'لا تبن لك بيتا' المثقف برفقة إدوارد سعيد

بقلم: نذير الماجد
النمذجة إلغاء لذاتية المثقف

أستنطق البيت هنا لا بمعنى الطمأنينة الخادعة التي تخفي قلقا، أو الأصالة التي تشي بامتداد وتجذر في موروث ثقافي يشكل مكونا أساسيا للذات أو "النحن"، وإنما بمعنى الإجترار، الإجترار الذي يسجن المثقف في قراءة تسجيلية للواقع، فالبيت بهذا المعنى هو زنزانة تكبل المثقف وتمنعه من التحليق والخروج: من أن لا يكون هو.
"لا تبن لك بيتا" استعارة من الشاعر والروائي الألماني غونتر غراس، واللابيت ليس هو اللامعني أو العبثية، فخلف الأنقاض التي تهدمت يكمن انتفاض المعنى ضد عقلانية زائفة وتعميم مختزل يحيل الصورة إلى بعد أو لون واحد. لا أنساق تحكم المثقف المشرد في المنافي. بهذه الصيغة يحاول إدوارد سعيد كتابة المثقف. فأن تكون مثقفا يعني أن تكون منفيا، أن تكون مهمشا مغامرا لا تعبأ بتمزق النسق أو الكلي أو الأفكار السائدة. يعني أن تصطدم بمائدة فتتهشم ثم لا تتوقف رغم ذلك بل تستمر في المشي، في القفز إلى اللاسكون، إلى الاشتباك بالقابع في جنته هناك.
أن تبدأ حياة الثقافة والفكر وكل نشاط يرمي إلى فهم الواقع أو اتهامه أو تخييله يعني قبل كل شيء الدخول إلى الصخب، إلى عالم من الاحتجاج والتمرد والرفض والمشاغبة.
المثقف هنا هو الثوري ولا شيء آخر، يصطدم بالسلطة "بمعناها المعرفي الأعم من السياسي المباشر" مثلما هو لا ينتمي إلى الثابت أو الأيديولوجيا، أو باستعارة إدوارد سعيد: الآلهة التي تفشل دائما. أسوار حديدية تحيط بالمثقف العلماني وتحكم عليه بالنفي الدائم حيث لا بيت أو بيت اللابيت أو وطن اللاوطن، أو حيث الفضاء اللامتناهي من الاحتمالات والتراجعات وأسئلة الأسئلة. قدره هو أن يصطدم، يواجه، والمواجهة التي تصير المثقف مصلوبا فاديا لاستقلاليته هي في الآن نفسه باعثا لتعالقات قدرية لا تنتهي مع السياسة "أيضا بمفهومها العام".
إن كل ما هو ثقافي هو سياسي في جوهره، ثمة اتصال عضوي بين الأقنومين، والفصل هنا بالنسبة لادوارد سعيد يقود حتميا إلى قتل وإفناء كامل لكينونة الذات المفكرة: "فما إن تكتب مقالا يعني دخولك مباشرة في السياسة" فالسياسة في كل مكان ولا مجال لأي نشاط ثقافي لا يستدعي أثرا سياسيا والعكس بالعكس.
هذا يعني أن الفعل الثقافي هو في الصميم فعل مخاطرة وتهور، لا ينفك يطرح الأسئلة المربكة ويكسر الجمود، والجمود قد يكون سلطة أو دينا أو ثقافة أو عادات أو تقاليد أو سياسة دولية، لكنه في كل هذه الحالات يستمد سطوته من قدرة التعميم الماثل اليوم في إمكانات اتصالية جبارة تستحوذ عليها وسائل الإعلام والصحافة، مما يشكل مزيدا من التحديات والضغوط للمثقف العلماني والحر، لأن التعميم يرتبط بنشاط مماثل يحد من الإمكانات المفتوحة للذات المفكرة، فإلى جانب التعميم تكمن القولبة والنمذجة والتنميط.
