كيف نسحب الثقة من الرئيس القادم... دستوريًا؟

من المؤكد أنه سؤال «تمرد» سيكون مطروحًا على الدستور القادم لمصر. واتساقًا مع منطق أن الدساتير هي خلاصة تجارب الشعوب ومسارات حكمها، لابد أن مجريات العامين الماضيين، خصوصًا العام الذي تولى فيه محمد مرسي حكم مصر سيكون له تأثيره في التفكير الدستوري الجديد. فإن لم ينعكس هذا التأثير على النصوص سيكون دستورًا منقوصًا ولا يستوعب الخبرة التاريخية للشعب.

لقد فرضت نتيجة الخبرة نفسها مباشرة على خريطة الطريق التي تلاها الفريق أول عبدالفتاح السيسي بعد مظاهرات 30 يونيو بأيام، وكان أن تم على الفور تعطيل الدستور والإقرار بوجوب تعديله.. باعتبار ذلك مطلبًا شعبيًا عامًا. كما نصت بنود الخريطة على تشكيل لجنة للمصالحة الوطنية لكي تنهي الانقسام المجتمعي والاستقطاب الحاد الذي كاد أن يشطر البلد ويفصم عراها. ونصت كذلك على وجوب وضع ميثاق للشرف الإعلامي.. لاستشعار الجميع أهمية ذلك، علما بأن الإعلام كان أحد أهم العوامل الرئيسة الأكثر تأثيرًا في تحرك الشعب نحو 30 يونيو ونتائجها التاريخية.

ورأت خريطة الطريق أن «المصالحة» و«الإعلام» لابد من التعامل معهما سياسيًا قبل الوصول إلى النص الدستوري. ومن المفروغ منه أن الحلول السياسية التي سيتم بلوغها في الملفين سيكون لها انعكاس على نصوص الدستور. إلا أن الملفات الأخرى التي لم تتطرق لها خريطة الطريق لابد وأن تجد لها صدى واضحًا في العقد الاجتماعي الجديد.

كمثال لا يمكن للدستور المقبل أن يتجاوز وضع حل لمعضلة التقاطع بين الدين والسياسة. تلك المسألة التي قد يبدو أن الوقت الحالي من السخونة بحيث لا يجب وضعها فورًا في صدارة أجندة النقاش العام. إلا أنه لا يمكن تجاهلها والوصول إلى نتيجة بشأنها.

كما أنه لا يمكن لمجتمع أزاح رئيسًا لأسباب كثيرة، في صدارتها أنه أخل بملفات الأمن القومي، أن يتجاهل وضع ضوابط لتعامل الرئيس مع مثل تلك الأمور الحيوية. هل يمكن لأي رئيس قادم أن يتعهد بالتنازل عن أراضٍ مصرية، وهل يجوز له أن يصدر قرارًا بشأن مصير مرفق حيوي مثل قناة السويس حتى لو ساندته أغلبية البرلمان؟ هذه أمور لابد أن يبدي الدستور تفهمًا لوضع محددات صارمة لها.. لا تخل بقدرة الرئيس على العمل واتخاذ القرار ولا تجعله قادرًا على أن يتجاوز دوره أو التسبب لمصر في كارثة قومية.

وعلى أهمية تلك المعضلات لكن الأهم منها هو أنه لابد من تأطير عملية سحب الثقة من الرئيس. ذلك أن القاعدة التي أقرتها ثورة 30 يونيو هي أنه لا يمكن للرئيس أن يظل مطلق الصلاحيات طوال مدته الدستورية بناءً على صفته كـ «منتخب»، وأنه إذا تبدى للشعب أن الرئيس قد أخل بمسؤولياته ولم يف بتعهداته الانتخابية خلال مدة معينة تبين أثنائها أنه لن ينصلح ولن يستجيب للضغوط الشعبية.. فإن من حق الشعب أن يخلع عنه صفته ليس فقط كمنتخب وإنما أيضًا كرئيس.

