لا تقف على ظل المعلم

الأمم الراقية هي الأمم التي تجيد الفرز، وتحسن التصنيف، وتعطي كل ذي حق حقه، وتضع الموازين القسط، وفيها مواطن الرجال لا تعطى إلا للرجال، وحيث يكون القادة لا ينبغي أن يوضع الأفراد، هي الأمم التي تعرف أين أصحاب الرسالات، أين المكرمون في الأرض، أين الرابضون على صدر اهتمامها، أين الحائزون على جٌل رعايتها.

نعم لذلك هي أمم راقية، هي أمم متقدمة، هي أمم ضربت لنفسها جذورا عميقة في التاريخ، وبهذا هي نالت الرقي، وحازت التقدم.

الأمم الرقية هي التي وضعت معلميها في مكانتهم، حفتهم بالرعاية، وتعهدتهم بالحفظ، ليس منة منها، ولا فضلا، ولكن هو الحق، لأنها أمم أرادت أن تنجح فاختارت وسائل نحاجها، واختارت من يقود هذا النجاح، وهو من يعلم الأبناء، لأن النجاح الحقيقي هو في بناء البشر، لأن النجاح الحقيقي في إعداد الأجيال الصالحة النافعة لنفسها، ولمجتمعها، ولوطنها، وللإنسانية جمعاء، نعم هكذا اختارت تلك الدول أن يكون المعلم في صدر اهتمامها، وبهذا نجحت، وبهذا تقدمت، وبهذا وضعت أقدما راسخة لها في المستقبل، ليس بفضل المصانع، ولا المتاجر، ولا المزارع، ولا كل الاقتصاد، وهو كذلك، ولكن بفضل المعلم الذي جلب خلفه كل هذا.

ولنأخذ مثلا حديثا لدولة قريبة منا في سماتها وخصائصها، وإن كانت أقل في حضارتها ومواردها، إلا أننا بدأنا سويا خطوات التقدم في منتصف القرن الماضي. إنها كوريا الجنوبية التي نالت مكانتها اليوم بفضل وضع المعلم في مكانه الصحيح، فقد أولته اهتماماً بالغاً وأسندت له دوراً كبيراً وبارزاً في المجتمع، حيث اعتبرته وسيلة فاعلة من أجل تطوير المجتمع والنهوض به، حيث ميزته ووضعته في مصاف الطبقة العليا، وأصبحت منزلته لا تقل شأناً عنها منزلة (الملك والوالدين) وأضفى ذلك على المعلم هيبة اجتماعية ترددها الأجيال ويكرسها أقوال كونفوشيوس: "الملك والمعلم والوالدان متساوون". وهذا يعني بوضوح أنه يجب احترام الملك والمعلم والوالدين على قدم المساواة مقابل أعمالهم النبيلة، وهذا الاحترام يلخصه تحذير كوري قديم يقول: "إياك أن تضع قدمك حتى على ظلّ المعلم" كما اعتبرت الحكومة والشعب مهنة التعليم من المهن المقدسة، لذلك استثنت الحكومة المعلم من أداء الخدمة العسكرية، وفي حالة التحاقه بها عند الضرورة فأنه يلتحق بدورات خاصة؛ لتأهيل وتخريج الضباط، وأولت أيضاً اهتماماً بالمستوى المعيشي للمعلم، حيث يتقاضى المعلم المعين حديثاً راتباً شهرياً لا يقل عن 2000 دولار، وهذا يكفي لتغطية نفقاته الشهرية؛ ليعيش بمستوى يليق بمكانته الاجتماعية، وهذا شجع العوائل الكورية دون استثناء على ضرورة إرسال أبنائها الى المدارس لإتمام دراستهم الجامعية من أجل أن يكون في كل عائلة معلم.

وعلى خطى كوريا الجنوبية سارت كل الدول التي أرادت تقدما، فوضعت المعلم في مكانه الصحيح اللائق به؛ لأنه يحمل على عاتقه عبء إعداد الأمة للمستقبل ففي اليابان سئل الإمبراطور الياباني، ذات مرة، حول هذه المسألة، فقال: «إن دولتنا تقدّمت، في هذا الوقت القصير، لأننا بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلّمنا من أخطائهم، وأعطينا المعلّم حصانة الدبلوماسي، وراتب الوزير».، وراتب المعلم الأساسي في اليابان، يتراوح بين 32 و68 ألف دولار (في السنة).

