لبنانيون: محكمة الحريري تفتقر للعدالة

بيروت
'سياسية وليست قانونية منعزلة'

لا يؤمن كثير من اللبنانيين بالمحكمة الخاصة بلبنان التي تدعمها الامم المتحدة والتي تشكلت لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري.

فبعد نحو 18 شهرا من بدء عملها لم توجه المحكمة اتهامات عن التفجير الضخم الذي وقع في 14 فبراير شباط 2005 وأودى بحياة الحريري و22 اخرين. ولا تحتجز المحكمة أي مشتبه بهم.

وبدلا من التوصل للحقيقة وانجاز العدالة ووضع نهاية لثقافة الافلات من العقاب التي تسود منذ الحرب الاهلية اللبنانية التي دارت بين عامي 1975 و1990 فشلت المحكمة وتحقيق الامم المتحدة الذي سبقها حتى الان في تبديد شكوك منتقديها. وحتى أنصارها يخفون بالكاد قلقهم.

وتسود التصورات هنا بان المحكمة التي تتشكل من قضاة لبنانيين ودوليين أضحت رهينة لصراعات غامضة على النفوذ تتورط فيها اسرائيل وسوريا وايران والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة واخرون.

يقول رامي خوري المعلق الذي يعيش في بيروت ان هذه ليست عملية قانونية منعزلة وانها عملية سياسية بشكل كبير.

وتنفي المحكمة رضوخها لامور سياسية وتقول ان عملها يتماشى مع أعلى المعايير القضائية الدولية. تقول المتحدثة باسم المحكمة فاطمة عيساوي "تخضع اجراءاتها لهذه القواعد ولعبء الاثبات وليس للتأثير الخارجي".

وبوضوح فان أفضل سبيل كي تؤكد المحكمة مصداقيتها يتمثل في تقديم أدلة دامغة لتحديد هوية قتلة الحريري وادانتهم. وربما تفعل ذلك لكن عددا قليلا من اللبنانيين يراهنون على أن تتوفر "أدلة لا تقبل الجدل" من تحقيق اعتمد في البداية على شهود تراجعوا عن شهاداتهم فيما بعد.

وخبت هذا الاسبوع الفرص في أن يوجه المدعي دانيال بيلمار اتهامات قريبا عندما تلقى أدلة من حزب الله عبر السلطات اللبنانية يقول الحزب المدعوم من سوريا وايران انها تشير الى ضلوع اسرائيل في الجريمة.

وبعد أن طلب من حزب الله تقديم المواد التي بحوزته سيحتاج بيلمار الان وقتا لمراجعتها بالرغم من أن قلة في لبنان يرون أن المحكمة الدولية ما كانت ان تشكل اطلاقا اذا ما أحاطت الشبهات بتورط اسرائيلي منذ البداية.

وردا على تقرير بان المحكمة تعتزم توجيه الاتهام الى بعض أعضاء حزب الله سعى الامين العام للحزب حسن نصر الله الى تشويه سمعة المحكمة من خلال عرض لقطات تلفزيونية لما قال انه فيلم اسرائيلي لطائرات تراقب الطرق التي يسلكها الحريري.

كما أشار الى أن اللبنانيين الذين اعتقلوا في الاشهر الاخيرة بتهم التجسس لحساب اسرائيل وبعضهم كان يعمل في شركات اتصالات ربما تلاعبوا بأدلة تتعلق بالهواتف المحمولة جمعها المحققون.

ووصف نصر الله الذي يقود أقوى فصيل مسلح في لبنان المحكمة بانها " مشروع اسرائيلي" ضد حزب الله وحلفائه.

وبدا احتمال توجيه اتهامات حتى لاعضاء "مارقين" في حزب الله ينطوي على مخاطر شديدة لدرجة قيام الزعيمين السوري والسعودي بزيارة مشتركة للبنان في يوليو تموز لتهدئة المخاوف بشأن التوتر الطائفي بين أتباع نصر الله الشيعة وأنصار رئيس الوزراء سعد الحريري من السنة.

ويوم الاربعاء رحب الحريري ابن رئيس الوزراء الراحل بتقديم حزب الله للبيانات التي بحوزته عن عملية الاغتيال وأعاد تأكيد "الالتزام بمسار التحقيق الدولي وبالمحكمة الدولية من أجل لبنان بصفتها الهيئة الصالحة لتحقيق العدالة".

