كُنْ رقميًّا: تاريخ الوسائط من غوتنبرغ إلى الإنترنت

مراجعة: أحمد فضل شبلول
أيتها الطباعة كم عكرتِ صفو البشرية

يغطي هذا الكتاب أكثر من خمسمائة عام من عمر البشرية، أو على وجه الدقة، من التاريخ الاجتماعي للوسائط، ودورها وتأثيرها الكبير في مسيرة البشرية، منذ اختراع ماكينات الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، وما قبلها، وحتى لحظات إشراق شمس الإنترنت علينا، وتحليقنا معها في الفضاء الرمزي أو الواقع الافتراضي، مرورا بوسائل النقل المادي.
وينتهي الكتاب بملحق زمني مهم يحتوي على أهم الأحداث الرئيسية في تاريخ الوسائط، ابتداء من اختراع الكتابة حوالي عام 5000 قبل الميلاد، واختراع حروف الهجاء حوالي 2000 قبل الميلاد، وانتهاء باندماج شركتي ديزني وفوكس، وقمة التوزيع في جنوة عام 2001 ميلادية.
وعلى ذلك يعرض الكتاب كما يقول مترجمه مصطفى محمد قاسم (بالمركز القومي للبحوث بالقاهرة) لقصة الحضارة الغربية برمتها، تلك الحضارة التي قامت في الأساس على التقدم التكنولوجي، وفي صميمه تكنولوجيا الاتصالات والوسائط، وهو بذلك ـ أي الكتاب ـ يضع الوسائط في التاريخ، ويضع التاريخ في الوسائط، من خلال عرض شمولي تأصيلي لهذه الوسائط وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، فيعوض نقصا كبيرا ويملأ فجوة واسعة في التناول العربي لهذه الوسائط، وفي الوقت نفسه يكشف عن سلبية دورنا العربي والإسلامي حيث لم يرد لنا ذكر في هذا الخصوص إلا من باب مقاومة التكنولوجيا الجديدة في البداية، أو باعتبارنا سوقا من المستهلكين، غير عابئين أن الحاسب يغيَّر من بنية العلوم والفنون، كما يغير من صورتنا عن الواقع المادي.
صدر الكتاب ـ في 440 صفحة ـ عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت (العدد 315) تحت عنوان "التاريخ الاجتماعي للوسائط ـ من غتنبرغ إلى الإنترنت" وهو من تأليف مؤرخين اجتماعيين وثقافيين، هما آسا بريغز ويعمل في كلية ورسيستر بأكسفورد، وبيتر بورك ويعمل في جامعة كمبردج. وهو يركز ـ كما جاء في مقدمة المؤلفين ـ على الغرب الحديث من أواخر القرن الخامس عشر فصاعدا، أي من حوالي 1450 بعد الميلاد تقريبا، وحتى مطلع القرن الواحد والعشرين.
وفي مقدمتهما، يذكر المؤلفان أن الحضارة اليونانية كانت انعكاسا لقوة الكلمة المنطوقة، وأن الإسكندر حمل معه في حملاته ـ بالإضافة إلى إلياذة هوميروس ـ حوالي نصف مليون مخطوطة ليودعها في المدينة التي سميت على اسمه: الإسكندرية.
هنا نجد نظامين: شفهي (الكلمة المنطوقة) ومكتوب (المخطوطات)، فيثار القول إن النظام الشفهي أكثر ميوعة ومرونة، في حين أن النظام المكتوب أكثر ثباتا.
وليست المخطوطات فحسب، هي التي كانت تعد من أشكال الاتصال في الماضي، ولكن أيضا الصور وبخاصة التماثيل، وهو ما سوف يؤثر فيما بعد في أيقنة iconography الكنيسة المبكرة.
ومن هنا يمكن القول إن التغيرات في الوسائط تؤدي إلى نتائج اجتماعية وثقافية مهمة تعد حقيقة تحظى بقبول واسع. وهنا يبرز رأي "ماكلوهان": إن المهم ليس محتوى الاتصال، بقدر ما هو الشكل الذي يتخذه هذا الاتصال، وعليه شاعت مقولته "الوسيط هو الرسالة".
