لامركزية الحكم بالعراق تصطدم بضعف القوانين والصراعات السياسية

الصراعات السياسية المشكل الاكبر

بغداد - قبل 17 شهراً كان من المفترض أن يشهد العراق خطوة تاريخية عبر تطبيق اللامركزية في الحكم ومنح المحافظات صلاحيات أمنية واقتصادية وإدارية واسعة، ولكن المهمة فشلت بسبب قوانين بعثية وصراعات سياسية ونقص الخبرات.

مطلع كانون/الثاني يناير عقد مسؤولو ثماني محافظات جنوب العراق اجتماعا في مدينة بابل لبحث العراقيل التي تواجه نقل الصلاحيات من الحكومة الاتحادية إلى مجالس المحافظات، وكالعادة انتقد الاجتماع الحكومة في بغداد بكونها تقف ضد ذلك.

هذا الاجتماع ليس الأول وسبقته أكثر من عشرة اجتماعات ومؤتمرات عقدتها مجالس المحافظات طيلة العام الماضي، وفقا لمسؤول الشؤون المالية في محافظة واسط جنوب العراق مهدي وادي، وقال "بصراحة هناك صراع قوي يمنع نقل الصلاحيات إلى المدن لان هناك مستفيدين من بقاء السلطة قوية ومركزية في بغداد بينما تترك المحافظات في الفقر ونقص الخدمات، ولكننا مصممون على اخذ صلاحياتنا بأي ثمن".

في آذار/مارس 2008 اقر البرلمان قانونا تاريخيا في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، يقضي بنقل صلاحيات ثماني وزارات (المالية والصحة والعمل والإسكان والتربية والنقل والبيئة والشباب والرياضة) إلى مجالس المحافظات التسعة عشر، ولكن الحكومة آنذاك رفضت تطبيق القانون.

وفي عام 2013 أجرى البرلمان تعديلا جديدا على القانون يعطي المحافظات المزيد من الصلاحيات بعدما شهدت فترة حكم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي تفردا في السلطة، واتهامات صريحة بالدكتاتورية من قبل خصومه السياسيين.

ولكن القانون أيضا بقي على رفوف المشرّعين حتى وصل رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى السلطة في 2014 وأعلن تأييده الكامل لنقل الصلاحيات إلى المحافظات في موعد أقصاه عاماً واحدا وكان من المفترض أن يطبق القانون في 15 آب/أغسطس 2015، وهو ما لم يتحقق حتى الآن بشكل كامل.

عقبات قانونية وخلافات سياسية

أولى عقبات نقل البلاد إلى الإدارة اللامركزية هي تعارض القوانين، إذ أن المشرّعين في البرلمان فاتهم أن بلدا مثل العراق حكمته سلطة شمولية طيلة أربعة عقود عبر المئات من القوانين المركزية المشددة السارية المفعول حتى الآن لن يتمكن قانون واحد من إلغائها جميعا، إذ يتطلب ذلك وقتا، والاهم إرادة سياسية حقيقية من الجميع لنصرة المحافظات.

ومثلا فان قوانين الخدمة المدنية لسنة 1960 ورواتب موظفي الدولة رقم (22) لسنة 2008، وقانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام لسنة 1991 هي من صلاحية الحكومة الاتحادية ووزارتي المالية والتربية بموجب القوانين الحالية التي تتعارض مع قانون صلاحيات المحافظات الإدارية.

المشكلة لا تنتهي عند القوانين فقط وإنما في قرارات مركزية كان يصدرها ما يسمى "مجلس قيادة الثورة" في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، وهي بالمئات ولها قوة القانون، والمفارقة أن هذه القرارات ما زالت سارية المفعول، ويعمل البرلمان منذ عشر سنوات على إلغائها بطريقة بطيئة.

وبدلا من أن يهيئ المشرعون العراقيون بيئة مناسبة لتطبيق اللامركزية إلا أنهم يعملون على عكس ذلك تماما، إذ أصدر البرلمان تعديلا غريبا على قانون صلاحيات المحافظات قبل أشهر يقضي بتقليص عدد أعضاء مجالس المحافظات مستقبلا إلى (11) عضوا، بعد أن كان (25) عضوا، إذ أن إدارة صلاحيات واسعة يتطلب المزيد من الأعضاء لتوزيع المهام بشكل أسهل.