واختلاف وجهات نظر اللبنانيين بشأن ما اذا كان هذا هو الحال بالفعل يعكس الخلافات بين من يعتبرون الغرب الخادم الخبيث لاسرائيل وبين من تتركز أسوأ مخاوفهم على ايران وسوريا.

يقول نديم شحادي من مؤسسة أبحاث تشاثام ببريطانيا "لدى الجانبين من الاسباب ما يدفعهم لعدم الثقة بالعملية".

وأضاف "أولئك الذين يريدونها أن تنجح يفقدون الامل لانها بطيئة للغاية وبيروقراطية ومكلفة. واولئك الذين لا يريدون لها النجاح لديهم نظريات المؤامرة" متهما معارضي المحكمة بانهم من يسيسونها.

وبالنسبة لعمر نشابي الصحفي في صحيفة الاخبار المتعاطفة مع حزب الله فان العكس هو الصحيح.

يقول "الامر القاسي هو عندما تزعم أن هذه الالية ستحقق العدالة لكن في عقلك الباطن تخلق الية تخدم مصالحك السياسية." في اشارة الى القوى الغربية التي تتحكم في مجلس الامن التابع للامم المتحدة.

وكانت المحكمة وهي ذات تفويض أضيق كثيرا من ذلك الممنوح لهيئات دولية أخرى تأسست لمحاكمة جرائم الحرب والابادة الجماعية وليدة اللحظة عندما وحد قتل الحريري الكثير من اللبنانيين والرأي العام الغربي والعربي ضد سوريا وأجبرها على تخفيف قبضتها العسكرية والامنية والسياسية التي أحكمتها على لبنان طيلة 29 عاما.

وأشارت التقارير الاولية لمحققي الامم المتحدة الى تورط سوريا التي تنفي أي صلة لها والتي خرجت منذ ذلك الحين بصورة كبيرة من عزلة دبلوماسية لتستعيد الكثير من نفوذها في لبنان.

وحتى الحريري الذي اعتاد اتهام السوريين بقتل والده اصلح الجسور مع دمشق منذ أن أصبح رئيسا للوزارء وقال أن المحكمة هي الجهة المخولة بتقديم الحقيقة.

وبعد أن بدأت المحكمة عملها في مارس اذار 2009 مباشرة أطلقت سراح أربعة من كبار ضباط الجيش اللبنانيين الموالين لسوريا كانوا قد احتجزوا أربع سنوات دون أن توجه لهم أي تهم وقالت انه لم يتوفر لديها ما يكفي من الادلة لتوجيه الاتهامات لهم.

والتزم بيلمار الصمت الى حد بعيد بشأن خطواته التالية.

يقول مايكل يانج محلل الشؤون اللبنانية الذي انتقد التحقيق في عدة مناسبات لفشله في تعقب الدلائل السورية بنشاط كاف "نقف عند نقطة حرجة حاليا.

"اذا لم يكن لدى بيلمار ما يكفي لتوجيه اتهام الان فمن الصعب للغاية أن نتوقع ما هي العصا السحرية التي يملكها والتي ستمكنه من تقديم لائحة اتهام رسمية في المستقبل القريب".

وبدلا من ذلك يتوقع يانج أن يطلب ادعاء المحكمة من لبنان تنفيذ عمليات اعتقال وهو مطلب ستجد حكومة الوحدة اللبنانية التي تضم وزراء من حزب الله من الصعب الالتزام به.

ويضيف "تقوم مقامرة نصر الله على ان أمور السياسة سيكون لها الغلبة على الجانب القانوني للتحقيق".

ويأسف منتقدو المحكمة وبعض من أنصارها أيضا للطبيعة الانتقائية لتحقيقاتها الضرورية لتقديم القتلة للعدالة في بلد شهد تاريخا دمويا طويلا من الاغتيالات والحروب وعمليات الغزو الاسرائيلية.

يقول كريم مقدسي مدرس العلاقات الدولية بالجامعة الامريكية في بيروت "كان جزءا من قرار سياسي أكبر لممارسة ضغوط على سوريا وحزب الله اللذين يفترض أنهما كانا الاشرار في هذه القصة.

"في المنطقة العربية هناك كم هائل من انعدام الثقة في "المجتمع الدولي" وما حدث في لبنان وفلسطين والعراق".

ويضيف "لا يمكنك أن تأتي وتفرض شيئا مثل المحكمة ثم تقول .. حسنا هذا أمر مختلف ولا يجب أن يؤمن الناس بنظريات المؤامرة".