لا صفقات ولا إملاءات على الإرادة المصرية

الظرف التاريخي الذي تمر به مصر اليوم، لا يحتاج الأيدي والقلوب والأرواح المرتعشة وضعاف الأنفس الذين تتلاعب بهم شهوة السلطة، لا يحتاج المزايدين والجبناء والمدلسين والموسوسين وأصحاب الأبراج العاجية، الظرف يحتاج رجال أشداء أقوياء صادقين يملكون إرادتهم بأيديهم ويمتلأون ثقة بقدرة مصر وشعبها وينتصرون لإرادة السيادة المصرية.

أقول هذا على ذكر ما صرح به د. محمد البرادعي وادعى أنصاره أنه يأتي من باب السياسة، وهو لا يمت للسياسة بصلة، فليس من السياسة أن يخرج ليتمنى عفوا عن الحاكم الاخواني المعزول محمد مرسي وخروج آمن لقادة جماعة ارتكبت من الاعمال الاجرامية والإرهابية ما هو ظاهر للعيان أمام الدنيا كلها ويتم التحقيق فيها في النيابة، وكل ذلك في إطار صفقة تنهي الأزمة الحالية.

لكن يبدو أن ما نطق به د. البرادعي يتوافق مع مطالب الجماعة الإخوانية والإدارة الأميركية معا، والتي طلبتها الجماعة من نائب وزير الخارجية الأميركي هانز بيرنز لتسوية الأزمة، العفو عن ‫مرسي‬ والإفراج عن القيادات وعدم مصادرة الأموال وانخراط الجماعة في الحياة السياسية.

والسؤال من فوض الدكتور البرادعي ليقول ذلك، فليس معنى أنه يتولى منصب نائب رئيس الجمهورية أن القضاء المصري فوضه أو غيره في مثل هذا الكلام أو غيره عن المصالحة والحوار، فليعطنا د. البرادعي اسما واحدا من الجماعة الإخوانية لم يشارك في جريمة ضد الشعب المصري وسيادة الدولة المصرية حتى نسمح له بإجراء هذه المصالحة.

ألا يرى البرادعي عملية الابتزاز الإرهابي التي تجري للطعن في الارادة المصرية التي صدق عليها الجيش المصري بكل حيادية وموضوعية، أم أن طموحه السياسي صور له أن الإدارة الأميركية بالتوافق مع الجماعة الإخوانية وحلفائها من الإسلاميين يمكن أن يكونوا جسرا يعبر عليه لكرسي حكم مصر.

هل لا يزال د. البرادعي يرى أن الإدارة الأميركية هي صاحبة القرار فيمن يأتي رئيسا لمصر؟ أم أنه يريد الحفاظ على دعم جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي مطمئنا إلى أن وجوده في السلطة سيعيدها للحياة السياسية؟.

لقد كشف د. البرادعي أن هناك حالة من الانفصال الشديدة تعيشها النخب السياسية عن المجتمع المصري، فالمجتمع المصري في واد وهم في واد آخر، كيف يأمن المجتمع المصري لمثل هذه النخب خاصة من قيادات جبهة الإنقاذ في تولى شئون البلاد وهي بعيدة كل البعد عما جرى ويجري له على الأرض من قبل الجماعة الإخوانية وحلفائها من جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي المتطرفة؟

لم تصدم تصريحات د. البرادعي فقط المجتمع المصري بل صدمت الكثير من نخبه فإذا بالسيدة المستشارة تهاني الجبالي تؤكد أن مصر لن تقدم أمنها القومي مقابل أمن جماعة، ولا يمكن تقديم تنازل بشأن مرسي لأن ذلك يعد تجاوزا في حق الشعب الذي خرج ضده، وتابعت"أنا حزينة على تصريحات د. محمد البرادعي، من خلال منصبه كنائب لرئيس الجمهورية، مشيرة إلى أن تصريحاته منسوبة لنظام حكم، وأنه لوكان ذلك رأيه الشخصى فعليه التنحى عن منصبه، وذلك فى حديثه عن صفقات للإفراج عن مجرمين، والعفو عن رئيس ارتكب جريمة الخيانة العظمى قبل توليه الحكم – على حد قولها".

وبعيدا عن تصريحات البرادعي فإن أحدا لن يقبل بأي إملاءات أوروبية أو أميركية أو صهيونية، يكفي ما جرى عبر ما يقرب من 35 عاما كانت فيها قرار البلاد يتم وفقا لحسابات وصفقات، وعلى الجيش المصري وقائده الفريق عبد الفتاح السيسي أن يحذر من ذلك، وألا يتورط في صفقات أو إملاءات تنتقص من ثقة الشعب المصري وإرادته التي خرجت يوم 30 يونيو ثم 3 يوليو و26 يوليو لتنتصر لخارطة الطريق التي أقرها الفريق السيسي مع القوى المدنية، هذه الإرادة لديها الاستعداد للمزيد من التضحية والتأييد والصمود ضد أية املاءات خارجية، أما إذا رضخ الفريق السيسي أو أي من أركان الفترة الانتقالية رئيسا أو نائبا أو حكومة لها فإن الثورة المصرية ستعود إلى نقطة الصفر.

إن الشعب المصري الذي خرج لإسقاط الحاكم الإخواني ومفوضا الجيش المصري ثقة فيه وفي قياداته لا يملك إلا خيارا واحدا هو الانتصار لثورته ولدماء شهدائه ولمستقبل أبنائه، ومن ثم لن يقبل بأقل من تطهير البلاد من الارهابيين والمجرمين الذين يعيثون في مصر فسادا وإرهابا.