ويمضي المؤلفان في مقدمتهما فيتحدثان عن القراءة، ويتساءلان: هل القراءة تشجع التوحد مع الآخرين، أم تشجع الانسحاب إلى العالم الخاص؟ وهل التلفزيون أو "الشبكة" تدمر المجتمعات أم تخلق أنواعا جديدة من المجتمعات لا يهم فيها القرب المكاني؟
ويخلصان في نهاية المقدمة إلى أن ليس ثمة نظرية تصمد كأداة توجيه كاملة للعالم المعاصر. أيتها الطباعة كم عكرتِ صفو البشرية يذهب الكتاب في فصله الثاني "ثورة الطباعة في السياق" إلى أن العالم الإسلامي ظلت مقاومة الطباعة فيه قوية على امتداد أوائل العصر الحديث، حتى أن الدول الإسلامية كانت العائق أمام انتقال الطباعة من الصين إلى الغرب (وهذا الرأي كان يحتاج إلى دعمه بالأسانيد والأدلة)، وأن الأتراك كانوا يرون أن طباعة القرآن (الكريم) شيء محرم، (في الوقت نفسه رأت الكنيسة في ترجمة الكتاب المقدس خطرا كبيرا) وأن السلطان سليم الأول أصدر مرسوما يقضي بتنفيذ عقوبة الإعدام فيمن يمارس الطباعة، وأن تاريخ الطباعة المتقلب في الإمبراطورية العثمانية يكشف عن قوة العوائق التي حالت دون انتشار هذا الشكل من أشكال الاتصال، وهو نفسه ما حدث مع الصورة البصرية.
وفي العالم المسيحي كان يثار التساؤل عما إذا كان الضرر الذي لحق بهذا العالم من جراء اختراع الطباعة يفوق ما أحدثته من فوائد؟ فيكتب الشاعر الإنجليزي أندروا مارفيل (1621 ـ 1678) مخاطبا الطباعة قائلا: "أيتها الطباعة كم عكرتِ صفو البشرية". شكوى من كثرة الكتب في عام 1550 وفي عام 1550 يشكو كاتب إيطالي من أن الكتب أصبحت من الكثرة بحيث إن الوقت لا يكفي حتى لقراءة عناوينها (فما بالنا الآن، بعد أكثر من أربعمائة وخمسين عاما)، ويذهب آخر إلى أن الكتب أصبحت غابة يتوه فيها القراء، لذا ظهرت منذ منتصف القرن السادس عشر الببلوغرافيات المطبوعة مشتملة على معلومات عما كتب، ولكن مع زيادة حجم المؤلفات أصبحت ببليوغرافيات الموضوع ضرورة ملحة. ومنذ أواخر القرن السابع عشر ظهرت مراجعات المنشورات الجديدة، أو مراجعات الكتب. الطباعة تغير البنية الوظيفية للمدن الأوربية لقد ظهرت تأثيرات خطيرة لاختراع الطباعة، منها أن المؤرخين الاجتماعيين رأوا أن الطباعة غيرت البنية الوظيفية في المدن الأوربية، وأن تصحيح البروفة الطباعية أصبح عملا جديدا ظهر إلى الوجود بفضل الطباعة، وأن علامات الترقيم تحولت من السمعي إلى البصري، كما ظهرت آثار سيكولوجية للطباعة، وأن الطباعة قننت المعرفة وحفظتها، تلك المعرفة التي كانت أكثر ميوعة في عصر الانتشار الشفهي، أو الانتشار بالمخطوطات، أيضا شجعت الطباعة على نقد السلطة، حيث جعلت الرؤى المتعارضة عن الموضوع نفسه متاحة بشكل أوسع من ذي قبل. بل استتبع تدفق المعلومات من خلال الطباعة، تدفق التجارة، وظهرت بلاغة الصور المطبوعة، بعد أن انتشرت البلاغة اليدوية، أي اللغة الطبيعية للأيدي، وأحدثت ماكينة الطباعة تحولا من "قيمة الصورة كعبادة" إلى "قيمتها في العرض". وغير ذلك من آثار اعتبرها مارتن لوثر "أسمى هبات النعمة الإلهية". موت التقاليد الشفهية ثم ظهر الاتصال عبر الوسائط المتعددة، من خلال الأشكال التي تخاطب العين والأذن معا، وظهر النص المصوَّر، أو كتابة الكلام الخارج من فم الشخصية (الكوميك)، فتعايش القديم والجديد (الشفهي والكتابي) وتأثر فن المحادثة، إن لم يكن قد تغير كلية، بفعل انتشار الكتب المطبوعة حول المحادثة. وكثر الكلام حول أن المعرفة بالقراءة والكتابة والطباعة تدمر حتما الثقافة الشفهية، بل تحدث أحد اللوردات عن "موت" التقاليد الشفهية.
