كيف يعيش التتار في القرن الحادي والعشرين؟

موسكو - من ناتاليا ماسكينا
بوتين يحاول التقرب للتتار بمشاركتهم احتفالاتهم القومية

يعرف القارئ العربي جيدا اسمي جنكيز خان وهولاكو الذين قادا حملات قاسية للتتار على الدول الاسلامية، واستطاعا القضاء نهائيا على الدولة العباسية، حتى اوقفهم السلطان المملوكي قطز في موقعته الشهيرة عين جالوت.
غير ان ما لا يعرفه الكثيرون ان الشعب التتري بدأ في اعتناق الاسلام لاحقا، وبمرور الوت اصبح التتار شعبا من المسلمين، واصبحت بلادهم تمثل اقصى نقطة شمالية تعيش فيها الشعوب الاسلامية.
وظل التتار، لقرون عديدة، يتعايشون مع السلاف (وهي القومية الروسية) الارثوذكس بلا مشكلات. وصار هذا التعايش السلمي واقعا عاديا بالنسبة لتتارستان، تلك الجمهورية التي تقع في الكيان الروسي الفيدرالي في اقصى الشرق الاوروبي عند تقاطع نهري الفولغا وكاما.
وفي الوقت الحالي اصبح التتار القومية الثانية من حيث العدد في روسيا، بعد الروس بالطبع، التي تتميز بانها بلد متعدد القوميات والديانات.
وكما ابلغ مفوض ممثل الجمهورية التترية في روسيا الاتحادية ناصيف ميريخانوف فانه بين 7 ملايين تتري يعيشون في روسيا، يوجد في جمهورية تتارستان 1.7 ملايين تتري, مما يشكل 52 بالمائة من سكان الجمهورية التي يبلغ عدد سكانها 3.7 مليون نسمة. فيما نسبة الروس في تتارستان هي 43 بالمائة، والباقون من الاوكران والبيلوروس وممثلي القوميات الاخرى في روسيا.
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي كان يمكن لقلب روسيا ان يتحول الى مركز للنشاطات الانفصالية, الا ان الاوضاع لم تتطور هناك وفقا للسيناريو الشيشاني. وتمكنت قيادة الجمهورية من انتزاع المبادرة من المتطرفين القوميين المطالبين بخروج تتارستان من الكيان الروسي. وحصلت تتارستان على صفة الجمهورية ضمن الكيان الفيدرالي.
وكما يعتقدون في تتارستان فان السيادة وتحديد الصلاحيات سمحا للجمهورية بالانتقال بانضباط اكبر الى العلاقات الاقتصادية الجديدة وتجنب الهزات الاجتماعية. وتمت المحافظة في الجمهورية على السلام بين القوميات والديانات المختلفة.
وبالرغم من ان العلاقات بين الجمهورية والمركز خفت حدتها الا ان العديد من القوانين في الجمهورية ما زالت كما في السابق تتعارض والقوانين الفيدرالية. وان هذه المسألة بدأ علاجها في السنوات الاخيرة, عندما انطلق في البلاد مسار توفيق التشريعات المحلية بالتشريعات الفيدرالية.
وقد اندمجت تتارستان العام الماضي بالحقل الضريبي الموحد للبلاد كما كل الاقاليم الفيدرالية وبدأت بتحويل الضرائب الى المركز الفيدرالي. ففي النصف الاول من هذا العام يفترض الانتهاء من عملية احداث التعديلات على دستور تتارستان من اجل ازالة التناقضات مع القانون الفيدرالي الاساسي.
وتحقق تجنب التعقيدات مع الحكومة الروسية بفضل الموقف المتزن للرئيس التتري منتيمير شامييف الذي انتخب للمرة الثالثة في العام 2001 لرئاسة الجمهورية. وقد اثبت قدراته خلال السنوات العشر من حكمه بعد تمكنه من ايجاد طريق للتعاون مع السلطات المركزية. وهو يقترح برامج حكيمة للعلاقات مع الحكومة المركزية على اساس المصلحة المشتركة.
وبفضل سياسة الاندماج المرنة في السوق فان برنامج الحماية الاجتماعية وتنظيم دعم الدولة العاقل للقطاعات الصناعية والزراعية في الجمهورية تشكلا بشكل اكثر هدوء مما في الاقاليم الفيدرالية الاخرى. ففي تتارستان شيد نموذج علاقات السوق الخاصة التي لا تسرّع فيها من دون اللجوء الى "المعالجة بالصدمة" مما اعطى نتائج جيدة.
وفي السنوات العشر الاخيرة احتلت تتارستان المركز الرابع في مستوى نمو ناتج الدخل القومي بين 89 اقليما فيدراليا. واصبحت تتارستان الآن تمتلك طاقات صناعية وزراعية قوية تمكنها من تأمين حاجاتها الاساسية من المنتجات.
وتتارستان هي احد اكثر الاقاليم جاذبية للاستثمارات في البلاد. ويعود هذا الامر لتوفر ثروات طبيعية غنية ولتطور الصناعات والبنية التحتية والطاقات العلمية العالية. فخلال كانون الثاني وحتى تشرين الاول العام 2001 نما حجم الاستثمارات في اقتصاد الجمهورية مقارنة بالفترة نفسها من العام 2000 بمقدار 20 بالمائة. وفي الآونة الاخيرة اطلقت تتارستان عددا كبيرا من المشاريع الاقتصادية, التي تحتاج الى استثمارات ضخمة والاكثر حماسة، من بينها بناء مصنع لتكرير النفط بقيمة تصل الى 450 مليون دولار.
والجمهورية التي تدخل الآبار النفطية الى خزينتها ارباحا جيدة, تملك مجمّعات نفطية كيميائية قوية. وتحتل تتارستان مركز الصدارة في اسواق اوروبا بمنتجات الكاوتشوك الصناعي. كما تتميز تتارستان بمؤسسات صناعة الطيران، فمصنع المروحيات القازاني يصنع المروحيات المعروفة "مي - 8" و "مي - 17". وينتج اتحاد صناعة الطائرات, القاذفات الاستراتيجية "تو - 160" و "تو - 22م 3" و "تو - 214" كما ان مصنع شاحنات "كاماز" هو اشهر من ان يعرف.
وتصدر الجمهورية حاليا بضائع بمقدار 5 مرات اكثر مما تستورد. والقطاعات الصناعية الرائدة فيها امنت في العام 2001 نمو حجم الانتاج مقارنة بالعام 2000, مما انعكس على الفور على دخل السكان.
الا انه ومع النمو الديناميكي للمؤشرات الاقتصادية الاساسية فان عدد المؤسسات التي تحقق الارباح يبلغ حتى الان 62 بالمائة. وان القلق في الجمهورية يثيره الوضع الديمغرافي ايضا. ففي تتارستان حيث سكان المدن يشكلون 70 بالمائة من السكان تشهد معدلات الولادة هبوطا.
وبالحديث عن العلاقات بين الاديان يمكن الاشارة الى ان لا وجود لتناقض بين المسلمين الذين يشكلون غالبية السكان في الجمهورية والارثوذكس. وفي الكثير منه يفسر هذا الامر بالتقاليد السلمية التاريخية القائمة بين الديانتين والحوار الدائم الذي تجريه السلطات مع ممثلي الاديان.
وستحتفل قازان، عاصمة تتارستان، بيوبيلها الالف على المستوى القومي العام. وكما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فان الهدف الرئيسي لليوبيل هو مساعدة المدينة على ان تصبح عاصمة اقليمية بحق, وان السلطات بدأت تخطو في هذا الاتجاه.