لبنان... الافتاء السُّني معتمد ومستقل

التعامل الحذر مع السياسة

نصت المادة الأولى، من المرسوم الاشتراعي، رقم 18/55، على ما يلي: «المسلمون السُنَّيون مستقلون استقلالا تامّاً في شؤونهم الدينية وأوقافهم الخيرية، يتولون تشريع أنظمتها وإدارتها بأنفسهم؛ طبقاً لأحكام الشريعة الغراء، والقوانين والأنظمة المستمدة منها، بواسطة ممثلين منهم من ذوي الكفاءة وأهل الرأي، بالطرق المبينة في المواد التالية».

كما نصت المادة الثانية: على أن مفتي الجمهورية، هو رئيس المسلمين الديني: «مفتي الجمهورية هو الرئيس الديني للمسلمين، وممثلهم بهذا الوصف، لدى السلطات العامة، وله ذات الحرمة والحقوق والامتيازات التي يمتع بها أعلى الرؤساء الدينية، تبنى بلا تخصيص ولا استثناء».

وتفسيراً لمفهوم ومعنى رئيس المسلمين الديني، نصت المادة الثالثة، على جملة صلاحيات لمفتي الجمهورية، تشكل في أساسها مفهوم دار الفتوى من الوجهة التنظيمية، فمفتي الجمهورية هو:

(أ) الرئيس المباشر لجميع علماء المسلمين، والمرجع الأعلى للأوقاف الإسلامية ودوائر الإفتاء، ويمارس جميع الصلاحيات المقررة له، في القوانين والأنظمة الوقفية والشرعية.

(ب) يشرف على أحوال المسلمين ومصالحهم الدينية والاجتماعية، في مختلف مناطق الجمهورية اللبنانية، ويجتمع إلى المفتين في المحافظات والأقضية، كلما دعت الحاجة ليدرس معهم أحوال المسلمين الدينية والاجتماعية في مناطقهم، وشؤون الإفتاء والأوقاف والعلماء، ويصدر إليهم التعليمات المقتضاة.

وعلى ذلك، فإن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، والمجالس الأخرى المنتخبة وصلاحياتها، تمثل البنية التحتية لدار الفتوى في آلية تسيير المؤسسة.

إن المادة الثانية من المرسوم الاشتراعي رقم 18، أعطت مفتي الجمهورية صلاحيات غير محددة، لكن المرسوم رقم 18/55 نظم هذا الجانب، من خلال المجلس الاستشاري.

ويتضح وفقاً للفقرة «د» من المادة الثالثة، من المرسوم الاشتراعي، أن سلطة مفتي الجمهورية في هذا النطاق ترتبط بصورة أساسية بالمجلس الاستشاري الملحق به؛ بالإضافة إلى المواد المتعلقة بالمجلس الشرعي، الذي يتولى مهمتَيْنِ، هما:

الأولى: مهمة القرار النافذ بذاته: وذلك في شؤون الدوائر الوقفية والوظيفية الدينية، على أن يصدره مفتي الجمهورية، بعد أن يرفع إليه، ولا يعيده إلى المجلس، لإعادة النظر (القانون التشريعي بمادة وحيدة 1956).

الثانية: مهمة المؤازرة: وذلك في شؤون تتعلق بممارسة المفتي دوره؛ وفقاً للسلطة المعطى إياها.

نخلص مما تقدم إلى ما يلي:

أولاً: إن منصب الإفتاء، لدى السلطات العثمانية، منصب يتصل بالجانب الفقهي والشريعة، لتقديم كلمتها إلى إدارة الدولة، وقد ورثت الدولة اللبنانية هذا المنصب لارتباطه بإدارة الوقف الإسلامي، الذي وضعت الدولة يدها عليه، بحيث يتولى المفتي هذه الأعمال محل القاضي الشرعي، الذي كان هو المرجع الأساسي في قضايا الوقف والوظيفة الدينية.

ثانياً: إن منصب الإفتاء، وبالخصوص مفتي مدينة بيروت أخذ أهمية باعتباره مرجعاً معتمداً من الدولة؛ حين أطلق عليه اسم: «مفتي الجمهورية اللبنانية». وذلك من أجل التوازي بين البطريرك الماروني، كممثل ديني للمسيحيين، ومفتي الجمهورية كممثل للمسلمين، في إطار القسمة الطائفية التي اعتمدها النظام الديني. وهذا تجلَّى من أول يوم أعلن فيه الجنرال غورو لبنان الكبير.

