لبنان الجريح بحاجة إلى فيروز وجبران

تشهد الساحة اللبنانية انقساماً حاداً لم يسبق له مثيل منذ طيّ صفحة الحرب الأهلية وقبول الفرقاء اللبنانيين باتفاق الطائف عام 1989.. هذا الانقسام يعود بقوة اليوم من خلال التظاهرات والاعتصامات المفتوحة لتيارات المعارضة اللبنانية التي تطالب باستقالة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها المعارضة ممثلة بحزب الله وحركة أمل والتيار لوطني الحر وأحزاب أخرى متحالفة معها.
تأتي هذه التحركات الشعبية الحاشدة بعد توقف جلسات الحوار اللبناني وتعثّر مفاوضات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
لكن الغريب في ما يجري أن الفريقين الحاكم والمعارض يتفقان على الكثير من القضايا الوطنية، ففريق 14 آذار يرفع العلم اللبناني وفريق 8 آذار يرفع العلم اللبناني أيضاً.. الفريق الأول يردد شعارات تطالب بسيادة واستقلال لبنان ورفض الوصاية أيـاً كان مصدرها والفريق الثاني كذلك.. الفريقان يدينان جميع الاغتيالات ويطالبان بكشفها، ويؤكدان على صيغة العيش المشترك، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، ويتفقان على لبنانية مزارع شبعا..
ما يجري في لبنان يثير الكثير من التساؤلات حول فكرة التعايش بين اللبنانيين أو ما اصطلح على تسميتها صيغة العيش المشترك.. هذه الصيغة تتعرض لخلل كبير جداً قد يودي بلبنان ويعيده سنوات وربما عقود إلى الوراء.
خلال كتابة هذا المقال طرأ حادث أمني تمثل بمقتل أحد اللبنانيين من أنصار المعارضة بإطلاق نار.. هذا التطور الخطير يأتي كنتيجة طبيعية للاحتقان السياسي غير المسبوق الذي تشهده الساحة اللبنانية، وقد لا يكون وحيداً مع استمرار الشحن الطائفي والمذهبي في الشارع اللبناني وغياب مبادرات التهدئة لدى قيادات الفريقين.. مما يعني دخول لبنان في غياهب المجهول، وتحوّل الخلاف الحالي إلى صراع دموي لا يعلم أحد عواقبه و إلى أين يمكن أن ينتهي.
الاحتجاجات والاعتصامات والتظاهرات الهادفة إلى إسقاط الحكومة اللبنانية وسط بيروت لم تمنع الفنانة الكبيرة فيروز من تحدي الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد، وتقديم العرض الأول من مسرحيتها الغنائية "صح النوم" على بعد أمتار من موقع المتظاهرين.
فيروز التي غنت "بحبك يا لبنان يا وطني بحبك" تعود اليوم على وقع أصوات المتظاهرين على أمل بثّ المحبة والسلام في نفوس جميع اللبنانيين، فيما لبنان الجريح ينزف بانتظار من يضمّد جراحه المتزايدة يوماً بعد يوم.
لا شك أن لبنان اليوم بحاجة إلى فيروز بكل ما ترمز إليه أكثر من أي وقت مضى للخروج من المأزق الراهن، وإبعاد شبح الحرب الأهلية الذي يخيّم في أرجاء لبنان.. لكن ليس على خشبة المسرح، وإنما في مكان ما بين الساحتين اللتين يتظاهر فيهما عادة جمهور الفريقين.
اللبنانيون بحاجة إلى فيروز لتشدو لهم "بحبك يا لبنان" مجدداً.. بحاجة إلى فيروز لتجمعهم وتوحّدهم على حبّ لبنان الوطن بمقدار حبّهم لطائفتهم ومذهبهم وزعاماتهم السياسية والدينية أو أكثر.
لبنان بحاجة إلى فيروز وجبران خليل جبران لإعادة الضمير إلى بعض من فقده من اللبنانيين.. جبران الذي كان يقـول:
لكم لبنانكم ولي لبناني.. لكم لبنانكم ومعضلاته، ولي لبناني وجماله.. لبنانكم مشكلة دولية تتقاذفها الليالي، أما لبناني فأودية هادئة سحرية تتموج في جنباتها رنات الأجراس وأغاني السواقي.. لبنانكم حكومة ذات رؤوس لا عداد لها، أما لبناني فجبل رهيب ووديع جالس بين البحر والسهول جلوس شاعر بين الأبدية والأبدية.‏
لبنانكم مرافئ وبريد وتجارة، أما لبناني ففكرة بعيدة وعاطفة مشتعلة وكلمة علوية تهمسها الأرض في أذن الفضاء.‏. لبنانكم شيخ قابض على لحيته، قاطب ما بين عينيه ولا يفكر إلا بذاته، أما لبناني ففتى ينتصب كالبرج، ويبتسم كالصباح ويشعر بسواه شعوره بنفسه.
لبنانكم ينفصل آناً عن سوريا ويتصل بها آونة ثم يحتال على طرفيه ليكون بين معقود ومحلول، أما لبناني فلا يتصل ولا ينفصل ولا يتفوق ولا يتصاغر.‏
جبران كان يدرك أن لبنان الذي في عقله ووجدانه وضميره يختلف جذرياً عن لبنان الطوائف والمذاهب والزعامات والانقسامات.
لا أريد الخوض في التجاذبات السياسية القائمة بين القوى والتيارات المختلفة على السياسات المتبعة الداخلية منها والخارجية، رغم إعجابي البالغ بهذا القائد الاستثنائي الكبير السيد حسن نصر الله وثقتي بوطنيته وحبّه للبنان.. لكن حجم الأزمة الراهنة والتداعيات التي يمكن أن تنجم عنها يحتّم التوصل إلى اتفاق عاجل ينقذ لبنان من أي انهيار جديد قد يدمّر البلاد ويهجّر العباد.
ميثاق العيش المشترك في لبنان بحاجة إلى إعادة إحياء، ولا يمكن إحياءه إلا على أساس مشاركة الجميع في القرار السياسي وغير السياسي، وبعيداً عن التهميش أو الإقصاء أو الاستئثار مهما كانت الضغوط والتحديات.. ولا يمكن الخروج من عنق الزجاجة إلا بالوفاق الوطني وإقرار اللبنانيين بصيغة التعايش كقدر محتوم لا بديل عنه، لا سيما أن مقدمة الدستور اللبناني تنص على أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".
بين 8 آذار و14 آذار ستة أيام، وبين ساحة الشهداء وساحة رياض الصلح أمتار قليلة، لكن هذه الأيام وتلك الأمتار تتزايد شيئاً فشيئاً، وتدفع بلبنان إلى النفق الأكثر ظلاماً.
الوضع في هذا البلد يتطلب حكمة وتبصراً ووعياً أكثر من أي وقت مضى ويحتّم على جميع الأطراف ضرورة إعادة الحسابات ونبذ الخلافات تمهيداً لتشكيل حكومة وحدة وطنية ترضي جميع الأطراف.. قبل أن يأتي وقت لا ينفع فيه عضّ الأصابع ندماً وتكون الخسارة خسارة الوطن.. وهذا ما ينتظره ويخطط له أعداء لبنان. شادي جابر Shadi2000sa@yahoo.com