كَمْ هو 'غالٍ' هذا 'المجَّاني' في العرض الإيراني للأردن!

لثلاثين عاماً، إيران مستعدة لتزويد الأردن نفطاً مجانياً (بلا ثَمَن مالي بالدولار أو اليورو..) وبما يكفي لتلبية احتياجاته من الطاقة؛ فيا له من عَرْضٍ مُغْرٍ، لا يَرْفضه إلاَّ مَنْ "أفسدت" السياسة عقله، فَظنَّ (وإنَّ بعض الظَّن إثم) أنْ "السياسة" بلا قَلْب، لا تُقيم وزناً لمبدأ "لا نريد جزاءً، ولا شكوراً"، فَلْنَدْعُ الله أنْ يُكْثِر من أمثال هذه الدولة "الطَّائية"!

وحتى لا نَشْتط في إساءة الفهم والتفسير والتعليل تحدَّث صاحب العَرْض (السخي) موضِحاً أنَّ "النفط الإيراني المجاني (والذي، على ما أحسب لن يكون على هيئة مشتقات نفطية؛ لأنَّ إيران نفسها تعاني من نقص هذه المشتقات)" لن يصل إلينا قبل "مفاوضات (واتفاقيات من ثمَّ)" تجارية وسياسية وثقافية؛ وكأنَّه يريد أنْ يقول إنَّه (أي هذا النفط) مجاني بـ "المعنى النسبي (لا المُطْلَق)"؛ فإيران تريد أنْ تعرف (على سبيل المثال لا الحصر) من طريق هذه المفاوضات "البضائع التي في إمكان الأردن أنْ يُزوِّد بها إيران في مقابِل هذا النفط المجاني"؛ و"التزويد" قد يعني "التهريب"؛ فثمَّة بضائع أجنبية (لا أردنية) تحتاج إليها إيران، ولا تستطيع الحصول عليها، بسبب الحصار المضروب عليها؛ وربَّما يستطيع الأردن مساعدتها في هذا الأمر.

أمَّا "التبادل التجاري" بين الدولتين، ولجهة زيادته، فلن يكون، بحسب معناه، صلة تجارية من طرف واحد، أيْ من الطرف الأردني الذي يُزوِّد إيران بضائع (أردنية، أو ربَّما غير أردنية) فإيران تريد للسوق الأردنية أنْ تكون منفتحة، أو أكثر انفتاحاً، على بضائعها؛ ويكفي أنْ تتمتَّع إيران بهذه الميزة التجارية حتى يتضاءل كثيراً منسوب "المجانية" في عرضها النفطي؛ فهذا الربح التجاري الإيراني لن يكون ضئيل الحجم والأهمية؛ وثمَّة دول غربية "كريمة" تساعدكَ مالياً من أجل أنْ تشتري بضائعها؛ فـ "المُحْسِنون" من الدول لا وجود لهم إلاَّ على هذه الشاكلة؛ أمَّا "المتسوِّلون" من الدول فَهُمْ أسوأ حالاً (من الوجهتين الاقتصادية والسياسية) من المتسولين من الأفراد!

"المقابِل الثقافي (الدِّيني)" ليس، من وجهة نظري، بذي أهمية كبيرة إذا ما قارنَّاه بـ "المقابِل السياسي"؛ فالأردن، ومن غير "النفط المجاني الإيراني"، يَسْمَح (أيْ يجب أنْ يَسْمَح) للشيعة من عرب وفُرْس.. بزيارة أماكن مقدَّسة (عندهم وعندنا أيضاً) في الكرك؛ فليس من فتاوى دينية سنية (على ما أظن) تَحْظر على الشيعة زيارتها (زرافات ووحدانا). وينبغي لنا ألاَّ نغالي في خشيتنا من "تَشَيُّع" بعض السنة من مواطنينا؛ فالمتطيِّرون من "الهلال الشيعي" ينبغي لهم أنْ يخشوا "العرض النفطي الإيراني" أكثر من خشيتهم أنْ "يتشيَّع" بعض مواطنينا من طريق "تأليف القلوب"؛ فإنَّ لعبة "تأليف القلوب" يلعبها الساسة أكثر كثيراً من رجال الدِّين؛ كما أنَّ "المتشيِّع" من هذه الطريق يمكن أنْ يعود عن "تشيُّعه" من الطريق نفسها؛ فـ "الانتهازية الدِّينية" قصيرة الأجل.

"المقابِل السياسي"، لا "المقابِل الثقافي"، هو وحده "الحقيقة (الإيرانية)"، أو "الثَّمَن الباهظ (أردنياً)"، في "العرض الإيراني المجاني"؛ وكأنَّ إيران تريد أنْ تقول للأردن: إذا استصعبتم قبول عروض غيرنا والتي ثمنها أنْ تكون لكم مساهمة في إطاحة بشار، وتخليص الشعب السوري منه، فَلِمَ لا تَسْتَسْهِلون عرضنا والذي ثمنه أنْ تكون لكم مساهمة في بقاء بشار، وتخليصه من الشعب السوري؟!

"الصديق في وقت الضيق"؛ وها هو "الصديق الإيراني" يَبْرُز (في ثياب "المُحْسِن الكبير") وقت الضيق الأردني؛ فالغاز المصري ينقطع، أو يتقطَّع، والمساعدات (المالية العربية) الخليجية (نحو 700 مليون دينار) تتأخَّر في الوصول (وربَّما لن تصل أبداً). أمَّا المواطِن الذي ما عادت دولته (على افتراض أنَّها كانت) صديقة له فليس من السذاجة بما يكفي لتصديق صداقة إيران له؛ فإنَّ "إيران السورية" هي الحقيقة التي تَذْهب بوهم "إيران الأردنية"!

هذا المواطِن لا يستطيع تَفَهُّم أمْر دولته العصي على الفهم؛ فهي تجبي منه الضرائب، لتشتري بماله هذا وقوداً له؛ ثمَّ تبيعه له بسعرٍ رخيص نسبياً؛ ثمَّ "تَتَنسَّر (في عهد النسور)" عنه هذه "النعمة"، أيْ تزول، فيبتاع النفط (الذي اشتراه مِنْ قَبْل عَبْر دولته) بثَمَنٍ يَفوق أضعافاً مضاعفة "الثَّمن الحقيقي" لـ "عرض النفط الإيراني المجاني"!

وهذا المواطِن لن يستغرب مستقبلاً إذا ما أسرعت الدول العربية الخليجية في إرسال (وفي زيادة) مساعداتها المالية للأردن وبقيت أسعار الوقود "حُرَّة (طليقة)" في سَحْقه (أيْ المواطِن الفقير) اقتصادياً، وفي سَحْق كرامته وآدميته من ثمَّ؛ فـ "السَّحق الاقتصادي" هو أصل ومنبع كل الشرور!

جواد البشيتي