ثالثاً: وقد أضيف في تعديل المرسوم بالقرار رقم 5/67، ومع انتخاب مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد، الفقرتان «د» و «هـ»، كما يلي:

(د) مفتي الجمهورية يمارس مهامه، ويتخذ قراراته، في مختلف شؤون المسلمين الدينية والوظيفية، وفقاً لأحكام هذا المرسوم الاشتراعي والأنظمة المرعية الإجراء، ويستعين في الأمور الهامة عند الاقتضاء بمجلس استشاري من أصحاب الدرجات العلمية، المشهورين بالنزاهة والخبرة والاستقامة، والبعيدين عن الأهداف الذاتية والحزبية، ويراعي في اختيارهم تمثيل المناطق كافة، مع توفر الشروط التالية:

1- ألا تربطهم به صلة قربى لغاية الدرجة الرابعة.

2- أن يكونوا من حملة الشهادات الدينية، أو المدنية العالية، أو من ذوي المكانة الاجتماعية المرموقة، والأخلاق الحسنة، والسيرة الحميدة.

3- ألا تقل سنهم عن الخامسة والثلاثين، ويسمى الأعضاء لمدة سنة واحدة قابلة للتجديد، ويمكن إعفاء العضو منه بقرار من مفتي الجمهورية، في حال العجز عن العمل، أو إذا أتى أمر خطير أو هادر بمصالح المسلمين، ويضع المجلس نظامه الداخلي خلال شهر من تاريخ شروعه في العمل، مما يفيد أن المجلس الاستشاري هيئة قائمة بذاتها ولها نطاقها.

(هـ) ينشأ لدى مفتي الجمهورية صندوق مستقل، تحول إدارته وموارده وطرق الإنفاق منه بنظام خاص، يضعه المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وهذا يفيد بأنها مؤسسة مستقلة بذاتها.

شأن سياسي عصف بالمفتي

وقد عدلت المادة السادسة من المرسوم 18، القرار رقم 50، تاريخ 28/12/1996، بأن حددت انتهاء ولاية مفتي الجمهورية اللبنانية ببلوغه سن الثانية والسبعين، على ألا تقل في مطلق الأحوال عن خمس سنوات.

وتمثل هذه الهيكلية التنظيمية، العناصر الأساسية لمفهوم دار الفتوى، كمفهوم مؤسس، يمثل المسلمين لدى الدولة، مما لا مثيل له في أنظمة الدول العربية. فالمفتي، سواء بالمرسوم رقم 18/55، أو بمقتضى الأنظمة المعمول بها في الدول العربية، لا يتمتع بأي امتياز في التراتبية الدينية، طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، لافتقاد مفهوم السلطة الروحية الأكليركية في الإسلام، لكنه يتمتع بمفهوم ولي الأمر، في الأمور المحددة في أحكام المرسوم رقم 18/55.

تتحدد سلطة مفتي الجمهورية اللبنانية باعتباره المرجع الأعلى لسائر المجالس والدوائر الوقفية؛ وعنه تصدر قرارات التعيين كما أشرنا، وهذه المرجعية هي أساس مكونات دار الفتوى. لكن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى يمثل سلطة القرار والمشروعية، وقراراته نافذة بذاتها، وهي تمثل شؤون الأوقاف، والدوائر الملحقة بمفتي الجمهورية، المتمثلة بالصندوق المستقل، وسائر الجوانب المالية، سواء منها ما كان يتعلق بموازانات الدوائر الوقفية، أو المؤسسات التي يصنع نظامها المجلس الشرعي في تكوين بنية دار الفتوى.

إن الوضع الحالي لمؤسسة دار الفتوى، يحتاج إلى تحديد استراتيجية تتصل بالأهداف القريبة والبعيدة لهذه المؤسسة؛ ضمن الواقع اللبناني ودوافع صدور المرسوم رقم 18/55، وبالخصوص ما يتعلق بتمثيل المسلمين رسميّاً، وهو أمر يتصل بواقع تركيب الدولة اللبنانية، وهو مفهوم لا مثيل له في سائر البلاد العربية والإسلامية، وهذه الاستراتيجية غير واضحة، وهي تحتاج إلى وعي أساسي في تفعيل مرجعية، تعتبر بمثابة أولى الأمر في لبنان للشأن الإسلامي. لكن الأمر موضوع ولايتها، مايزال خارج الضوابط التي وضع لها القانون مؤسسة دراسات يقوم بها المجلس الاستشاري من الوجهة النظرية.