وفي سنغافورة يتراوح راتب المعلّم بين 24 و47 ألف دولار في السنة، ويمنح حوافز مجزية، إضافة إلى البدلات والإعانات، كما يصرف له نحو ألف دولار سنويــًا، لتطوير قدراته الذاتية، كما تحرص الوزارة، على تقديم تدريب على التقنيات الحديثة، وتشجيع المعلّمين على اقتناء أجهزة الكمبيوتر المحمولة، والكتب اللوحية الإلكترونية، وتدفع من ثمنها 40%، ويقدّر ما يتلقّاه المعلّم السنغافوري من تدريبات، بما يزيد عن100 ساعة تدريب سنويــًا، تسهم في رفع كفاءته، ومواكبته لأحدث التطوّرات.

وفي إندونيسيا ينظر إلى المعلم باعتباره "الإنسان النبيل" كما أصبحت مهنة التعليم، تـصنـّف ضمن أكثر ثلاث مهن شديدة الاحترام، في المجتمع الإندونيسي، ويتراوح راتب المعلم الإندونيسي 1700 دولار أميركي شهريًا.

وإذا انتقلنا إلى أوروبا نجد أن الحال يسير على ذات النسق من الاهتمام، فبريطانيا على سبيل المثال، من أكثر الدول اهتمامــًا بالمعلم، ماديــًا ومهنيـًا ومعنويــًا، ويقدر متوسط رواتب المعلمين بنحو 31 ألف جنيه إسترليني في العام، إلى جانب المكافآت والحوافز، التي ترتبط بأداء المعلم، ومدى كفاءته، كما يعطى مقابلا ماديا مناسبا، عند تكليفه بأعمال خارج وقت العمل الرسمي.

ويحظى المعلّم في هولندا بالرعاية والاهتمام، ومتوسّط راتبه الشهري نحو 4500 دولار أميركي شهرياً، وهو يتقارب في ذلك مع راتب المعلّم في سويسرا، إلى جانب حصوله على العديد من المزايا: كالسكن والادخار والعلاج وغيرها..

أما في عالمنا العربي فحدث ولا حرج، اللهم إلا بعض التجارب القليلة في بعض الدول النفطية التي اهتمت بالمعلم ماديا، ولكنها في ذات الوقت تأخر وضع المعلم في سلم الاهتمام المعنوي، وتقدمت عليه مهن أخري تأثيرها على المجتمع أقل من تأثير المعلم بكثير.

وكأن أمير الشعراء قد شاهد من أمته العربية تقاعسا في الاهتمام بالمعلم، وعدم وضعه في مكانته الصحيحة فأنشدهم راجيا ومتمنيا وربما من قبيل الأمر:

قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا.....كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا

نعم قم للمعلم جسدا ليأخذ مكانته من الاحترام والتقدير، ولكن المعنى أبعد من ذلك بكثير، فالجميع ينبغي أن يقوم على أمر المعلم رعاية، وحماية، وحفظا، وتقديرا، ينبغي أن تقوم الدولة للمعلم إعداد، وتدريبا، وتأهيلا، نعم ينبغي أن يكون هكذا قيام؛ حتي ينال المعلم ما يستحق من التبجيل؛ لأنه يمتهن مهنة الأنبياء- إن جاز التعبير- ينبغي أن يقوم له الجميع؛ لأن على يديه يتم تنشئة الجميع، وعلى يديه قدر الجميع المحتوم، إما تقدم، وإما تأخر، إما قيم، وإما انحلال، إما جيل ممزوج بالوعي، ومدرك لمخاطر المستقبل، وإما جيل مستهتر رافض ومحتج على الدوام.

عزيزي المعلم: ونحو ندعو ألا يقف أحد على ظلك احتراما وتوقيرا، ونحن نذكر برسالتك السامية التي هي أقرب إلى رسالة الأنبياء.

تذكر أننا ونحن ندفعك لذلك، ندعوك أن تطور نفسك دوما، وأن تأخذ بأساليب العصر، ولا تتكاسل في المطالبة بحقوقك المشروعة، بأساليب مشروعة، حتى تضع قدمك مع وطنك في مستقبل نحلم به جميعا، مستقبلا مشرقا باهرا.