لبنان، فيدرالية الهواجس

بقلم: معن بشور

أخطر ما في مذبحة الشياح، وهي الممتلئة بالدلالات الخطرة، هو تلك التفسيرات المتباينة والمتناقضة لما جرى الى حد ان البعض كاد ان يقول ان ضحايا المذبحة هم انفسهم مرتكبوها.
وهذا النوع المثير والخطير من التفسيرات الذي لا يراعي حرمة لموت، ولا حصانة لحياة البشر، ولا ضمانة لحقوق الانسان، ولا احترام للحريات الاساسية التي يكفلها الدستور والقانون، هو افعل الوسائل لتعميق الفجوة بين اللبنانيين، ولتوسيع الهوة بين بيئاتهم المختلفة.
وتزداد خطورة هذا النوع من ادارة الظهر لجريمة بهذا المستوى، ومحاولة القفز حول المطلب المشروع بالتحقيق الشامل والشفاف لمعرفة مرتكبيها وملابساتها، حين نلاحظ ان البيئة المستهدفة في كل الاحداث المماثلة هي ذاتها، وان الجمهور المصاب هو نفسه، وان التضحيات الدامية هي تضحيات منطقة بعينها.
وان مثل هذا السلوك لا يجافي المشاعر الانسانية البسيطة فحسب، ولا يستفز الضمائر والعقول فقط، بل هو بالدرجة الاولى طعنة في صميم الوطنية اللبنانية التي هي في تعبيرها البسيط تضامن اللبناني مع اخيه اللبناني في اللحظات الصعبة، بغض النظرعن كل تباين او خلاف في وجهات النظر.
في السابع من آب عام 2002، يوم اقدمت الاجهزة الامنية على الاعتداء على شباب يتظاهر امام قصر العدل واعتقلت المئات منهم، لم تنتفض تضامناً مع هؤلاء المتظاهرين القوى والتيارات التي ينتمون اليها فحسب، بل تضامنت شخصيات وتجمعات وقوى تخالف تلك القوى افكارها واراءها واولوياتها، انطلاقاً من هذا التعريف البسيط للوطنية اللبنانية، ومن هذا التلازم الاصيل بين الوطنية والحرية في لبنان، كما في سائر بلدان المنطقة والعالم.
فأين السابع من آب 2002 من السابع والعشرين من كانون الثاني 2008، بل اين هو مما جرى في الرمل العالي، وعلى طريق المطار، وبشكل خاص مما جرى في جسر المطار في 13 ايلول 1993 حيث استنقذ الدولة آنذاك وزير الداخلية بشارة مرهج الذي اعتكف محتجاً (فكان الرد اعفاءه من منصبه) وقائد الجيش آنذاك الرئيس اميل لحود (الذي يقال ان وقفته المعترضة حينها ساهمت في انتخابه رئيساً للجمهورية بعد خمس سنوات).
ولسؤ الحظ ان أمر هذه التفسيرات لم يعد محصوراً ببعض السياسيين، من اصحاب المصالح المعروفة، بل تعداه الى الشارع ايضاً، الذي بات اليوم "شوارع" لكل منها هواجسه وخطابه وتحليله وتفسيره، وأذنه التي لا يديرها الاّ الى جهة واحدة، وعينه التي لا ترى الا شاشة واحدة.
وهذه الحقيقة تحتاج الى استدراك سريع وعميق وشامل، حتى لا نقول الى مراجعة عميقة للخطاب والاداء والاساليب المعتمدة، لا سيما من الجهات الحريصة على مصير الوطن ومستقبله، والحاملة لقضايا كبرى والحامية لها، فيتم اختراق الاسوار القائمة بين ما يمكن تسميته الكانتونات في "فيدرالية الامر الواقع" التي نعيشها في لبنان، وهي ، في الوقت عينه، "فيدرالية الهواجس" حيث لكل كانتون هاجسه ومخاوفه ومنطقه المتكامل وحلقته المفرغة التي يدور فيها.
في "فيدرالية الهواجس" المخيمة على لبنان منذ تأسيسه، لا ينفع كلام يرضي بيئتك وحدها ويستفز بيئات اخرى، ولا يفيد تصعيد سياسي يبدو في بادئ الامر انه موجه للفريق الآخر فاذ به يتحول الى ارباك متعاظم لاصحابه.
ان "فيدرالية الهواجس" هذه هي اقصر الطرق الى احتراب داخلي يقود الى "فيدرالية الطوائف" وكانتوناتها، ولا يكفي لمواجهتها قرارات حكيمة بلجم التدهور تصدر في كل مرة عن (حزب الله) او (حركة امل)، لأن "الهواجس" التي لا تعالج في عمقها تصبح مشروع فتنة، وآلية تدمير للثقة التي بدونها لا تقوم الاوطان، وحينها لا تنفع حكمة او حزم او حسم او معالجة.
فالخطوة الاولى لاسقاط "فيدرالية الهواجس" وكل الفيدراليات المرتبطة بها، والناشئة عنها، هو في انجاز حل سياسي توافقي يغلق باب التحريض المتبادل الذي ترقص على جنباته شياطين الفتنة في الداخل والمتصلة بوعي او غير وعي بشياطين الفتنة في الخارج.
ولنتذكر دوماً ان في لبنان جيلان، جيل لم يعش الحرب الماضية ومآسيها وخرابها ودمارها، فيحاول اليوم بعض ابنائه ان يجرب حظه في حرب لها "اغراءاتها" لا سيما في زمن البطالة والجوع والهجرة، وجيل عاش الحرب وويلاتها، فيحاول بعض زعمائه استعادة فصولها لانه لا يحس بوجوده ودوره الاّمن خلالها، بل لا يتمتع "بالخيرات والامتيازات" الاّ في ظلالها. معن بشور