كيف نصنع رواية خيالية من قصص صحافية

إيان ماكيوان استعاد مَلَكة الصحافي بشغف إلهامه الشخصي في كتابة نص خيالي بامتياز حضر فيه الإبهار التكنولوجي، لقراءة المستقبل الغامض الذي ينتظر البلاد.


الجميع يجب أن يكونوا أحرارا في التحدث ضمن الحدود المعتادة

اختار الروائي البريطاني إيان ماكيوان أن يكون صحافيا وهو يضع المخطط التصنيعي لروايته التي صدرت هذا الأسبوع بعنوان مربك “روبوتات مثلي مثلهم”.

لقد اعتلى ناصية اللغة وهو يجمع الأرشيف الصحافي بكل ما يتعلق بحرب جزر فوكلاند بين المملكة المتحدة والأرجنتين عام 1982، كان ماكيوان شاهدا بالنظر والذاكرة، وجدير بالخيال أن يحضر في اللحظة المبدعة. لذلك تفرغ كي يكون صحافيا ويجمع الكم الهائل من القصص الإخبارية والتحليلية آنذاك عن تلك الحرب التي استمرت 74 يوما.

دخلت بريطانيا والأرجنتين في حرب على جزيرتين صغيرتين قبالة الساحل الأرجنتيني. كانت حرب فوكلاند صراعا جريئا لرئيسة الوزراء آنذاك مارغريت تاتشر مع المعارضة العمالية قبل أن تكون مع الأرجنتين، المعركة انطلقت في الأجواء السياسية البريطانية قبل أن تتحرك الجيوش والقاذفات والأساطيل البحرية.

اندلعت الحرب بعد أن أعلنت الأرجنتين السيادة على جزيرتين ساحليتين صغيرتين. وردت بريطانيا بغزو بحري واستعادت الجزر. توفي أكثر من 900 شخص في الحرب التي انتهت باستسلام الأرجنتين. وهكذا صنعت أيام الحرب التي تجاوزت الشهرين بأربعة عشر يوما أسطورة مارغريت تاتشر السياسية كامرأة حديدية، وبقيت أكبر عملية قتالية بحرية جوية بريطانية منذ الحرب العالمية الثانية.

لكن ماذا لو كانت النتيجة مختلفة؟ بهزيمة الجيوش البريطانية في حرب فوكلاند، الخيال يحضر هنا بامتياز وبمساعدة الروبوتات.

رواية “روبوتات مثلي مثلهم” “Machines Like Me” صنعت أحداثها من قصص صحافية حقيقية تحولت في ما بعد إلى خيال فذ دخل فيه الإنسان الآلي ليغير مجرى الأحداث ويجعل من المنتصر مهزوما في حرب مرت عليها أربعة عقود تقريبا.

كان توقيت صدور الرواية مثيرا جدا لبريطانيا التي تعيش في أوج ارتباكها السياسي والتاريخي بسبب تداعيات بريكست الصعبة، لكن ماكيوان يفترض الأسوأ عندما يعود إلى عام 1982 ويبتكر حدث الهزيمة بخيال علمي تديره الروبوتات. وهكذا صنع روايته الخيالية المفعمة بالحكمة من قصص صحافية كانت حيوية وبقيت إلى اليوم.

الروبوتات تعيد كتابة تاريخ المعارك
الروبوتات تعيد كتابة تاريخ المعارك

على صفحات رواية ماكيوان، غالبا ما تظهر الصعوبات الأخلاقية في الحياة اليومية البسيطة. يذكر آدم “روبوت تتم برمجته قبل أيام من انطلاق القوة البحرية البريطانية لاستعادة السيطرة على جزر فوكلاند” أن الحل الوحيد للمعاناة هو الانقراض التام للبشرية.

لكن صمويل بريتان الكاتب في صحيفة فايننشيال تايمز، رد على إيان ماكيوان قبل صدور روايته بسنوات عندما استذكر تاتشر بالقول “من المنطقي بالنسبة للمواطن البريطاني أن يفكر في أن روح الشخص البريطاني أثمن من روح الشخص الأرجنتيني، لكن من غير المنطقي أن نعتبر أن قيمة حياة الشخص الأرجنتيني تساوي صفرا. لا بد من الاعتراف بأنه حتى لو كان الناس في العادة يفكرون بهذه الطريقة، فمن الممكن أن يظلوا مع ذلك يقبلون بفكرة أن الموت هو شر ضروري في سبيل ألا يفقد البلد منطقة إقليمية” يتحدث عن جزر فوكلاند.

الرواية الجديدة  تتكهن بكيفية مواجهة إنكلترا للقرن الحادي والعشرين لو أن حرب فوكلاند انتهت بهزيمة الجيش البريطاني مثلا.

هناك سرد موجز للغاية في مقدمة “روبوتات مثلي مثلهم”، عن تدمير القوة البحرية البريطانية بهجوم صاروخي أرجنتيني. يعود الأسطول المحطم إلى إنكلترا، وتندب الأمة برمتها هزيمتها. تكافح حكومة تاتشر مع تعثر الاقتصاد البريطاني لتغيير مسار التاريخ. التاريخ ينقلب على عقبه هنا، ومن له ذاكرة صحافية ستكون ممتعة استعادتها للمقارنة مع ما يجري في المتن المقروء.

يصف ماكيوان الخيال الكامن في هذه الرواية بقوله “كان كل شيء يتصاعد باستمرار، الآمال واليأس والبؤس والملل والفرص. كان هناك أكثر من شيء. كان وقت الوفرة”.

لقد استعاد هذا الروائي الذي اختارته صحيفة التايمز البريطانية من بين أهم خمسين كاتبا بريطانيا منذ عام 1945، مَلَكة الصحافي بشغف إلهامه الشخصي في كتابة نص خيالي بامتياز حضر فيه الإبهار التكنولوجي، لقراءة المستقبل الغامض الذي ينتظر البلاد، كاشفا عن ميله للأبطال غير المتعاطفين بشكل غامض وكيف لا يزال يغري القراء باتباعهم.

يرى ماكيوان أن الجميع يجب أن يكونوا أحرارا في التحدث ضمن الحدود المعتادة، عن الصواب السياسي الذي أثار مسحة من الكوميديا بالنسبة للناس، وهو أمر يستحق دائما إعادة اكتشافه حسب الروائي البريطاني.

فإذا كانت لديك شخصية في متن الرواية لا تستحق التعاطف، فيجب عليك -وفق ماكيوان- معالجة مسألة كيفية إقناع القارئ بالسفر معك أو مع هذا الشخص. ذلك ما تفعله الصحافة في أغلب الأحيان.

الحياة البشرية التي تم ابتكارها بشكل مصطنع في رواية “روبوتات مثلي مثلهم”  تعد عنصرا رئيسيا في القص الخيالي. إنه مجال خصب للمؤلفين لأن التفاعل بين الإنسان والروبوت يخلق علاقات وتوترات أخلاقية معقدة.

وهذا ما يعبر عنه ماكيوان بالقول “ربما ينبغي لنا أن نكون ممتنين لقيامنا بعمل جيد في العالم وخلق قيمة في حياتنا التي لا تزال تمثل إنجازات تتجاوز مهارات الروبوتات”.