي تقدمه الحكومة للبنانيين هو ما عرف بـ"شهود الزور"، وذلك منذ تشكيل حكومة سعد الحريري حتى تاريخ "نسفها" من الداخل في 11 كانون الثاني الماضي، على اثر استقالة وزراء المعارضة ومعهم الوزير "الملك" بعد نعي سوريا والمعارضة اللبنانية المبادرة السعودية ـ السورية.

لذلك، يمكن القول اننا أمام حكومة تصريف أعمال من الناحية العملية منذ الإنتخابات النيابية في ايار 2008 حتى تاريخه.

المشكلة الحقيقية، لم تكن يوما لا بتوزيع الحقائب السيادية ولا بحجم ونسب التمثيل، فالجميع يعرف تماما ان الخوف هو من نتائج المحكمة الدولية من جهة، ومن استدارة سلاح المقاومة الى الداخل من جهة ثانية.. وكل ما يطرح علنا من كلا الفريقين، انما يخبئ وراءه خوف كل فريق من الفريق الآخر، نتيجة فقدان الثقة بينهما.. فهذا الفريق يخون الآخر، وذاك يعبئ ويشحن، وبذلك، تبرز اكثر فأكثر الخنادق والمتاريس الطائفية المذهبية وكأن أحدا لم يتعلم من دروس الماضي..

تسقط الحكومة، بالضربة القاضية، فيأتي الرد بأن "الكرامة أغلى من السلطة"، ويرفع الفريق الأساسي "يده" وتسقط المبادرة التي غالى اللبنانيون بالتعويل عليها.. وجاء الرد على الرد، ليؤكد ان الهم الأساسي، هو الخوف من اقتراب موعد صدور القرار الظني، بالقول: "لن نسمح بأنّ يلبسنا أحد دم رفيق الحريري لا ظناً ولا اتهاماً والمعارضة قررت الاستقالة من الحكومة بعد تبلغها فشل المسعى السوري ـ السعودي"..

وهنا لا بد من التذكير بقول وليد جنبلاط، بعد اسبوع من إسقاط الحكومة وقبل تكليف نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة: "إن قرار استقالة الوزراء كان خطأً في السياسة، وسعد الحريري هو الأفضل لتولّي رئاسة الحكومة.. فليسمّوا عمر كرامي، وسيصبح سعد الحريري الزعيم الأوحد عند السنّة"..

وهكذا، يعتاش كل فريق على اخطاء الفريق الآخر، وهنا نذكر أن 8 آذار أنتج 14 آذار في العام 2005، و7 ايار 2008، أنتج إنتصار الأكثرية في الإنتخابات النيابية الأخيرة، كما ان سعد الحريري بالمقابل، لم يتمكن من إستثمار زيارته لسوريا ولقائه التاريخي مع الرئيس بشار الأسد، ولم يتمكن من ترجمة حديثه لجريدة "الشرق الأوسط" واعترافه بوجود "شهود زور" أدوا الى توتير وتأزيم العلاقة مع القيادة السورية، على طاولة مجلس الوزراء.

وبصرف النظر، عن ظروف تكليف نجيب ميقاتي بأكثرية 68 صوتا، مقابل 60 صوتا للرئيس سعد الحريري، وهي أكثرية "هزيلة".. فانها كانت كفيلة بإعادة انتاج إصطفافات جديدة.. كان أول إفرازاتها، الإحتجاجات "السنية" على تكليف ميقاتي.

اليوم، وبعد مرور ما يقارب ثلاثة أشهر ونصف على تكليف نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة العتيدة في 25 كانون الثاني الماضي، يصعب او يستحيل التصديق ان تأجيل التشكيل من اسبوع الى اسبوع ومن شهر الى آخر، يعود الى الأسباب المعلنة، ولذلك لا بد من الإشارة الى أربعة ملاحظات:

أولا ـ إن قبول المعارضة تكليف نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة، جاءت بناء لدفتر شروط عنوانه: وقف تمويل المحكمة والغاء البرتوكول المتعلق بها وسحب القضاة اللبنانيين منها، وحماية سلاح المقاومة.

