لا تتعاملوا مع المالكي بفتوى دينية

بقلم: أنس الشيخ مظهر

يوماً بعد يوم يتضح لنا ان الأزمات التي تهدد مستقبل العراق السياسي سواء كانت الأزمات التي يعيشها العراق حالياً او الأزمات التي تدل عليها المؤشرات هي أزمات خانقة تهدد العراق كدولة ومؤسسات مما يستدعي الوقوف عندها بشكل جاد لعدم اثارتها بشكل يعيق العملية السياسية، فلطالما تبجحنا نحن العراقيين بشدة تنوع الموزاييك العراقي المكون من قوميات وأديان ومذاهب وافكار مختلفة قد تثري الواقع السياسي اذا استحسن استغلالها او قد تكون وبالاً على العراق اذا ما اسيء استعمالها وهذا ما نلاحظه للأسف منذ الالفين وثلاثة ولحد يومنا هذا.

في الوقت الذي يمر فيه العراق في أزمة خانقة قد تطيح بكل العملية السياسية المستمرة منذ الالفين وثلاثة ولحد الآن تطلق فتوى دينية من المرجع الحائري لتعطينا مؤشراً على وجود بيئة خصبة لخلق أزمة مستقبلية خانقة قد تكون اكثر تأثيراً من الأزمة التي يعيشها العراق حالياً ووجوب حل حيثياتها قبل الاستفحال.

فقد افتى المرجع الحائري بتحريم التعامل مع أي جانب علماني في أي جانب من جوانب التعامل الحكومي، وعلى الرغم من ان الفتوى هذه جاءت في ظروف معينة ولأغراض سياسية معينة للضغط على بعض الاطراف في التحالف الوطني ومنعها من سحب الثقة عن المالكي، وعلى الرغم من انها فتوى مسيسة، الا ان هكذا فتاوى من الممكن الرجوع اليها في أي وقت يحلو للساسة الشيعة اللجوء لها وهذا يمثل بحد ذاته اضافة مشكلة سياسية اخرى للمشاكل الاخرى التي يعاني منها العراق وكأن إنهاك العراق بالمشاكل هو ما يهم الساسة ورجال الدين في العراق وهنا تكمن الخطورة.

لا شك ان الاغلبية السياسية في العراق هي الاغلبية الشيعية وبذلك فلهم استحقاقات ديمقراطية اقرت بها العملية السياسية منذ نشأتها ولحد يومنا هذا وهي ان رئاسة الوزارة هي من حصة الاغلبية الشيعية حسب التوافقات السياسية التي اقر بها الجميع، وهذه التوافقات هي التي تجعل الاغلبية الشيعية تحت المجهر من قبل الاطراف الاخرى كون ان أي تبلور سياسي جديد عند هذه الاغلبية سوف يكون له تداعياته على كل الاطياف العراقية وليس الشارع الشيعي فقط وهذه هي المسؤولية التاريخية التي يجب على الاخوة الشيعة ان يعوها باعتبارنا نعيش في دولة نود ان تكون ديمقراطية.

نفهم جيداً ان الاسس التي ادت الى وجود المذهب الشيعي تاريخياً هي اسس سياسية تتعلق بإدارة الدولة ومن يديرها حسب المفاهيم الحديثة للدولة وهذه النقطة لا تعتبر نقطة انتقادية لهذا المذهب بقدر ما يدفع الآخرين للتعامل معه على اسس سياسية وليست دينية.

واعتماداً على هذه الحقيقة فانه من المستغرب بما كان وجود آحزاب وشخصيات سياسية ضمن التحالف الوطني "الشيعي" تطلق على نفسها بانها علمانية، فإما ان تكون آحزاب تؤمن بأفكار دينية سياسية نحترمها ونفهم توجهاتها وحينها تكون آحزاب وشخوص دينية ممكن التعامل معهم على هذا الاساس، او انها أحزاب وشخوص علمانية وحينها لا يمكن اطلاق كلمة آحزاب شيعية او شخوص شيعية عليهم كون ان الفكر العلماني لا يؤمن بدمج الدين مع السياسة وهذا ما ينسف الفكر الشيعي عند هؤلاء تماماً.

ومع ذلك فان هذا شيء يتعلق بالبيت الشيعي نفسه والتدخل فيه يعتبر تدخلاً في شان لا يعنينا نحن من نقف في الطرف الاخر من المعادلة السياسية.