ولم ينس المؤلفان ـ في هذا الفصل ـ الحديث عن الرقابة، وأن هناك قوائم للكتب المطبوعة والمحظورة، منها كتب الهرطقة والفسوق والسحر، كما حظرت الطباعة بالعبرية، وظهر الكتَّاب المرتزقة.
كما تحدثا عن الاتصال السري الذي أنتج الأدب الإباحي. فكرة الملكية الفكرية أيضا كان هناك حديث حول ظهور فكرة الملكية الفكرية، وأرجعا الإحساس بالملكية الأدبية إلى القرن الخامس الميلادي، غير أن التنظيم القانوني ـ إبان القرن الثامن عشر ـ عمل على دعم فكرة الملكية الأدبية أو الفكرية، حيث ظهر في إنجلترا في العام 1709 قانون حقوق النشر والتأليف الذي أعطى للمؤلفين أو من ينوب عنهم، الحق الوحيد في طبع أعمالهم لمدة أربعة عشر عاما. مع ملاحظة أن ما نسميه الانتحال أو السرقة الأدبية، شأنه شأن الملكية الفكرية التي يهددها، يعد من منتجات ثورة الطباعة. تغير أساليب القراءة وتشطينها أما عن القراءة، فقد تساءل الكتاب: بأي معنى يمكن القول إن القراءة تغيرت مع الزمن؟ ويخلص المؤرخون إلى أن تغيرًا في أساليب القراءة قد حدث بين العامين 1500 و1800، وأن هناك خمسة أنواع من القراءة تستحق اهتماما خاصا هي: القراءة الناقدة، والقراءة الخاصة، والبعض ذهب إلى أن هذا النوع من القراءة ـ أي الخاصة ـ يعتبر نشاطا شيطانيا يمكن تسميته "تشطين القراءة" وقد أدانت محكمة التفتيش أحد عمال الحرير لأنه كان "يقرأ طوال الوقت"، (وقد أدى ظهور الإنترنت هذه الأيام إلى نشوب جدل ينتمي إلى هذا النوع من القراءة). وهناك القراءة الإبداعية، والقراءة الكثيفة، والقراءة المتخصصة، فضلا عن القراءة الصامتة، والقراءة المسموعة، وكل هذا ساعد على خلق مجتمع للقراء.
مع مرور الزمن اتضح أن ثمة توازٍ واضح بين الجدل حول منطق الكتابة والجدل حول منطق الطباعة، كما تبين أن الوسائط القديمة مثل الاتصال الشفهي والمخطوطات، تعايشت وتفاعلت مع وسيط الطباعة الجديد في أوربا أوائل العصر الحديث، تماما كما تتعايش الطباعة التي أصبحت الآن وسيطا قديما، مع التلفزيون والإنترنت في مطلع القرن الواحد والعشرين. انخراط الوسائط في عملية الإصلاح يذهب الفصل الثالث "الوسائط والحيز العام في أوربا أوائل العصر الحديث" إلى أن انخراط الناس في حركة الإصلاح كان في الوقت نفسه سببا ونتيجة لانخراط الوسائط في هذه العملية، غير أنه لا يجب النظر إلى الطباعة وحدها في هذا المجال، بل إلى نظام الوسائط ككل، فهناك ثقافة الصورة في مقابل ثقافة الكتاب، وهناك تناقض نسبي بين ثقافة الكتاب البروتستانية، وثقافة الصورة الكاثوليكية، وأن الحروب المدنية الفرنسية كانت جزئيا حروب صور، كثير منها أنتج في شارع واحد في باريس هو شارع مونتريال.
