لاءات نتنياهو وخياراتنا البديلة

لو وافق نتنياهو على أي من المبادرات المطروحة، لشذ عن القاعدة الصهيونية الثابتة منذ تأسيس الحركة الصهيونية، والقائمة على "أرض أكثر وعرب أقل"، وإجماعها على رفض القانون الدولي، وإدارة الظهر لأي مقترح قد يقود لتحقيق الحد الأدنى للحقوق العربية، أو يحول دون استشراء شراهة التوسع والاستعمار والبغي، المتجذرة في عقيدتها منذ البدايات. فقد سبق أن قامت الحركة الصهيونية بقتل الوسيط الدولي للأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت عام 1948، حينما نادى إلى الحد من الهجرة اليهودية لفلسطين، ووضع القدس تحت السيطرة الفلسطينية. واحتلت 78% من الأرض الفلسطينية، متجاوزة قرار التقسيم رقم 181، الصادر عن الأمم المتحدة. كما رفضت إسرائيل كل المبادرات العربية لتطبيع العلاقة معها، مقابل إنهاء احتلالها للأراضي المحتلة عام 1967، إذ يشير جاك اوكونيل رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية الأميركية في عمان خلال الفترة 1963- 1971، في كتابه "مستشار الملك" بأن إسرائيل أدارت ظهرها للاءات الحقيقية لمؤتمر الخرطوم الثلاثة عام 1967، والمتمثلة بلا حرب، ولا قيود على الإتفاق مع إسرائيل، ولا سلم منفصل بدون موافقة، في رواية تنسف الرواية الرسمية لمخرجات المؤتمر بلاءاتها الثلاثة "لا صلح، ولا اعتراف، ولا تفاوض مع العدو الصهيوني"، بالإضافة إلى أن السلوك اليومي لإسرائيل في الضفة الغربية، المتمثل بالاستعار المضطرد لحدة البناء الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل والمنشآت، وانتهاج سياسات عنصرية ضد المواطنين غير اليهود في اسرائيل، وانتهاك القانون الدولي، وسياسات تعطيش الفلسطينيين، من خلال تخفيض كميات ضخ المياه لهم، التي هي بالأساس حقهم، لصالح المستوطنين المحتلين.

عملت الحركة الصهيونية على استخدام مختلف الوسائل تحقيقا لأطماعها، وخططها التوسعية، إذ تحالفت مع الحركة النازية ضد اليهود أنفسهم، لحثهم على الهجرة لفلسطين، وهو الأمر المثبت في عشرات الوثائق، بما فيها رسالة "اسحاق شامير" للسفارة الالمانية في أنقرة أبان الحكم النازي، عارضا التعاون بين منظمة "أرغون" والنازية، كما استغلت الصهيونية -التي هي بالأساس حركة علمانية- رواية دينية مضللة، وشوهت نقاء الدين خدمة لأطماعها التوسعية على حساب الفلسطينيين، مسبغة سياساتها العنصرية بغطاء ديني، متهمة كل من يحاول كبح جماح فاشيتها بالعمل ضد مشيئة الرب، حتى لو كان حليفها الأقرب، كما فعل حاخام إسرائيل الأكبر شلومو عمار، حينما قال "التوراة تطلب من الشعب اليهودي العيش في إسرائيل بينما تمارس الولايات المتحدة ضغوطا لمنع اليهود من أن يعيشوا ويبنوا منازلهم في أجزاء كبيرة من أرض إسرائيل بحدودها التوراتية"، وهو الأمر الذي تغذيه وتدعمه القوى الصهيونية غير اليهودية، في الولايات المتحدة، وغيرها من الدول، إذ يكفي الإطلاع على تصريح جيري فالويل الذي يقول فيه "إن الوقوف ضد إسرائيل هو كالوقوف ضد الرب، نحن نؤمن بأن الكتاب المقدس والتاريخ يثبتان أن الرب يجازي كل أمة بناء على كيفية تعاملها مع إسرائيل"، لنعرف حجم الانحياز، والتشويه الممنهج لجوهر الدين، ونقاءه خدمة لأطماع الحركة الصهيونية.