ثانيا ـ إن مصادفة الإنتفاضات العربية من تونس الى مصر، مع تكليف نجيب ميقاتي، أدى الى تغيير الإهتمامات العربية والأوروبية والأميركية بالشأن اللبناني وبات لبنان متروكا لمواجهة قدره بنفسه..

ثالثا ـ تزايد الشعور لدى الرئيس نجيب ميقاتي، بعدم قدرته على مواجهة الساحة السنية، مما دفعه للإحتماء بدار الفتوى في 10 شباط، أي بعد ثلاثة أسابيع من تكليفه، لأخذ المباركة "السنية" وتأكيده في هذا اللقاء على حماية المحكمة ورفضه استخدام السلاح في الداخل.. وهذا "اللجوء" كذلك البيان الصادر عن اللقاء، أثار قوى الأكثرية الجديدة وخاصة حزب الله.

رابعا ـ جاء الرد في 13 آذار، من سعد الحريري وفريقه بإعلان إنتفاضة ثانية، عنوانها "إسقاط السلاح..". فزادت الضغوط على الرئيس المكلف وعلى حزب الله، فالأول يحتمي بالدستور ويقول: "الدستور لا يسمح بتمليك أحد اغلبية معطلة".. والثاني يحتمي بميشال عون، الذي يطالب بحصة من 13 وزيرا على الأقل، ورفضه إعطاء رئيس الجمهورية أي حصة وزارية، مع تمسكه بوزارة الداخلية من ضمن حصته.

وهكذا، كلما شعر اللبنانيون بتقدم حظوظ التشكيل، برزت عقدة جديدة، حتى بات من شبه المؤكد ان الفريق المعني بتشكيل الحكومة ليس عاجزا عن التشكيل، انما هو غير مستعجل.. ربما بانتظار جلاء ظروف خارجية بالغة التعقيد، وهنا لا بد من التأكيد ان سوريا ليست شريكا في عملية التعطيل هذه.. وإذا جاز القول فان سوريا المنشغلة اليوم بملفاتها الداخلية، انما تتمنى على اللبنانيين عامة وعلى فريقها بشكل خاص، الاستعجال في تشكيل الحكومة.. وبالمناسبة، إذا كان البعض في لبنان، يعتقد ان الإهتزاز الأمني في سوريا، يشكل إنتصارا له فهو مخطئ تماما، وعليه أن يعي تماما مقولة "امن لبنان من أمن سوريا والعكس صحيح".. وليعلم ان أي خيار آخر هو خيار مدمر للبنان.

من هنا، فالمشكلة ليست عند ميشال عون، وليست عند رئيس الجمهورية ولا عند الرئيس المكلف، انما هي بين استحالتين يشكلهما فريقي 8 أذار و14 آذار:

الأولى: إستحالة إسقاط المحكمة الدولية، دوليا او حتى لبنانيا، والمطالبة بذلك من فريق لبناني، انما يزيد من وتيرة التشنج لدى الفريق الآخر المتمسك بالحقيقة والعدالة مهما كان الثمن.

الثانية: إستحالة إسقاط سلاح المقاومة مهما علت الأصوات، فالسلاح باق طالما هناك أرض لبنانية محتلة، وطالما هناك تهديد إسرائيلي للبنان، ومعلوم ان هناك إجماع لبناني على عدم استخدام السلاح في الداخل.

الحل في النهاية، هو بالعودة الى الحوار، خاصة في ظل إنشغال جميع المعنيين بالملف اللبناني بمشاكلهم الداخلية، وذلك للتوافق على أمرين: عدم توظيف المحكمة في أي اقتتال داخلي مذهبي من جهة، والتوافق من جهة ثانية ليس فقط على عدم استخدام السلاح المقاوم في الداخل إنما أيضا عدم توظيفه بالسياسة اللبنانية الداخلية.

وأخيرا، على الفريق المعني بتشكيل الحكومة الإسراع بذلك، فالتأخير يأكل من رصيده وبالتحديد من رصيد حزب الله، فتردي الوضع الإقتصادي والإجتماعي والمعيشي، بات يقض مضاجع كل اللبنانيين، إلا إذا كان المطلوب داخليا وخارجيا المزيد من التردي والإهتراء..؟!

صلاح أبوالحسن