كُرد سوريا وأزمة القادة: عندما يتحولُ الساسة لفراعنةٍ وتجار

لطالما عانت الشعوب الشرق أوسطية من تسلط حكامها وسياسات ملوكها الرعناء وخاصة تلك الدول ذات التركيبة الإثنية المتداخلة والمتنوعة. إلا أنَّ الذي يهمنا نقاشه في هذا الصدد هو الحالة السورية التي عانى كُردها من ظلمٍ مضاعفٍ من قبل نظام تغول واستفحل سرطانه ليستشري مرضاً في جسد الحركة الحزبية الكردية التي استمرت في سياسات التشظي والانشطار الأفقي والشاقولي اللامتوازنة على مدى ستة وخمسين عاماً من عمر الحركة.. انقساماتٌ أفرزت حتى الآن أكثر من خمسة وثلاثين تنظيماً حزبياً هشاً مستعداً للانقسام على ذاته عند أبسط منعطف أو أدنى خلاف تنظيمي! أكثر من خمسة وثلاثين حزباً أصبح لا يسمى أو يعرف أغلبها إلا من خلال أسماء قادتها الأبديين.

وبمجرد معرفة أن أحزاب الحركة الكردية في سوريا وعلى تنوعها اللا محدود لم تستطع أن تنظم أكثر من 10% (في أفضل الأحوال) من مجموع القاعدة الشعبية، فلا بد لنا حينها من التوقف والتمهل لمعرفة ودراسة الأسباب الكامنة وراء عدم قدرة الحركة السياسية على تحقيق الحد الأدنى من حالة الالتفاف الشعبي والتنظيمي للجماهير الكردية في صفوفها، والتي أدت بالتالي إلى حالة العطالة والمراوحة التي عانت - ولا تزال - منها الحركة خلال عقودها الخمس المنصرمة.

بتقديري الشخصي أن العاطفة القومية الكردية في سوريا سجلت على الدوام مستويات مرتفعة من مؤشر الولاء للوطن الأم.. كردستان العظمى. وقد أتت الحالة الحزبية كنتيجة موضوعية من جهة ضرورة وضع تلك الطاقات والعواطف في خدمة الكرد ومشروعهم المحق في الديمقراطية والمساواة والأمر نفسه بالطبع حصل في أجزاء كردستان الأربعة إنما بدرجات متفاوتة من جزء لآخر. وقد حققت الحالة الحزبية في العراق، تركيا وإيران نجاحات باهرة وملموسة وصلت، وكما هو معلوم للجميع، إلى حد الفيدرالية في الجزء العراقي. ومرد هذه النجاحات بكل تأكيد الكاريزما التي كان ولا يزال يتمتع بها قادة وسياسيو هذه الأجزاء الثلاث.. كاريزما القائد التي شكلت إلى جانب النضال المسلح الذي خاضوه صورة استثنائية لشخصية القائد بكل المقاييس.

أما فيما يخص الحالة السورية فإننا نجد أنه وبالرغم من كل الزخم الموجود في شخوصها وأسمائها فإنها لم ترق لمستوى القائد الحالة.. القائد الذي يستطيع الوصول بحزبه وتنظيمه إلى مستوى تسمية حزب أو تنظيم سياسي له كيان متوازن، متناغم ومتداخل في كافة المناطق الكردية. بحيث يحقق حالة الالتفاف التنظيمي المرجوة في حدها الأدنى. ذلك أن قائد (أو ما يسمى بـ سكرتير) هذا الحزب أو ذاك - وبكل بساطة - لا يتمتع بكاريزما ومؤهلات القائد الجماهيري طالما أن سقفه العملياتي وأفق ذهنه المتوقد وتحليله الدقيق للواقع وقدرته اللا محدودة على التمسك بدفة السفينة الحزبية... كل ذلك مرهون بأمرين متعارضين لا ثالث لهما:

أولاً). الثلة والبطانة المحيطة به والتي تسبغه بصفات الألوهية والأبدية والكمال والقداسة. فيتمادى في غيه تفرعنه وجبروته حتى على البطانة التي وسمته بهالة الأزلية الزائفة.

ثانياً). تيار الإصلاح والتغيير الموجود في أحزاب الحركة كافة والذي غالبا ما يقبل الاستمرار في المواجهة على أمل الوصول إلى التغيير في الأسلوب والسلوك والمنهجية والإطار العام و.. و.. أو يضطر غالبا تحت تأثير تكتل بطانة السكرتير العفنة وأعوانها إلى العودة إلى حالات القطيع والمهادنة والتماهي أو يجبر على استنساخ مولود حزبي مستحدث وذلك بعد أن يكون قد أشبع أعضاء هذا التيار تخوينا وأسقاما سرطانية من تجربتهم المريرة مع الحزب الأم. لا بل على العكس فقد تحول معظم قادة الحركة (وأعتذر مقدما عن هذا التعبير، ولكن لتوصيف مدى بؤس الوضع وصعوبته) إلى "متسولين" على أبواب كردستان العراق وسواها من جهة وفراعنة متألهين على قواعدهم التنظيمية الهزيلة المغلوبة على أمرها. أبقوا شعارات الديمقراطية والحرية والمساواة في الحقوق والواجبات والانتقال السلمي للسلطة وغيرها من الشعارات أسيرة مناهج وأنظمة أحزابها الداخلية المتناسخة. أجهزوا عبر تاريخ سوريا الحديث والمعاصر على المشروع الكردي الخاص بسوريا. تاجروا بالقضية الكردية في سوريا أيما إتجار أفضت خلال سوريا الثورة بعدم اعتراف أطياف وتنظيمات المعارضة السورية الأخرى بالكرد كقضية وشعب له مطالبه وهمومه وخصوصيته المتمايزة عن باقي مكونات الشعب السوري.

وبالطبع ونتيجة لحالة الانتظار الشعبي لبروز مثل هذا القائد وطول فترة الانتظار لأعوام عديدة فإن الشعب الكردي في سوريا أصبح يسد هذا الفراغ عبر حالات الولاء والتغني بقادة أجزاء كردستان الأخرى الذين - وبكل تأكيد - نكن لهم ولأرشيفهم النضالي الميمون كل الاحترام والتقدير.

ختاماً أستطيع القول أن أزمة الكرد السوريين ورحلتهم المضنية في البحث عن واجهة قيادية سياسية حقيقية، فاعلة ومدركة لمتغيرات الواقع السياسي المعاش ستظل مرهونة - بتقديري الشخصي - بطاقات الطبقة المثقفة القادرة على إحداث الاختراق المطلوب في جدار العزل الحزبي السميك وتمثيل وإدارة الكرد في مناطقهم ولو بعد حين.