وظهرت الأهمية السياسية للوسائط التي تضمنت التقارير الصحفية والتواريخ الرسمية والقصائد والمسرحيات وحفلات الباليه والأوبرا واللوحات والتماثيل والنقوش والميداليات. وبرز السؤال عن مدى إسهام الوسائط ورسائلها في تغيير اتجاهات الناس وعقلياتهم.
ويذهب الكتاب إلى أن الدور العام للوسائط كان في هولندا أكبر مما كان عليه في فرنسا، على الرغم من مشاركتها في الثورة الفرنسية. ويضرب مثلا لدور الوسائط في كل من البرتغال، وإنجلترا، وغيرهما. موكب الوسائط وتقديس الدينامو الكهربائي من البخار إلى الكهرباء، يمضي موكب الوسائط، ويصل إلى عصر الترانزيستور، وقبلها السكك الحديدية، فالسفن، ثم البريد، والتلغراف الذي يعد أول طفرة إلكترونية وصفها رئيس الوزراء البريطاني مركيز ساليسبري عام 1889 بأنها اكتشاف غريب وساحر، ذو تأثير مباشر في الطبيعة والفعل الأخلاقيين والفكريين للبشرية، حيث جمع كل البشرية على سطح واحد كبير، يمكن لهم من خلاله رؤية كل شيء يجري وسماع كل شيء يقال، والحكم على كل سياسة تتبع في اللحظة نفسها التي تحدث فيها هذه الأحداث.
ومن التلغراف إلى التليفون الذي أصبح أداة للاتصالات الخاصة والعامة، عندما سجل ألكسندر غراهام بل (1847 ـ 1922) براءة اختراعه. وأعقب ذلك ظهور اللاسلكي، والسينما والغراموفون.
ومن خلال استعراض تاريخ هذه الوسائط، نرى أنه كان هناك تقديس للدينامو الكهربائي قارب تقديس مريم العذراء، وأن الكهرباء سحرت الناس، وأن انعكاسها، وفيما بعدها الإلكترونيات، على الاتصال كانت أعظم بكثير من انعكاسات البخار.
ويذهب الكتاب في فصله السادس عن المعلومات والتعليم والتسلية، إلى أن التقدم التكنولوجي يؤدي إلى تقليل الحاجة إلى العمالة، فأتمتة العمليات الصناعية التي تحققت من خلال الإلكترونيات أثرت، ومازالت، بشكل مباشر على التوظيف أو العمالة، وأيضا بالقدر نفسه على الوسائط، وهو ما ترتب عليه نتائج إنسانية مباشرة. ومن ثم أصبحت التكنولوجيا مؤثرة إلى درجة بعيدة، وقد جرى تثمين دورها.
ويجئ دور الصحافة، السلطة الرابعة، كوسيط من أهم الوسائط، ثم عصر البث: الراديو والتلفزيون، وظهور مجتمع المعلومات.
وفي جميع الأحوال يلاحظ المؤلفان أنه لم يحدث في أي عصر من العصور أن قضى وسيط على وسيط آخر، بل دائما ما حدث التعايش بين القديم والجديد، وكان دائما ما ينظر إلى الخلف جنبا إلى جنب مع النظر إلى الأمام. كن رقميا في جمهورية التكنولوجيا ومن هنا حدث (التقارب) الذي كان عنوان الفصل السابع، وظهرت التكنولوجيا الرقمية أي دمج النص والأعداد والصور والصوت والعناصر المختلفة في الوسائط السابقة. بل ظهر مصطلح "جمهورية التكنولوجيا"، وذهب البعض إلى أن "التكنولوجيا تضعف وتفكك الأيديولوجيا"، وأن التكنولوجيا الرقمية ستكون لها الغلبة في معظم ـ إن لم يكن كل ـ فروع الاتصال، وبات واضحا أن أي دولة لم يكن لديها فكرة عن الطريقة التي ستؤثر بها أجهزة الحاسب في الوسائط وبنيتها وإنتاج برامجها"، خاصة بعد أن أصبح في مقدور شريحة السيليكون مقاس سدس × ثمن بوصة والتي تحتوي على 2250 ترانزيستور منمنما أن تكون بنفس قوة جهاز إنياك الذي كان يشغل حجرة بكاملها. وبعد ظهور قانون مور، ومؤداه أن عدد المحولات (الترانزيستور) التي يمكن وضعها على شريحة واحدة يتضاعف كل 18 شهرا.
