كُن واقعيا وتساءل: أي وجود هذا لاسرائيل؟

بقلم: علي الصراف

اذا كان هناك واقع جديد، أفلا يصبح من المنطقي ان تكون هناك واقعية جديدة؟
في وقت من الأوقات (صار يبدو سحيقا الآن) كان ما يسمى بـ"الواقع العربي" ينطوي على كل عناصر الإهتراء والإنحطاط السياسي التي نراها الآن، إنما بفارق شيء جوهري واحد: لم تكن هناك حركة مقاومة يمكن التعويل عليها لتغيير هذا الواقع.
كانت الأنظمة العربية، في ذلك الزمن السحيق، تبدو قوية على شعوبها الى درجة يستحيل معها اجراء أي تغيير. وكانت تجمع، في الوقت نفسه، بين القدرة المفرطة على البطش، وبين عبقرية صنع وتجديد التخلف الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. ولم تكن هناك لديها مشاريع استراتيجية تجاه أي شيء تقريبا، بما في ذلك الحفاظ على متطلبات الحد الأدنى للعيش الكريم.
وكانت هناك الصراعات المألوفة فيما بينها. وبمقدار ما كانت "القضية الفلسطينية" هي "القضية المركزية" التي تستقطب (وتستنزف) كل المشاغل والامكانيات، فالحقيقة هي ان تلك القضية كانت نتيجة لتلك الصراعات وسببها في آن واحد. فالعرب كانوا يختلفون بسببها، وباختلافهم يجعلون القضية أكثر استعصاء على الحل او "التسوية". وكنا نبدو كمجموعة من الحمقى المتنازعين الذين يمسك كل منهم بطرف من اطراف الخيط، وكلما تحركوا أكثر، كلما أصبح تشابك الخيوط أكثر تعقيدا. وهكذا، لا رجعييهم تمكن من ان يجترح حلولا سلمية لـ "أزمة الشرق الأوسط"، ولا تقدمييهم تمكن من خوض حرب لاستعادة الحقوق السليبة. وكلما تراجعوا خطوة، على طريق تقديم التنازلات، كلما وجدوا أنفسهم، في بيئة التفكك وغياب الاستراتيجيات، مدفوعين للتراجع خطوة أخرى، فأخرى.
المفاجأة التي صار علينا ان ندركها (فقط بعد فوات الأوان) كانت جمهورية الشهيد صدام حسين. فقد كان النظام العراقي، في ظله، يبدو من حيث الشكل، شبيها بكل أنظمة القمع والاستبداد الأخرى. وكان من الطبيعي ان يختطف هذا الشكل قدرة الكثيرين على النظر الى الجوهري فيه. وهو ان هذا الزعيم كان يخوض غمار معركة استراتيجية شارفت (بالفعل) على ان تحوّل العراق ليس الى مجرد قوة اقليمية، بل الى قوة دولية يُحسب لها ألف حساب في صنع التوازنات الاستراتيجية والمصالح بين القوى العظمى نفسها.
السلسلة الطويلة من الانجازات في مجالات التعليم والصناعة والتأهيل العلمي والإعداد التكنولوجي والرخاء الاجتماعي، إذ كانت تسير في مجرى استقلال الارادة الوطنية والاعتداد العالي بالنفس (تلك التي حولت العزة والكرامة الى مشاعر وطنية عامة)، فقد كان من الطبيعي ان تقود في النهاية الى بناء قوة استراتيجية جبارة تقف على مشارف ان تكون قوة نووية. و... كان من الطبيعي لعرب الانحطاط (والسفالة الشخصية) ان يقفوا موحدين تقريبا في مواجهة هذه القوة الناشئة وان يعملوا على تدميرها.
