لا تَخْشُوا ما لا وجود له!

بقلم: جواد البشيتي

"الإسلام السياسي"، ولجهة معناه (ومحتواه، وخواصِّه) الواقعي الملموس، ليس بمدار اتِّفاق حتى بين جماعاته ومنظَّماته الكثيرة المتكاثرة؛ فالمُنْتَمون إليه لا يتَّفِقون حتى على ماهيته، ومبادئه، وأُسسه؛ وأحسبُ أنَّ اختلافهم فيه لا يَقِل عن اختلاف الإسلاميين (على وجه العموم) في "الإسلام نفسه"؛ وليس في هذا، وذاك، ما يثير الدهشة والاستغراب؛ فاختلاف الأمكنة والأزمنة، وظروف عيش الناس، ومصالحهم وحاجاتهم الواقعية، لا بدَّ له من أنْ يُتَرْجَم باختلاف في فَهْم الفكر نفسه، أيْ في فَهْم مبادئه عند كَسْوِها بالتفاصيل من حياتهم الواقعية.

وإنَّ من الأهمية بمكان أنْ أقول، في هذا الصدد، إنَّ تاريخ العقائد يُثْبِت ويؤكِّد أنَّ الفكر، أيُّ فكر، يَكْمُن في حاجات ومصالح الناس الواقعية قبل ظهوره، فإذا تَوافَق معها، وخدمها، انتشر وساد وازدهر، وإذا دَخَل في نزاعٍ معها، واحتدم هذا النزاع، فلا بدَّ له من أنْ يتضاءل وزناً وتأثيراً، ويَفْقِد جاذبيته، أو كثيراً منها؛ كما يُثْبِت ويؤكِّد أنَّ البشر يمكن أنْ يناصبوا بديهية هندسية العداء إنْ وَجَدوا أنَّها تتعارَض، أو أصبحت تتعارض، مع مصالحهم (الواقعية).

الآن، أيْ بعد نجاح الرئيس المصري المُنْتَخَب محمد مرسي في فَرْض سيطرته على رأس الهرم العسكري لمصر، أسمعُ ليبراليين وعلمانيين وقوميين ويساريين يَصْرخون قائلين ما معناه "تَنبَّهوا واستفيقوا (أيُّها المصريون) فَخَطر الإسلام السياسي، الذي يُمثِّله مرسي، يُحْدِق بكم، وبدولتكم".

إنَّني شخصياً ضدَّ كل سياسة يتوفَّر أصحابها على اشتقاقها من الدِّين، من أيِّ دين؛ لا بل ضدَّ كل مسعى لغَرْس حقوق ومطالب ومصالح وحاجات الناس في تربة الدِّين؛ لأنَّ مصالح دنيوية فئوية تَكْمُن دائماً في أساس هذا المسعى.

إنَّ الناس في مجتمعاتنا الإسلامية متديِّنون، على وجه العموم، ولديهم من "الإيمان الدِّيني (وقوَّته)" ما يَحْمِلهم، في استمرار، على أنْ يسألوا عن "الحلال" و"الحرام" في كل أوجه وتفاصيل حياتهم الواقعية (واليومية).

ومن هذا المَدْخَل، مَدْخَل "الحلال والحرام"، تَدْخُل جماعات "الإسلام السياسي"، أيضاً، إلى عقول ومشاعر العامَّة من الناس، فتغدو "السياسة"، مع كل ما يمت إليها بصلة، شيئاً يمكن ويجب قياسه بميزان "الحلال والحرام"؛ وفي هذا على وجه الخصوص يَكْمُن خطر "الإسلام السياسي"؛ فـ "الإيمان الديني"، والذي هو أمْرٌ يَخُصُّ صاحبه فحسب، يتفرَّع ويتشعَّب لِيَشْمَل "التديين" السياسة، وسائر أوجه حياة الناس الواقعية (أو الدنيوية).

وهذا ما نراه جليَّاً واضحاً في دعوة العامَّة من المسلمين إلى أنْ يَنْتَخِبوا مَنْ (وما) يُمثِّل "الحلال"، ويِكْفوا أنفسهم شرَّ انتخاب مَنْ (وما) يُمثِّل "الحرام"؛ وإلى أنْ يتوفَّروا على تمييز "الحلال" من "الحرام" في مفاهيم ومبادئ وآراء ووجهات نظر ومواقف تنتمي إلى "السياسة"، وإلى "عالمها الواقعي".