وبدا واضحا من خلال كل ما سبق أن العولمة تندفع إلى الأمام.
يأتي بعد ذلك حديث عن الأقمار الصناعية، وقد أعلنت المجموعة الأوربية في عام 1982 أن إبراز الثقافة الأوربية من خلال سياسة تلفزيونية أوروبية ودمج الرقمنة سيقدم الأساس للاندماج الأوروبي، "ذلك أن التشارك في الصور والمعلومات سيكون أكثر الوسائل فعالية لزيادة الفهم المتبادل بين شعوب أوربا وسيعطيهم شعورا أكبر بالانتماء إلى كيان اجتماعي وثقافي مشترك".
ثم كان ظهور الكابل ضمن القوائم التكنولوجية الجديدة، وعليه كان شعار "الأمة المربوطة سلكيا"، وأن "الدستور لم يميز بين الكابل والصحف". وكان هناك من يعتقد أن الكابل يمكن أن يكون "طليعة لثورة تكنولوجية، أي يكون بمنزلة الجهاز العصبي لمجتمع يقوم على المعلومات. ومن ثم تظهر إلى الوجود البيانات المرئية، ويظهر شعار "عالم المعلومات أصبح رهن إصبعك"، بل تظهر مصطلحات مثل "مجتمع البيانات"، وعناوين مثل "كن رقميا" ،وظهرت الحاجة إلى كيفية توجيه المستخدم إلى المعلومات بأسرع ما يمكن، وفي هذه الحالة على المستخدم أن يكون فاعلا.
ثم جاءت أجهزة الفيديو، وأصبحت محلات الفيديو سمة أكثر وضوحا وانتشارا في المدن من محلات الكتب، بل انخرط الكثيرون من أصحاب محلات الكتب في عملية تأجير أشرطة الفيديو. وعُرضت في أمريكا أول أسطوانة ليزر في أعياد الكريسماس في عام 1980. واستفادت هوليود التي كانت تقاوم في البداية تسجيل الفيديو، بل قاومت التلفزيون، من مبيعات الفيديو. جنون وغرام التلفون المحمول ثم ظهرت كاميرات الفيديو، ثم التلفون المرئي، فالتلفون المحمول الذي رُخص له لأول مرة في الولايات المتحدة عام 1983، وخرج من يقول "إن نصف الأمة أصابه جنون التلفون المحمول" ووصف آخر الحدث بالوقوع في غرام التلفون المحمول، وظهرت خدمات جديدة مثل خدمة الرسائل القصيرة، وأصبح المراهقون مهووسين بإرسال الرسائل النصية، وأصبحت قواعد اللغة والهجاء غير مهمة على الإطلاق. وتساءل البعض عن الآثار الجانبية لهذه التكنولوجيا الجديدة، وهل هناك مخاطر صحية من موجات الإشعاع بالقرب من الأذن؟ وغيرها، ولكن بات واضحا أن هناك حديثا يدور عن انتهاء زمن التلفونات التي على المناضد في المكاتب، وأن تحولا سيحدث في فضاء المنضدة إلى الفضاء الرمزي، (أو الواقع الافتراضي) خاصة بعد ربط التلفونات المحمولة بالإنترنت (ويقصد بالفضاء الرمزي، أو الواقع الافتراضي، هنا، ذلك الفضاء الذي يتخلق عندما يدخل المرء إلى الإنترنت أو الحاسب، ويتحلل من واقعه المادي ويذوب في الواقع الجديد الذي تتيحه الشبكة أو الحاسب، ويصبح جزءا منه، فيكون اللاعب الذي بداخل لعبة الحاسب مثلا) وكثرة حدوث التحليق في هذا الفضاء يخلق نوعا من الإدمان نبه إليه أحد مرشدي العقاقير فقال إن أجهزة الحاسب أكثر إحداثا للإدمان من الهيروين. وداعا غوتنبرغ، وأهلا