وأيضا فان بعض الكتل السياسية تسعى إلى إلغاء المجالس المحلية المنتشرة في كل منطقة في مسعى واضح إلى الإبقاء على النظام المركزي، إذ أن هذه المجالس المناطقية عنصر التواصل الوحيد بين السكان ومجلس المحافظة، وفقا لرئيس لجنة الأقاليم والمحافظات في البرلمان النائب سوران إسماعيل.

ويقول إسماعيل إن "إلغاء هذه المجالس يعني تصعيب مهمة تطبيق اللامركزية في البلاد، وسنعمل بقوة على عدم إلغاء هذه المجالس لان المرحلة المقبلة ستشهد انتقال الصلاحيات من الحكومة الاتحادية إلى المحافظات وهي بحاجة إلى كوادر إدارية لها خبرة في العمل".

ولكن المشكلة ليست قانونية وإنما سياسية أيضا، فالصراعات التي تعصف بين الأحزاب داخل مجالس المحافظات انعكست سلبا على تطبيق اللامركزية ضمن معادلة معقدة، ومثلا فان الأحزاب التي تمتلك وزارات في الحكومة الاتحادية يسعى أعضاؤها داخل مجالس المحافظات إلى عرقلة نقل صلاحيات هذه الوزارات إلى المحافظات لأنها ستخسر نفوذا واسعا في وزارة تعتبرها ملكا لها.

وعلى العكس من ذلك فان الأحزاب التي لا تمتلك وزارات تسعى وبقوة إلى نقل الصلاحيات إلى المحافظات، وهذه الانقسامات داخل مجالس المحافظات تشجع الحكومة الاتحادية على التهرب من تطبيق اللامركزية كما تقول عضو مجلس محافظة ذي قار أشواق حميد.

حميد التي تترأس لجنة التخطيط في مجلس المحافظة، تقول إن "مواقف أعضاء مجالس المحافظات ليست موحدة معا من اجل نيل صلاحياتها، وكثرة الأحزاب المشاركة في إدارة المحافظات شتت أصواتهم وانعكس سلبا حتى على مستوى تقديم الخدمات للسكان".

ضعف الخبرات والمؤهلات

إن أعمق خسارة تعرضت لها المحافظات بسبب النظام المركزي في العراق تتجسد بانتقال الكفاءات الإدارية والمهنية إلى العاصمة بغداد حيث فرص العمل ومقرات الوزارات والدوائر الحكومية الاتحادية بينما بقيت المحافظات بلا كفاءات إدارية قادرة على إدارة الأمور.

وبموجب قوانين العمل والسلم الوظيفي الحكومي فان كل موظف يصل إلى درجة مدير عام في الدوائر والمؤسسات الحكومية في المحافظات يجب أن ينتقل للعمل في بغداد، ومع محاولات المحافظات الحصول على صلاحيات مهمة وواسعة فإنها تواجه مشكلة حقيقية في كيفية التعامل مع الوضع الجديد، ولهذا فان بعض المحافظات لم تتحمس كثيرا لتطبيق اللامركزية في الوقت الحالي.

والقانون الذي اقره البرلمان يعرف باسم قانون رقم (21) يمنح الحكومات المحلية صلاحية اختيار مسؤولي الجهاز القضائي والقيادات الأمنية والتصرف في انتشار الجيش داخل المدن وخارجها، ويلزم العاصمة بالتشاور مع المحافظ في تحريك القطعات العسكرية التابعة للحكومة الاتحادية، فضلا عن زيادة تصل إلى خمسة أضعاف في مبالغ البترودولار الممنوحة للمحافظات المنتجة للنفط.

أما على المستوى الاقتصادي فإن القانون الجديد يمنح هذه المحافظات صلاحيات واسعة وكبيرة ستجعل من بعضها غنية بالموارد المالية.