و.. نجحوا. بل وبلغ بهم الأمر ان يساهموا في تدمير العراق كله، وان يحولوه الى خراب عميم، على كل وجه من الوجوه، وان يعرضوه للنهب، ويدمروا كل شيء فيه، ويحطموا كل مظهر من مظاهر، ليس قوته السابقة، بل وحتى مظاهر الحد الأدنى للكرامة الانسانية. وأكثر من ذلك فقد وقفوا ليتفرجوا على إعدام ذلك الرجل، وليروا سقوط محمد علي باشا آخر، في سجل محاولاتنا التاريخية للتحديث.
ولكن، ككل شيء يبلغ أقصاه، فانه يستجلب أقصاه المضاد. فظهرت لدينا حركة مقاومة تناطح، بنجاح مشهود، ليس عملاء وسفلة الامبريالية ومأجوريها من ضباع النذالة العربية المألوفين، بل الامبريالية نفسها. بقضها وقضيضها. بجيوشها التي أصيب 30 في المائة من أفرادها بخلل عقلي. بكل ما تملك من استراتيجيات قذرة. وبكل ما لديها من أسلحة وخطط بديلة وتعزيزات. وبدلا من مواجهة الصغار، صارت لدينا مقاومة تلوي ذراع "البلطجي الكبير" نفسه و.. تغلبه.
فانقلبت المأساة الى... فرصة.
وهذا واقع جديد.

***

ونحن إذ ندفع من الثمن أغلاه، فربما ما يزال من المبكر قول هذا الكلام، ولكن سيأتي ذلك اليوم الذي نتوجه بالشكر للولايات المتحدة لأنها أتاحت لنا هذه الفرصة.
فبعبع الإرهاب الدولي الذي تمثله الولايات المتحدة جاء الى دارنا ليمارس أقصى ما يستطيع من اعمال القهر والاستعباد والوحشية.
وفي هذه الدار، صار يعرف من نحن، وكيف نُذله، وكيف نجبره على استجداء الدعم من عملائه الصغار في بعض دول الجوار، وكيف نقاوم وحشيته، وكيف نطحن دباباته كما نطحن الدقيق. وكيف نعجن جنوده بالقذائف والمتفجرات والصواريخ، حتى سقط منهم أكثر من 30 ألفا بين قتيل وجريح (حسب أرقام البنتاغون). وكيف نحوّل حتى دبلوماسييه وممثليه الى خبز حار لأخبارنا، هم الذين صار ربعهم على الأقل مصابا باضطرابات نفسية حتى وهم يعيشون في حصنهم الحصين داخل المنطقة الخضراء في بغداد.
ومن خطة الى خطة، صار الفشل يلاحقهم ويلاحق حكومة عملائهم، حتى لم يعودوا يدركون ماذا يفعلون، وحتى أصبح الانسحاب هو الخيار "العقلاني" الوحيد. وحتى قالوا انهم لا يريدون أكثر من "انسحاب مشرف" لكي يحفظوا به ماء وجه وحشيتهم و.. "هيبتهم" الامبريالية.
وعلى امتداد اربع سنوات، فقد جربوا كل شيء. لا توجد حيلة في دفتر الحيل القذرة، إلا واستخدموها: من الاستعانة بعمائم طائفية، الى "فرق الموت"، الى كل أصناف سياسيات "فرق تسد"، الى نصب جدار برلين بين الأحياء.
ولكنهم ظلوا يجرون ذيول الخيبة. وظلت المقاومة تكبر وتكبر. فصائلها تقترب من بعضها البعض، بينما يتناحر المستظلون بظلال دباباتهم. وبينما تتجدد أساليب المقاومة، فان خياراتهم تضيق كل يوم. وبينما ساعة صبر المقاومة تتحرك ببطء، فان ساعة صبر الاحتلال تتحرك بسرعة أكبر، ما يجعل النتيجة واضحة وضوح الشمس في عين الأعمى، دع عنك البصير.
جاءوا وفعلوا كل شيء، ليضعوا مكانة الولايات المتحدة ونفوذها الدولي على المحك مع شعب جعلوه من انصاف الحفاة وانصاف العراة ولكنهم لم يغلبوا قدرته على المقاومة بشرف.