بالشبكة العنكبوتية ومن ثم يكون الحديث عن الإنترنت، باعتبارها الإسهام الرئيسي للقرن العشرين، والتي قيل عنها إنها سبورة المستقبل، وظهرت الحاجة إلى رقمنة digitalization كل أشكال محتوى الوسائط، غير أنه ظهرت مقولات مضادة مثل "إننا في عصر المعلومات، ومع ذلك فلا أحد يعرف أي شيء"، ومن ناحية أخرى هناك من كتب تحت عنوان "وداعا غوتنبرغ" مشيرا إلى انتهاء زمان الطباعة على الورق، وأقر البعض أن العالم الرقمي عالم جديد، وليس مجرد إضافة للعالم القديم، خاصة بعد أن ابتكر الإنجليزي تيم بيرنزر ما أسماه "الشبكة العنكبوتية العالمية" (www) world wid web في عام 1989. فحدث تطوير للارتباطات التشعبية Hyper -links التي تركز الانتباه على كلمات أو رموز معينة في الوثائق عن طريق النقر عليها، والإبحار داخل الشبكة، ويلاحظ هنا أنه في تاريخ تطور الإنترنت وفي تسمية شركات البرمجيات كانت استعارات البحر دوما أكثر صلة من استعارات الطيران على سبيل المثال، فنجد الإبحار، وركوب الموجة، وموجة الطلب التي تشبه المد والجزر، وفي بعض الأحيان نجد الصخور المقابلة.
لقد حدثت انطلاقة الإنترنت بين سبتمبر 1993 ومارس 1994 عندما أصبحت شبكة الشبكات متاحة للجميع، فطورت سيكولوجيتها، وطورت ما أصبح يسمى إيكولوجيا (بيئة) الإنترنت، فأي حاسب يمكنه أن يدخل إلى الشبكة من أي مكان، مع "تشريح" المعلومات التي يتم تبادلها في الحال إلى "رزم"، إذ كان نظام الإرسال يحلل المعلومات إلى أجزاء مشفرة ويقوم نظام الاستقبال بتجميعها ثانية بعد أن تصل إلى مقصدها النهائي، فكان ذلك أول نظام رزم بيانات في التاريخ، وأفاد ذلك في عملية التعلم طوال الحياة، وظهرت جامعات بلا جدران.
وعلى كل حال بات واضحا أن التكنولوجيات الجديدة أتاحت للأفراد مزيدا من الحرية في اختيار ما يشاهدونه أو يسمعونه واختيار وقت المشاهدة والاستماع، وفي غضون ذلك أصبح للأقليات بعض التأثير، وبخاصة عندما تكون متمركزة عبر الحدود، بل إن هناك من ادعى أنه من خلال التقارب التكنولوجي سوف نتجه نحو مزيد من الحرية الإنسانية ومزيد من قوة الناس ومزيد من التعاون الدولي. وعلى الجانب الآخر ظهر من يزعم أن الإنترنت كانت ملوثة للروح الإنسانية. المواطنون الرقميون ينظرون إلى الغد ومع بداية العصر الرقمي يتضح أن المواطنين الرقميين لا يعنيهم اليوم، بل يريدون أن يعرفوا عن الغد. ومع ذلك فإنه لا يمكن لأحدث فترات التاريخ الاجتماعي للوسائط أن تتعامل مع الإنترنت بوصفها الذروة، فهي فترة تتميز، كالعادة، بوجود مسارات متعددة.
ونقول في النهاية إن التكنولوجيا ما هي إلا وسيط بين الإنسان والطبيعة الخام، ويضيف المؤلفان في آخر فقرات الكتاب: "ومع ذلك ففي الفضاء الرمزي يمكن للطبيعة ذاتها أن تكون افتراضية، وليست خاما". أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية