كُردستان: طريق التحرير

لم تكن مشاورة السروك برزاني (يوم الخميس) أمراً عاديّاً، فهي تشير إلى تطوّرٍ سياسيّ كُردي كبير، فهي من ناحيّة تعبّر عن نضج المنطق السياسي الكُردي، الذي لا ينفرد في اتخاذ قرارٍ تاريخيٍّ، ومن ناحيّة أخرى يضع البرلمانيين الأكراد وتالياً الشّعب أمام اتخاذ قراره التاريخيّ وتقرير مصيره بنفسه.

فما جرى في الأيّام الأخيرة، عدا عن الحديث عن الكونفدراليّة الكبرى، بمعنى الكونفدراليّة التي يتحدّث عنها الإعلام التركي بكثافة، وهي بين أكراد روجافا وباشور والأتراك وجزءٍ من السّنة، وهو أمرٌ له دلالة تاريخيّة وسياديّة، تاريخيّة، تشي بإفراغ سايكس بيكو لمحتواه، وتغيير جيوبلوتيكي جديد، يلقي بظلاله على الآداء السّياسي للأكراد وسائر المكوّنات المجتعمية والسّياسية في المنطقة، وأنّه ليس معقولاً بناءً على معطيّات جديدة، العودة إلى مقاربة التطورات بمنظار المعطيات السابقة، أي ما قبل عاصفة "داعش" في الموصل، وبالأصل ليس الأكراد هم الذين أزالوا حدود سايكس بيكو، فمازال الأكراد يتعاطون مع المعطيّات الجديدة بمنطق متوازن وغير متهوّر، وثمّة حدود تفصل أكراد روجافا وباشور عن بعضهما البعض، وأنّ من أزال الحدود همّ مسلّحو "داعش"، الذين ردموا السواتر الترابية، التي كانت تفصل بين العراق وسوريا، وهم الذين نقلوا العتاد العسكري إلى داخل سوريا، لإحداث الخلل في "توازن الموت"، فضلاً عن ضخّ المقاتلين من العراق نحو سوريا، أي الى دير الزور ثمّ الرقة فمنبج وجرابلس وريف حلب. ونحن بصدد العتاد الذي استولت القوّات الكُرديّة عليها بالقرب من جرابلس مثل سيارة همر العراقيّة؛ كلّ هذه المعطيّات لا يمكن القفز عليها، ما يدعو إلى التعاطي السلس والمسؤول مع المعطيّات، وهذا ما شعر به الأكراد وعلى رأسهم الرئيس البرزاني، ما دفعهم ليكونوا بحجم الحدث والمعطيات!

أمّا الدّلالة السّياديّة، فهوما حققته قوّات البيشمركة منْ مكتسبات، والخطوات التي خطتها، في الوقت الذي عجزت الحكومتان المنتخبتان السابقتان عن تنفيذها. لا يقول المنطق السياسي بأن يترك الأكراد المناطق التي يثبت التاريخ بأنها لهم، وتعذبوا لأجلها لعقود، لتكون فريسة لقوى لا علاقة لها بتاتاً بهذه المنطقة، وكون البيشمركة هي القوة الدّفاعيّة حسب منطق الدّستور التوافقي، فإنّ من حقهم الدّفاع قدر المستطاع عن أرض أهلهم مع الأخذ بالحسبان حقوق ومشاعر المكوّنات التي لا تنتمي عرقيّاً للأكراد، ونعتقد أنّ المسؤولين الأكراد لم يخطئوا عندما اتخذوا قراراً بالدّفاع عن مناطقهم، وأنّ هذا الدّفاع المشروع والمحق أحرج كلّ الأطراف بما فيها الطّرف، الذي يشعر بالاختناق فورما يتردد الحديث عن الأكراد.

تصوّروا! لو لم يدافع الكُرد عن مناطقهم ولم يبسطوا سلطتهم السّياديّة، ماذا كان سيفعل التّاريخ بالأكراد، أليس الخذلان والخنوع سيكون سيّد الموقف؟ ومن هنا فإنّ ما قام به الأكراد كان استجابة سياديّة وأيضاً استجابة للضمير القومي.

والحق فإنّ ما حصل هو خطوة نحو تحرير كُردستان، ولكن هذه المرة ليس تحرير كُردستان من الحكّام والظّلاميين فحسب، إنّما تحريرها من ركام الماضي، الذي كان يكبّل حركة الأكراد من كل النواحي، ما يعني أنّ الزّمن الكُرديّ الجديد يضع الأكراد أمام مسؤولياتهم التاريخيّة، ولعلّ الأهم أنْ يعزّزوا ما خطا به الأكراد فور شعورهم بالخطر، أي ترسيخ فكرة التحرير مرة أخرى، وترك الماضي لمن يحنّ أنْ يعيش فيه، وأنْ يسيروا في مقدمة من يشرّع للحداثة، بمعنى أنّه إذا عرفوا عن الأكراد إبّان سقوط نّظام صدّام حسين، فسيعرفون بأنّهم يشكلون بوابة ديمقراطيّة العراق، وأنّهم يشكّلون اليوم بوابة لحداثويّة المنطق السّياسي العراقي!