والآن، هل يمكن للولايات المتحدة ان تفعل أكثر مما فعلت بالعراق؟
الشيء الوحيد، الوحيد، الباقي هو ان تلقي عليه قنابل نووية لتزيله من الوجود.
فيما عدا ذلك، فانها هي نفسها التي سيكون مطلوبا ان تُزال من الوجود كقوة هيمنة دولية؛ أن تطلق على رأسها النار كقوة امبريالية؛ أن تسقط كآخر الإمبراطوريات، وان تفر ليس من دارنا وحدها، بل ومن المنطقة بأسرها أيضا، ليفر معها كل الذين يستظلون بظلالها، بمن فيهم اسرائيل.
والحال، فان اسرائيل هي الشيء الوحيد الذي يعطل الانسحاب الامريكي. لانها لا تريد ان تجد نفسها، اذا هرب الامريكيون، مكشوفة الغطاء كليا.
ولهذا السبب وقعت في غرام "المبادرة العربية للسلام"، تلك المبادرة التي ظلت ترفضها منذ عام 1980 والتي أسقطتها الولايات المتحدة باستخدام الفيتو في مجلس الأمن.
وهذا واقع جديد.

***

في وقت من الأوقات، كانت "الواقعية" تعني الاعتراف باسرائيل وقبول وجودها في المنطقة. وكان "منطق" هذه الواقعية يقول، انه طالما لا يمكن للعرب، حتى اذا اجتمعت قواهم، فرض الهزيمة على اسرائيل، فلعله من الأنسب قبول "الواقع" وقبول اسرائيل معه.
وكان "المنطق" نفسه يقول أيضا، ان حركة المقاومة الفلسطينية فشلت عسكريا، وتحولت، على هذا الأساس، الى حركة سياسية. وككل حركة سياسية فانها تهدف التوصل الى تسوية، وطالما ان السياسة، بطبيعتها، "أخذ وعطاء"، فلن يكون من العسير على "منظمة التحرير الفلسطينية" ان تعطي لتأخذ، ولن يكون من العسير على بقية العرب ان يقبلوا بما يقبل به "الممثل الشرعي والوحيد".
بعض منطق تلك الواقعية كان يقول أيضا اننا نقف عاجزين، بسبب من القضية الفلسطينية، عن ملاقاة متطلبات التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وحيث ان هذه التنمية تتطلب وقتا، فلعله من حُسن الفِطن ان نبني أنفسنا أولا، قبل نكون قادرين على مساعدة الأشقاء الفلسطينيين.
وبعض المنطق الآخر كان يقول ان شعوبا غير حرة في أوطانها لا تستطيع ان تحرر شعبا آخر تحت الاحتلال. ويجب على هذا الأساس ان نترك القضية الفلسطينية لأهلها، وان ننشغل بقضايا التحرر والتقدم في بلداننا.
العنصر الوحيد الذي يجمع شذرات (او فتات) هذا "المنطق" هو انه لا أمل في المقاومة المسلحة. وبذلك، فان وسائل السياسة هي الخيار الوحيد. والسياسة تعني التسوية. والتسوية تعني تقديم تنازلات.
ولكن هذا "الواقع" كله، انقلب بغزو العراق.
ذهب الامبرياليون والصهاينة الى أقصى ما يرغبون من أطماع. وظنوا ان انحطاط الكثير من قيادتنا قد بلغ أقصاه أيضا، مما يخولهم عمل كل شيء وأي شيء. وفي بيئة ذل وتخلف وتمزقات وغياب وضوح استراتيجي وصراعات وأحقاد كالتي كانت تغرق فيها المنطقة العربية، فقد كان من "الطبيعي" ان يرفع الامبرياليون والصهاينة سقف طموحاتهم الى السماء ليكون بمقدروهم وضع أجندة تتضمن غزو بلدان وتغيير أنظمة وأحلال بدائل بل وحتى وضع دساتير وتصميم قوانين وتغيير مناهج التعليم وفرض اعادة النظر بالقرآن الكريم نفسه وتقديم تفاسير جديدة تلائم وجهة النظر الامريكية.
وعلى المستوى العالمي، وجدوا ان هذه هي "نهاية التاريخ" وانهم سيركبون عليها الى الأبد.
المقاومة العراقية، بكل فصائلها، قلبت هذا الواقع وسخرت منه ومرّغت أنف الغطرسة العدوانية بالوحل، حتى أصبح "الانسحاب المشرف" هو الأمل الوحيد. والانسحاب يعني التخلي. والتخلي يعني رفع اليد بكل ما يعنيه الأمر من تفاصيل.
ومع رفع اليد، يجدر التساؤل: أليس من الواقعية، في المقابل، ان يبحث الغزاة الصهاينة عن سبيل "لانسحاب مشرف" من فلسطين على غرار انسحاب بلطجيهم الأكبر؟
وليست المقاومة في العراق هي وحدها التي تحولت الى سكّين في خاصرة المشروع الامبريالي-الصهيوني للمنطقة. ولكن هناك أيضا المقاومة الوطنية اللبنانية والمقاومة الاسلامية في فلسطين.
هناك، فوق ذلك، "فلسطينيو الداخل" الذين تحولت صحوتهم السياسية الى "عدو جديد" لكيان العنصرية الصهيونية، صنعته تلك العنصرية لنفسها بنفسها.
والحال، فاذا كانت صواريخ المقاومة اللبنانية وضعت الاستراتيجيات العسكرية الاسرائيلية موضع شك، فان مقاومة الفلسطينيين وتحديهم المتواصل للاحتلال أينما وجدوا، صارت تضع الوجود الاسرائيلي نفسه موضع شك وتساؤلات استراتيجية جديرة بالاعتبار، وذلك للمرة الأولى منذ نشأة الكيان الصهيوني عام 1948.
للمرة الأولى صار الاسرائيليون يشعرون ان الأرض تضيق بهم، وانهم محشورون في شريط جغرافي تافه عسكريا تفاهته سكانيا. وللمرة الأولى صاروا يشعرون انهم مكشوفون من الناحية الاستراتيجية. وللمرة الأولى صاروا يرون ويدركون ان "جيش دفاعهم" لم يعد قادرا على الدفاع عنهم. وان دولة الثكنة لم تعد قادرة على الصمود كثكنة وانها يجب ان تتغير، ولكن أي تغيير سوف يهز مقومات وجودها من الأساس.
وهذا واقع جديد. فكن واقعيا واطلب ازالة إسرائيل من الوجود.
يجب ألا يعني ذلك "القاء اليهود في البحر". مخادعات سطحية للبكاء واستجداء الدعم التي كانت تمارسها الدعاية الصهيونية يجب ألا تنطلي على أحد. فأكثر من ثلث اليهود القاطنين في فلسطين هم يهود عرب وفلسطينون. أنهم أبناؤنا الذين يجب أن يحظوا بالحماية كما حميناهم لقرون منذ الاندلس. وهؤلاء، مع الفلسطينيين، يشكلون أغلبية عددية تكفي لاقامة نظام يقوم على العدل والمساواة واحترام الحقوق الانسانية. ومن شاء من أخوانهم اليهود الأوروبيين ان يبقى، في ظل هذا النظام، فليبق أيضا. انما على أساس كيان سياسي جديد، واخلاقيات جديدة للعلاقة بين اطراف مجتمع تعددي فلسطيني جديد.
المقاومة (ذلك الخيط الذي كان مفقودا في السابق) غيّرت الواقع، وهي تزيد في تغييره كل يوم. افتح أي محطة تلفزيون، وأول شيء سوف تسمعه هو أصداء التغيير: مقتل خمسة جنود أمريكيين هنا، ثلاثة هناك، وعشرين من عملائهم هنالك.
وعندما يتغير الواقع، أفليس من "الواقعي" ان تتغير "الواقعية" نفسها أيضا؟ علي الصراف alialsarraf@hotmail.com