لكنَّ كل ما تبذله جماعات "الإسلام السياسي" من جهد (فكري) في "تديين"، أو "أسْلَمَة"، السياسة، لا يتمخَّض، في آخر المطاف، إلاَّ عمَّا يقيم الدليل على أنْ لا وجود لشيء يُدْعى "النِّظام السياسي الإسلامي"؛ فهذه "الجماعات"، مع مفكِّريها، إنَّما تُوفَّق في شيء واحد فحسب هو إلباس نُظِمٍ سياسية (عالمية) لا جذور لها، ولا أصول، في الفكر الإسلامي، لبوساً إسلامياً؛ وهذا اللبوس نراه على وجه العموم كالشَّكل الذي في نزاعٍ مع محتواه.

حتى المحتوى نفسه يُفْسَد ويُشوَّه ويُمْسَخ بـ "الانتقائية" و"الاجتزاء" و"الإضافة (التي هي إضافة عناصر لشيء ليست من جنسه)".

وهذا الذي قُلْت إنَّما يؤكِّد أهمية وضرورة أنْ نعي ونُدْرِك الفَرْق بين "نظام سياسي إسلامي (لا وجود له واقعياً وتاريخياً)" حتى نخشاه، ونتطيَّر منه، وبين "أسْلَمة" نُظَم سياسية عالمية؛ وهذه "الأسْلَمة السياسية" هي امتداد لـ "الأسْلَمَة الاقتصادية"، والتي فيها، وبها، نرى النظام الاقتصادي الرأسمالي، مثلاً، وهو يرتدي رداءً إسلامياً (كرداء "المرابحة" الذي ترتديه "الفائدة" البنكية الربوية).

إنَّ "إرادة الشعب الحُرَّة"، والتي تَظْهَر وتَبان من طريق "صندوق الاقتراع"، هي "شكلٌ" له "محتوى (يتغيَّر، ويجب أنْ يتغيَّر، في استمرار)"؛ وفي مجتمعاتنا التي لوَّنها "الربيع العربي" بلونه، لا نرى في هذا "المحتوى (الذي ليس بنهائيٍ ثابتٍ دائمٍ)" ما يُثْبِت أنَّ "الدولة المدنية الديمقراطية (كما نراها في الغرب)" يمكن، ويجب، أنْ تكون "النتيجة" التي تأتي بها "إرادة الشعب الحُرَّة"، التي ظَهَرَت وبانت من طريق "صندوق الاقتراع".

وإنِّي لأستطيع أنْ أقول إنَّ بعضاً من سمات ومُكوِّنات تلك الدولة لا يمكن أنْ يَظْهَر إلى الوجود عندنا، والآن، إلاَّ من طريق نظام حكمٍ أقْرَبُ، في جوهره، إلى "الدكتاتورية" منه إلى "الديمقراطية"؛ فما أراه أنا وأنتَ "خَيْراً" للشعب لا يُمكننا فَرْضُه فَرْضاً على الشعب من غير أنْ يتحوَّل إلى "شَرٍّ"، يُصيب "فارضه" و"المفروض عليه" معاً.

"الدولة المدنية الديمقراطية (وبمفهومها المتواضَع عليه عالمياً، وفي الغرب على وجه الخصوص)" هي كـ "الهَرَم"؛ لكنَّ هذا "الهَرَم" لا يُبْنى من القاعدة إلى القِمَّة، وإنَّما من القِمَّة إلى القاعدة؛ وهذا ما يُفسِّر لنا، ويُعلِّل، ظاهرة أنْ تأتي "الإرادة الشعبية الحُرَّة" بنتائج لا يمكن إدراج بعضها، أو كثيرٍ منها، في مفهوم "الدولة المدنية الديمقراطية".

ليَطْمَئِنَّ القَلِقون؛ فالرئيس المُنْتَخَب مرسي لن يأتي، ولو كانت في يده عصا موسى، بنظام سياسي إسلامي؛ لأنْ لا وجود لهذا النظام؛ لكنَّ هذا لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، ألاَّ نَنْظُر بعيون يقظة لا تغشاها أوهام إلى أسلوبه في "أسْلَمة" هذا النظام السياسي العالمي، أو ذاك؛ وليَتَذَكَّروا الآن (بكل ما تعنيه "الآن" ثورياً وسياسياً وتاريخياً) أنَّ لون القِطِّ ليس بذي أهمية ما دام في مقدوره أكل الفأر؛ وها نحن نرى أنَّ أكل الفأر، والذي هو كناية عن عهد مبارك، أو بقايا عهده، قد بدأ؛ فَلْتَكونوا للرئيس مرسي عَوْناً (الآن) إذا ما أردتم للثورة أنْ تُحْرِز مزيداً من الانتصار.

جواد البشيتي