مثل تلك الأمور لها ضوابطها المختلفة في النظم السياسية المتعددة، ويتوقف الأمر على طبيعة النظام.. إن كان برلمانيًا أو رئاسيًا، كما أن مدى نضج العملية الديموقراطية في كل مجتمع يؤثر في مستوى تجرؤ الرئيس على ثقة الناخبين، وعلى التوافق العام في المجتمع.. غير أنه لم يرد من قبل على النظم السياسية تلك الحالة التي يمكن أن يتم فيها انتخاب رئيس ثم يضع ثقة الناخبين في قبضة مكتب للإرشاد ومرشد اختارته مجموعة منتقاة في جماعة سرية لم يكن لها أي صفة قانونية حتى قبل أسابيع من الإطاحة بالرئيس الذي ينتمي إليها.

لا يجوز هنا استحضار حالة إيران، ليس فقط لأن هذا النموذج من حكم الملالي غير مطروح في مصر، وليس فقط لأن الناخب في إيران يعرف ويرضً - علنًا على الأقل - بأن يختار رئيسه من بين مرشحين يوافق عليهم ما يعرف باسم مجلس صيانة الدستور، ويقبل بأن يكون الرئيس المنتخب تحت ولاية الولي الفقيه وما يعرف باسم مرشد الثورة الإيرانية..الذي وصل إلى مكانته بطريقة كهنوتية معقدة لا علاقة لها بالديموقراطية. هذه حالة مختلفة وليست لها علاقة بمصر.

حين عجز الدستور الملفق ـ الذي وضع بليل إبان حكم الإخوان ـ عن أن يسعف الشعب المصري ليجد وسيلة يقاوم بها انحراف «المنتخب» عن قواعد ونصوص عقد انتخابه، كان أن ابتكر هذا الشعب طريقة التوقيعات الشعبية لسحب الثقة من الرئيس.. والتي توازت مع عملية التحضير لمظاهرات 30 يونيو.. إلى أن حشد الموقعون 22 مليون توقيع على ورقة سحب الثقة.. ثم خرجوا إلى الشوارع لكي يثبتوا علنًا «صدق وصحة التوقيع» من خلال أكبر مظاهرات عرفتها البشرية ضد أي سلطة.

لقد تعرضت توقيعات «تمرد» لتشكيك من الرئيس المُزاح، كما تجاهلها مؤيدوه، قبل أن يُشرعوا في الذهاب إلى حملة موازية باسم «تجرد»، تهدف إلى جمع توقيعات أخرى تقول إن الشعب يريد من الرئيس أن يبقى.. وعلى الرغم من أن «تجرد» كانت وهمًا يناقض واقع اتجاهات الشارع، فإن القائمين عليها ذهبوا إلى إطلاق ادعاءات مختلفة بشأن معلوماتها وتوثيقاتها..سعيا إلى اختلاق تنازع ما بين أرقامها وأرقام «تمرد»..وكان الأخطر هو أن الرئيس استغل سلطاته التنفيذية وأصدر تعليمات إلى مختلف المصالح الحكومية لتسليم أسماء وأرقام بطاقات الرقم القومي لكل الموظفين لكي يتم بها - زيفًا - تعبئة أوراق «تجرد».

من ثم لابد أن يضع الدستور إطارًا محددًا يلبي كل الاحتياجات التي أنتجتها الخبرة الديموقراطية للشعب، بحيث تضمن أن يتمتع الرئيس القادم - أي رئيس - بالاستقرار الواجب إذا التزم بمحددات كونه رئيسًا منتخبًا، وفي ذات الوقت تضع قاعدة منظمة وموثوقة ودستورية للناخبين بحيث يمكنهم سحب الثقة من الرئيس إذا وجد الاتجاه العام أنه يجب أن يغادر منصبه قبل إتمام مدته الانتخابية.