وتوضح المادة (44) منه بأن الموارد المالية لكل محافظة تتكون من مخصصات الحكومة الاتحادية، وواردات الضرائب والرسوم والغرامات وبدلات بيع وإيجار أموال الدولة، إضافة إلى خمسة دولارات عن كل برميل نفط خام يُنتج في أي محافظة وخمس دولارات عن كل برميل نفط خام مكرر في مصافي المحافظة، وخمسة دولارات عن كل 150 مترا مكعبا مُنتجا من الغاز الطبيعي في المحافظة.

وعلى مستوى الصلاحيات الأمنية تقول المادة (14) من القانون على أن "للمحافظ سلطة مباشرة على جميع الأجهزة المكلّفة بواجبات الحماية وحفظ الأمن والنظام العاملة في المحافظة".

في حين جاء في المادة الثانية من القانون بأن "مجلس المحافظة هو السلطة التشريعية والرقابية في المحافظة وله حق إصدار التشريعات المحلية بما يمكنه من إدارة شؤونها وفق مبدأ اللامركزية الإدارية، وتتمتع المجالس بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي".

إنها بلا شك صلاحيات كبيرة وخطيرة، ولكن السؤال المهم هل تستطيع مجالس المحافظات إدارتها بهذه السهولة؟، مسؤولو المحافظات يتجنبون الغور في تفاصيل الإجابة ويكتفون بالقول إنهم قادرون على ذلك، ولكن الواقع يشير إلى عكس ذلك، ولهذا تواصل الأمم المتحدة ومنظمات دولية منذ شهور تنظيم ورش عديدة في المحافظات للمساعدة في إدارة الصلاحيات.

لماذا اللامركزية ضرورية للعراق؟

في 19 من ديسمبر/كانون الأول عقدت محافظة صلاح الدين مؤتمرا لبحث نقل صلاحيات بعض الوزارات إلى مجلس المحافظة بعدما وجدت أن مدنها التي دمرتها الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية بلا اعمار، ومثلا فان مدينة تكريت التي تحررت قبل 21 شهرا ما زالت تفتقر إلى إستراتيجية لإعادة الحياة والاستقرار إليها لان الحكومة الاتحادية مشغولة في الحرب ضد المتطرفين.

محافظ صلاح الدين احمد الجبوري قال خلال المؤتمر إن "مدينتنا تحتاج إلى سرعة في انجاز المشاريع ولكن النظام المركزي يمنع ذلك، ولهذا فان مجلس المحافظة سيبدأ في استخدام صلاحياته القانونية بعيدا عن سطوة الوزارات والدوائر الاتحادية".

ليست صلاح الدين الوحيدة التي تعاني من بطء عملية الإعمار بل جميع المدن التي تحررت مؤخرا من الدولة الإسلامية تعاني من المشكلة نفسها، وعلى الحكومة الاتحادية إذا أرادت عودة الاستقرار إلى المحافظات وتحقيق التنمية وحل الأزمات السياسية وتقليل الضغط المفروض عليها نقل الصلاحيات إلى المحافظات، وهو حل لا يحتاج إلى تعديلات دستورية وإصدار قوانين جديدة.

اختلاف احتياجات المحافظات وتنوع طوائفها وقومياتها وتباين مشكلاتها يصعّب على الحكومة وأركانها القاطنين في بغداد معرفة تماما ما تحتاجه باقي المحافظات، ومثلا محافظة البصرة تعاني من نقص المياه والكهرباء والفقر، بينما تسعى محافظاتا الأنبار ونينوى إلى صلاحيات أمنية لأنهم الأقدر على إدارة الملف الأمني بدلا من قوات اتحادية جنودها من محافظات أخرى لا يعرفون شيئا عن طبيعة السكان.

الخبير الاقتصادي باسم جميل انطون يقول إن "منح المحافظات المزيد من الصلاحيات من شأنه أن يسرع تنفيذ التنمية ومشاريع الاعمار، الأمر الذي سينعكس إيجابا على واقع المحافظات مستقبلا".(نقاش)