المثقف هنا هو ذلك الكائن الذي يشاهد السينما ويدخن السجائر ويقبل الجباه ويقرأ رواية أو شعرا أو نصا فلسفيا ويحترم الاختصاص، أو كائن منتم يؤمن نسقيا بجملة من المبادئ أو الأفكار أو القيم العابرة للتاريخ والثقافات، أي تلك المجردة عن الأزمنة والأمكنة.
النمذجة بيت مغلق، نوع من المصادرة ترغم الذات المفكرة على خيارات أو أنماط سلوكية أو طرائق تفكير جاهزة ومعدة سلفا، مصادرة للتحرر والذاتية وتحويل الداخلي إلى استنساخ أعمى يجتذب كل ما هو شعبي أو عام، والحاسة النقدية التي هي خاصية المثقف تتحول إلى قبول وتقليد، صار المثقف نتيجة للتنميط – ويا للمفارقة - إتباعيا بامتياز، الواقع هو الذي يفرض سلطته بدل أن يسعى لتغييره ليتكيف مع قناعاته.
تنميط المثقف يعني في النتيجة تعنيفه واستكراهه على فعل ليس من تصميمه ولا يعكس بالضرورة رغبته الداخلية.
المثقف المقولب والمصنف، شأن الإنسان الأخير، هو فرد يفتقد الامتلاء الوجودي والإرادة الكافية لكي يرفض عالما ليس من صنعه ولا هو قادر على المساهمة فيه. القيم الجاهزة والسلوك الجاهز تقود إلى انعدام تلقائي لأي حاسة نقدية، لكن التعريف بصياغة إدوارد سعيد يجعل من النقد خاصية أساسية، فالمثقف هو "شخص يراهن بكل وجوده على حس نقدي، حس عدم الاستعداد لقبول الصيغ السهلة، أو الأفكار المبتذلة والجاهزة أو التأكيدات المتملقة والمكيفة باستمرار لما يجب أن يقوله الأقوياء أو التقليديون وما يفعلونه، ليس فقط على نحو معارض سلبيا بل أن يكون مستعدا لقول ذلك علانية وعلى نحو نشط".
وكما أن النمذجة هي إلغاء لذاتية المثقف فإنها كذلك تعبر عن حالة من الاحتشاد تقترب إلى حالة تشبه القطيع بحيث تضعف القدرة أو الرغبة على القول بحرية: "لا شيء مثل التعبير عن الرأي دون تردد.. ضد ذلك النوع من نزعة القطيع.. يمكن أن يجعلك غير شعبي أكثر.. إلا أن على المثقف أن يفعل ذلك.. واللعنة على الخسارة الشخصية".
لكن هل المثقف هو المثقف العضوي كما يتبدى لغرامشي، أم هو المبدئي المتعالي؟ هل هو المتخصص أم المحترف أم الهاوي؟ بإزاء هذه الأسئلة وغيرها يحاول صاحب الإستشراق أن يرسم صورة صادمة أو غير مريحة لدور ومهمة المثقف تحيله إلى متسكع بين الأرصفة، لا يقبل إلا ببيت اللابيت أو وطن اللاوطن.
مع إدوارد سعيد يكون الفكر سياحة ممتعة وشيقة في عوالم المثقف الداخلية والخارجية، في توجسه واشتباكه مع السلطة أو ضدها، في احترافه أو خروجه عن القولبة والتصنيف، في قلقه أو طمأنينته، في تبعيته أو استقلاليته.. احتمالات وصور عديدة تحتشد في صورة مركبة تنسجها ريشة الكاتب اللامع، صورة ستنحاز إلى المثقف المفارق المتجاوز لذاته أبدا، المثقف بصفته الكائن اللامنتمي إلا لتلك الآلهة التي تجمعنا والتي هي وحدها لا تفشل: الحرية والمعرفة!