لا يجب أن يترك هذا الحق لمجلس الشعب وحده. حتى لو كان ممنوحًا له بموجب الدستور، ذلك أن الفرضية تضع احتمال ألا يكون هناك مجلس للنواب أو مجلس للشعب يقوم بمهامه لأسباب دستورية، والأهم أنه يمكن أن يكون هذا المجلس خاضعًا لأغلبية ممالئة للرئيس وتزاوجا كلاهما على ممارسة تحدي إرادة الشعب بصورة أو أخرى.

كما أنه لا يمكن لخبرة من هذا النوع الذي حققه شعب مصر، في 30 يونيو، أن يتم إهدار تأثيرها في بناء النظام السياسي، والحكمة تقول إنه يجب استيعابها في نصوص الدستور..وفق ما اقترحه في النقاط التالية..طارحًا إياه للنقاش العام:

* يكون من حق الجمعية العمومية للناخبين المصريين أن تقرر طرح الثقة - لا سحبها- من الرئيس في أي وقت ترى فيه ذلك بموجب عملية دستورية محددة.

* يكون من حق أي حزب قانوني أن يتقدم بطلب للاستفتاء على بقاء الرئيس أو سحب الثقة منه إذا ما تمكن الحزب من تعضيد طلبه هذا بما لا يقل عن مليون صوت انتخابي موثق.

* تتولى المحكمة الدستورية الإشراف الكامل على عملية توثيق التوقيعات المطالبة بتقديم الطلب خلال مدة لا تزيد على شهرين من لحظة الإعلان عن بدء العملية.

* إذا ما نجح الحزب المتقدم بالطلب في جمع مليون توقيع لتعضيد هذا، يكون على المحكمة الدستورية أن تعلن ذلك على الناخبين، وأن تدعو كل من يؤيد هذا الطلب بأن يتقدم بتوقيعه خلال مدة شهرين إضافيين.

* يكون من حق المحكمة الدستورية أن تدعو الشعب إلى الاستفتاء على سحب الثقة من الرئيس إذا ما نجح الحزب المتقدم بالطلب، ومن يحالفوه، في جمع ضعف عدد الأصوات التي حصل عليها الرئيس المنتخب في آخر انتخابات رئاسية.

لقد روعي في هذا المقترح الوضع في الاعتبار أنه يمكن أن يصل رئيس جديد إلى منصبه بأغلبية هشة كما حدث مع محمد مرسي. وروعي كذلك أن يكون عدد الأصوات المطالبة بالاستفتاء على الرئيس المنتخب ضعف عدد الأصوات التي حصل علىها في الانتخابات الرئاسية استنادًا إلى أن «تمرد» جمعت 22 مليون صوت بينما كان محمد مرسي قد حصل رسميا على 13 مليون صوت. وروعي أيضا أن يكون الطلب هو «الاستفتاء على سحب الثقة» لا سحب الثقة.. لأن هذا كان هو المطلب الأول لحركة الشارع قبل 30 يونيو.. ولضمان أن يتم اختبار جدية المطلب الشعبي على ثلاث مراحل: التقدم بالطلب جديًا، ثم التأكد من أنه مطلب شعبي عام، ومن ثم التأكد من الرأي العام بكل فئاته أنه يريد سحب الثقة من الرئيس.

يُضاف إلى ما سبق نقطتان أخريان: إذا ما رفضت الجمعية العمومية للناخبين المصريين أن تسحب الثقة من الرئيس فإن هذا يعني إضافة مدة ستة أشهر إلى فترة حكمه الرسمية، تعادل فترة جمع التوقيعات على جدية الطلب، وجمع التوقيعات لثبوت الرغبة في الطلب، بالإضافة إلى المدة التي تستغرقها عملية الاستفتاء علىه. ولا يكون من حق نفس الحزب أن يطلب مجددًا سحب الثقة من الرئيس خلال فترته الرئاسية، ولا يجوز طلب سحب الثقة من الرئيس أكثر من مرتين في مدة حكمه.