من السذاجة وتضييع المزيد من الوقت التعويل على حدوث تغير استراتيجي في رؤية الحركة الصهيونية، وأطماعها الإستراتيجية، أو بروز قيادة إسرائيلية أقل تطرفا، أو أكثر اعتدالا، إذ أن كافة المؤشرات تشير بشكل جلي للغاية إلى نزوح المجتمع الإسرائيلي إلى المزيد من التطرف والعنصرية، كما أن ذاكرتنا يجب أن لا تنسى أن من يجري التعويل على مواقفهم، وبالأخص حزب العمل، هم من أسس إسرائيل، ومن وضع مشروعها الاستيطاني العنصري، وبأن مواقفهم السياسية تجاه شعبنا في القضايا المصيرية، لا سيما حق العودة، والقدس، والدولة بحدودها الدنيا ممثلة بحدود الرابع من حزيران عام 1967، لا تختلف عن تلك التي يتبناها من جرت العادة على توصيفه بمعسكر اليمين المتطرف في إسرائيل. بل أن فكرة تصنيف الأحزاب الصهيونية إلى يمين متطرف، ووسط، ويسار، إنما تخدم مصلحة الحركة الصهيونية، من خلال منحها فرصة لتبادل الأدوار، خدمة للهدف الاستراتيجي، والمتمثل بتفريغ الأرض من سكانها، وإحلال المستوطنين الصهاينة بدلا منهم. فلو كان هناك رغبة لدى قادة الحركة الصهيونية لإنهاء الاحتلال بشكل حقيقي، لقامت دولة فلسطينية منذ ما لا يقل عن سبعة عشر عاما.

أن انتظار نضوج موقف دولي يفرض على إسرائيل إنهاء احتلالها لشعبنا، هو انتظار للسراب، وتعويل لا تسنده دعائم حقيقية على الأرض، إذ أن الدعم الشعبي الذي يواكب قضية شعبنا في مختلف الدول، وتنامي حملات المقاطعة على أهميتها، في رفد القضية الفلسطينية بالدعم الدولي، إلا أنها تفتقر إلى ذات الدعم في أروقة صنع القرار العالمي، بما في ذلك القوى الاشتراكية، التي ما أن تنتقل من المعارضة إلى الحكم، حتى تبدأ برسم سياساتها وفقا لمنطق التوازنات والمصالح، على الرغم من موقف الحكومة السويدية الذي يشكل استثناء في هذا المجال.

ليس أمامنا اليوم، وأمام انكشاف حقيقة المبادرة الفرنسية، التي وشى بيانها الختامي بعدم قدرتها على إحداث أي اختراق، وأمام الأوضاع المتفجرة في الإقليم، والأولويات الدولية المختلفة، التي جعلت من بقاء قضيتنا على أجندة المجتمع الدولي بحد ذاته إنجاز كبير، وأمام الجرائم الصهيونية اليومية، وتعمق الانقسام أفقيا وعموديا، سوى أن نرمم بيتنا الداخلي، وان نتداعى لحوار وطني مسؤول، بعيدا عن عقلية المحاصصة والحزبية والقبيلة، نحو إشراك الكل الوطني في الوطن والشتات، في وضع برنامج وطني مشترك، والاتفاق على آليات إنجازه بشكل واقعي وعقلاني مسؤول، وبشكل يحافظ على الثوابت الوطنية، وحق شعبنا بالمقاومة، وتحريم الدم الفلسطيني، وبناء دولة القانون، والاحتكام للقضاء والمؤسسات، وإعادة الحياة للمؤسسات التنفيذية والتشريعية، بشكل ديمقراطي توافقي، ودون إقصاء أو تمييز. فالأجواء اليوم مهيأة أكثر من أي وقت مضى لإنهاء الإنقسام، لا لنضوج رؤى حقيقية لدى الفرقاء، إنما لغياب أي بدائل أخرى، وانسداد جميع الأبواب. فتحصين البيت الداخلي، وتحقيق الوحدة الوطنية، هو ممر إجباري، وشرط أساسي لنجاح أي مبادرة، ولإنهاء الاحتلال. فالإبقاء على الوضع الراهن ما هو إلا جريمة بحق الوطن، الذي يمزق في كل يوم، ويختطف جزء جديد منه لصالح المستوطنات، وهو الأمر الذي يمهد الطريق بشكل كبير نحو تهجير جديد وسلس لأبناء شعبنا، ولنكبة جديدة، نحن ضحاياها، وشركاءها في آن.