لبنان: الانتخابات أيضاً بالوكالة!

لبنان له في قلبي معزة خاصة، فهو اول بلد عملت فيه صحافياً خارج مصر بجريدة "السفير" قبل الحرب الاهلية بقليل، شاهدت الطائفية تفتك به، والفلسطينيون يستخدمونه وطناً بديلاً ويقاسمون اهله الرزق ويفرضون الاتاوات بحجة دعم المقاومة، وهكذا تحولت الفسيفساء اللبنانية الجميلة من موارنة وشيعة وسنة ودروز وغيرهم من التعايش الى التنافر وفتحت الباب واسعاً لتدخلات سورية وايرانية واسرائيلية وفلسطينية واحيانا دولية، وعلى ارضها دارت الحرب بالوكالة لاول مرة في الوطن العربي بين فلسطين واسرائيل اولا ثم بين حزب الله اللبناني اسماً والايراني هوية وتمويلاً وتسليحاً وبين اسرائيل ثانياً، ثم اصبحت الحرب سياسية بالوكالة ايضاً بين سوريا وايران من جانب وبين المجتمع الدولي من جانب آخر عقب مقتل رفيق الحريري وبعد تفاقم ازمة الملف النووي الايراني، الا ان الجديد كان انطلاق ظاهرة جديدة مؤخراً هي الانتخابات بالوكالة.

فمن المفارقات المضحكة المبكية، أن احتضن لبنان أخيراً احتفالات "الاعراس الديموقراطية" في المنطقة فيما دخل هو في فراغ موقع الرئاسة الأولى، ويخضع في تسيير شؤونه لحكومة مؤقتة ولدت بشق الأنفس، وبرلمان فاقد الشرعية، مدد لنفسه من دون أي اعتبارللآليات الدستورية أو العملية الديموقراطية التي يتغنى بها هذا البلد منذ نشأته.

وإذا كانت أجيال بكاملها نشأت على معزوفة "حرب الآخرين على أرض لبنان" لرفع المسؤوليات وإبعاد شبح المحاسبة عمن ورط البلاد بسنوات من الحرب الطاحنة، ها نحن اليوم نشهد في زمن السلم الذي يرعاه أمراء الحرب أنفسهم، على "انتخابات الآخرين في لبنان" مع فارق أن اللبنانين الآن متفرجون صامتون.

فمن صور لرئيس الوزراء العراقي المدعوم ايرانياً نوري المالكي اجتاحت طريق المطار والشوارع المحاذية للضاحية الجنوبية، إلى صور للمرشح الرئاسي في سورية بشار الأسد لم يكتف واضعوها بالجدران وأعمدة الكهرباء بل جالوا بها الطرقات في مواكب سيارة، وصولاً إلى وسائل إعلام محلية سنية خاضت بحماسة حملة المرشح المصري عبد الفتاح السيسي، كأنها تجري في أحد أحياء بيروت، مشاهد توحي بأن جزءاً غير قليل من اللبنانيين يعيش حياة سياسية كاملة بـ "الوكالة" كما سبق لهم أن خاضوا معارك بالوكالة أيضاً. وهم إذ ذاك، منقطعون تماماً، عن أي هم مشترك قد يجمعهم ببقية مواطنيهم بحيث تكرس اغتراب الجماعات عن بعضها البعض، وبات مفهوماً ربما بحث كل منها عن خلاصها الذاتي.

هكذا يبدو سد الفراغ الرئاسي مطلباً مسيحياً بامتياز كأنه مجرد منصب طائفي، وليس حاجة وطنية مشتركة وملحة. فمن المتضرر (معنوياً أو فعلياً) من غياب الرئيس طالما أن الأعمال تسير كالمعتاد ووفق رغبة الأقوى؟ هذه الفجوة الداخلية، إن كانت فجوة، يعوضها بمعنى ما بقاء بشار الأسد في السلطة وتفويضه لبنان كاملاً لـ"حزب الله"، فيما القوى السنية أضعف من أن تفرض شروطها على حلفائها المسيحيين قبل غيرهم.

والأمر ينسحب على مسألة الانتخابات التشريعية التي يبدو أن عدم إجرائها لم يستفز أحداً إلا بعض التجمعات المدنية الهامشية، التي منعت من تنظيم تظاهرات أو وقفات احتجاجية ولم تنجح كثيراً في استقطاب الشارع.

ولعل اللافت كان انتشار بعض الصور للرئيس الراحل فؤاد شهاب، في مناطق مختلطة طائفياً واجتماعياً، تطالب به رئيساً. وبمقدار ما هي مسلية تلك الصور، إلا أنها تنذر بدورها بأن شريحة من اللبنانيين الراغبين بعودة الدولة القوية ومؤسساتها، وهو الإرث الحقيقي للحقبة الشهابية، مستعدون للتغاضي عن مساوئ تلك الحقبة نفسها التي طبعها حكم العسكر والاستخبارات. وكأن ثمة من دجنهم أيضاً فباتوا يقبلون بمعادلة "الحرية مقابل الأمن" التي انتفضت عليها الشعوب العربية من حولهم قبل 3 سنوات.

وجاءت الانتخابات السورية الأخيرة، والتي اجتاحت معها كلمة "عراضة" اللغة اليومية ولغة الإعلام على السواء، جاءت بمثابة الصفعة المدوية على وجه أول الداعمين للثورة في لبنان، أي فريق 14 آذار.

فسارعت الأمانة العامة إلى إصدار بيان يدعو إلى طرد كل سوري انتخب على الاراضي اللبنانية بذريعة أنه موال لنظام الأسد، ويفترض أنه لا يخشى العودة إلى بلده، وصحيح أن في ذلك امتصاصاً لغضب الشارع واستباقاً لأي ردود فعل عنيفة كان جمهورهم المحتقن على أهبة الاستعداد لها، لكنه في المقابل خطاب سبق أن اعتمده فريق 8 آذار حيال اللاجئين أنفسهم، داعياً إلى عدم استقبالهم. فلم يحق اتخاذ موقف انساني على خلفية سياسية هنا ولا يحق هناك؟

الحال أن لبنان اليوم متخبط ومستباح أكثر من أي وقت مضى، لا من سلطة خارجية بمقدار ما هي طبقته السياسية بجميع أطيافها. ولا نعلم حقيقة إن كان غير ذلك في زمن ما، فتلك التركيبة الطائفية والمحاصصة السياسية التي استقرت عليها الأمور منذ عهد الاستقلال، وحمت لبنان من الانقلابات العسكرية التي عصفت ببلدان المنطقة، أرست في المقابل ولاءات ووصايات من عبد الناصر إلى أبو عمار وموسى الصدر وحافظ الأسد وصولاً إلى أم حنون لم نرغب في فطامها لنا، مما يجعل من المستغرب أن يكون الوضع على غير ما هو عليه اليوم.

قطعاً كان ثمة حاجة دفينة فينا إلى الوصاية أياً كان مصدرها، عسكرية أم سياسية، اسلامية أم غربية. هي حاجة تسهل علينا لوم الآخرين على خيارات لا نجرؤ على اتخاذها، فتبقى السياسة بالوكالة لعبتنا المحببة التي نتقن شروطها. وهي نفسها التي تجعل من الفراغ الرئاسي اليوم أقصى ما يمكن للبنانيين أن يطمحوا إليه، وترفأ لن يناله هؤلاء المشاركون في "الأعراس الديموقراطية" من حولهم.