لكن ما يعنينا هو فتوى المرجع الحائري والتي لها مدلولات كثيرة للجانب الآخر "غير الشيعي" والتي نستطيع ان نلخصها بما يلي:

- تحريم التعامل مع أي جهة علمانية تلزم الجانب الشيعي والذي يمثل الاغلبية السياسية في العراق الى عدم التعامل مع الاطراف الاخرى الموجودة في العراق والتي في أغلبها هي اطراف علمانية سواء كانت من التحالف الكردستاني او العراقية، فكيف يحرم التعامل مع العلمانيين ونحن نعيش في دولة من المفروض انها دولة غير إسلامية على الرغم من ان الدستور ينص على ان التشريع الإسلامي هو الاساس في اصدار أي تشريع، ولهذا فان هكذا فتوى سوف تشكل مشكلة مستقبلية قد يستند عليها الجانب الآخر "الشيعي" والذي يمثل الاغلبية لإقصاء الأطراف الاخرى وبفتوى دينية هذه المرة.

- الافصاح وبشكل علني عن هذه الرؤى يظهر التوجه الذي يتجه اليه العراق فيما لو اذا استطاع أي حزب إسلامي "شيعي" من التحكم بالسلطة على غرار ما كان المالكي يحاول منذ توليه الحكم ولحد الآن وهذا يدعو الاطراف الاخرى من الوقوف بشكل حازم امام أي توجه بهذا الاتجاه مستقبلاً وعدم السماح بنمو دكتاتورية حزبية للأغلبية لأنها ستضيف صراعاً آخر فوق الصراعات الموجودة في العراق وهو الصراع الديني العلماني ونحن في غنى عن اضافة مشاكل فوق المشاكل الكثيرة التي عندنا في العراق.

- هذه الفتاوى بغض النضر عن مطلقيها تؤكد ان وجود التحالف الوطني الشيعي وبالشكل الحالي يمثل العقبة الرئيسية في البلاد وليس شخص المالكي باعتبار انه يضم تحت لوائه الاغلبية الشيعية السياسية التي تمثل الاغلبية في العراق والتي في مجملها هي آحزاب إسلامية تدين بأفكار قد لا يشاركها فيها الآخرون.

- هذه الفتوى وفي هذا الوقت يدل على ان المراجع العظام يراقبون الوضع السياسي وبشكل دقيق ومع ذلك فانهم بقوا ساكتين لحد الآن في إبداء الراي فيما يمر به العراق من أزمات سياسية، وكم كنا سنكون سعيدين لو سمعنا فتاوى من المراجع بخصوص تحريم سرقة اموال الدولة من قبل بعض الساسة الذين ينتمون لها قبل اطلاق فتاوى بتحريم تعامل الإسلامي مع العلماني.

وهنا يجب الإشارة لنقطة اخرى جداً مهمة وهي تعريف الإسلاميين عند المراجع الشيعية العراقية، فهل يمكن اطلاق مصطلح إسلامي على من جعل العراق في صدارة الدول الاكثر فساداً في العالم؟ وهل يمكن اطلاق مصطلح "الإسلامي" على من اباح سرقة اموال الدولة واستخدامها لمصالح شخصية وزيادة ارصدتهم في البنوك العالمية؟ اليس الاحرى بالمراجع العظام اصدار فتوى بتجريم الساسة المتأسلمين واظهار براءة الاسلام منهم كدين بدل من اضفاء صفة الإسلاميين عليهم من اجل مصالح سياسية لهذا الشخص او ذاك؟

لا يخفى على أحد ان هكذا فتاوى تصب في صالح المالكي ومنع الاطراف الاخرى المنضوية تحت اسم التحالف الوطني من سحب الثقة منه وخصوصاً وان هذه الفتوى لم تأتي من الحائري فقط وانما ايضا فتوى الشيخ محمد مهدي الآصفي المرجع السابق لحزب الدعوة والذي افتى على ضرورة دعم الحكومة العراقية الحالية،

وهنا اطالب المرجع الحائري بإصدار فتوى يحرم على العلمانيين والإسلاميين "الحقيقيين" من التعامل مع سراق الدولة ولصوصها والمتأسلمين ممن جعلوا الدولة مباحة لهم يسرحون فيها ويمرحون كما يشاؤون دون خوف من إله او مرجع او قانون.

أنس محمود الشيخ مظهر

دهوك، كردستان العراق

Portalin2005@yahoo.com