'كيف تقتل الأرنب'.. البراعة في صياغة الابتذال

أعلى مراتب الانحطاط والشذوذ

ما معنى أن تتخذ لغة السخرية والتهكم والعهر والابتذال والمنفى والوطن الضائع، والآمال التي تعفنت في خزين الذاكرة المضطرب، والوجع المزمن جراء الحروب والحصار والجوع والألم والعوز، انه الضحك الاسود المتجانس مع كل مظاهر السلوك السافل والايديولوجيات العاهرة التي جردت الانسان من وجوده وقيمه ومعناه.

هذا ما كشفه لنا صلاح صلاح في روايته "كيف تقتل الارنب" منذ انتقائه العنوان الى التشظي والانحطاط وانقياد الراوي الى متاهات المنفى بحثا عن كرامة الوجود.

اتخذ السارد منهجا للبناء السردي ضمن حيثيات مترابطة مع بعضها البعض منذ الاستهلال السردي وحتى الخاتمة، فسرد لنا الكاتب استهلاله وبناءه الدرامي وفعله المتحرك بضمير المتكلم (انا السارد) وهي أيقونة للانتقال بالاحداث وامكنتها، فالسارد هو الكائن الذي بصق في وجه الايديولوجيات التي حكمت وطنه مفضلا الرحيل إلى المنافي البعيدة عن طريق مقر الأمم المتحدة في تركيا. وكان القدر حاضرا حيث رماه وأفراد عائلته في كندا، هنا الضحك والمفارقات والمواقف وهمجيات الفعل وتخبط المجتمع الشرقي في وطنهم الافتراضي، والمعاناة من المغايرة بالطباع والعادات وكل مفاصل الحياة. منذ صعود الراوي إلى الطائرة مع أفراد عائلته وحتى وصوله إلى كندا وطن الحلم والخلاص والألم والمهانة والعذاب والمجهول واحتمالية الضياع.

نبؤات افترضها السارد شكلت هاجسا صاغها لنا بلغة قبيحة عاهرة ملأت حيز الرواية حضورا، تناغمت مع دوافع الرفض الساخر لمظاهر غير منطقية بل غير أخلاقية أفصح عنها السارد في متنه، فالشخصية المحورية هي شخصية "الراوي" المطلقة في التذمر والتهكم والسخرية من كل المظاهر السلبية في زمن الحرب والحصار والقائد الضرورة والمنفى.

يرسم لنا السارد حيزا قدريا من خلال علاقة الراوي مع عبدالزهرة ذلك العراقي المغترب في وطنه الافتراضي كندا، وكان خير ناصح للراوي وموجها لحيثيات العيش والحياة في المجتمع الكندي من أعراف وقوانين يجب مراعاتها وكيفية التحايل على الحكومة الكندية من أجل الحصول على المعونات المالية لتغطية نفقات عيشه وعائلته.

عبدالزهرة يقع في محنة الحرية المفرطة التي يتيحها القانون الكندي للمرأة الأمر الذي أدى إلى تردي أخلاقيات زوجته (خاكية) وسلوكها المبتذل بإقامة علاقات غير شرعية مع أغلب الرجال في كندا. ويعترف عبدالزهرة لشخصية الراوي بحقيقة مفادها أن أولاد زوجته خاكية غير شرعيين نتيجة العهر الذي مارسته خاكية.

العهر في مفهوم القانون الكندي هو الحرية التي يجب ان تتمتع بها المرأة، الندم بأقصى حالاته يعتري قلب عبدالزهرة والضياع بأعلى درجاته يلقي بظلاله على تفسخ قيم المجتمع الشرقي في المهجر.

شخصيات تتفاعل مع كل سمات القرف والأنانية التي تتمثل في شخصية (عباس) الإيراني الذي عمل موظفا في بلده وعاملا للنظافة في أحد مستشفيات المهجر، همه الوحيد هو تحويل كل ما يجنيه من أموال إلى المحمرة مسقط رأسه وتذمره من دفع الضرائب مقابل عمله وتقديمها على طبق من ذهب للعاطلين عن العمل وإصراره وعدم تركه الراوي إلا أن يجد عملا يلزمه بدفع الضرائب ليطمئن حاله ويملي شعوره الانوي وانانيته المفرطة.

بالإضافة إلى إيغال السارد بالفحش مع أغلب شخوصه هناك ايضا أنيسة عباس وعاهرته المبتذلة (صبيحة) الثرثارة الغارقة في النميمة، وتظهر الشخصيات واحدة تلو الاخرى معبرة عن سقوطها في قاع الهاوية, ويتقيأ الراوي من نتانتها ومكرها كشخصية (السيد عبد مناحي) المتدين في ظاهر السلوك والفاسق في باطنه فهو يتاجر بكل شيء وقوادا محترفا.

أما شخصية "سعود البدون" المهاجر من الكويت فهي في أعلى مراتب الانحطاط والشذوذ الجنسي الذي يمارسه مع الصبية مفضلا إياهم على زوجته (أم حمد) الجميلة التي أذهلت الراوي بحسنها وجمالها الخليجي الهادر عندما حل الراوي ضيفا عليها بسبب دعوته من قبل زوجها (سعود البدون).

أعلى مراحل الحرمان والعطش الجنسي وعاطفة الرجولة تعانيها (أم حمد) وتبوح بهذا الحرمان لشخص الراوي وعلاقتها السلبية مع شريك حياتها الشاذ (سعود البدون) وهنا مفارقة للفعل القبيح والمكر الشيطاني المريع في سيناريو ساهم في إعداده كل من (سعود البدون وزوجته أم حمد و(رياض الجعب) الخبير بالاحتيال على شخص الراوي من خلال استمالة أم حمد واستدعائه للمضاجعة التي اوقعت الراوي بالفخ واستدعاء سعود البدون الشرطة والقاء القبض على الراوي في مركز الشرطة وبكاء (أم حمد) المخادع ودموع التماسيح تتساقط من عينيها.

وتوعد سعود البدون وفورانه الكاذب على فعل الراوي بدفع التعويض جراء فعله المفترى عليه مبلغا قدره 4000 دولار، وما حيلة الراوي الا الاذعان الى دفع المبلغ بغية التنازل عن شكوى (سعود البدون وزوجته).

كوابيس من الأفعال المشينة حلت قدرا على الراوي جراء تفاعله مع الشخوص السافلة التافهة الموغلة في النصب والاحتيال والخيبة لا تفارق هاجس الراوي عندما عاد إلى شقته وشجاره مع زوجته الساذجة التي لا تعي دور زوجها المثقف في إدارة عجلة الحياة فقط نظرتها إلى الزوج ان يعمل كالحمار من أجل الحصول على المال.

وتستمر دوامة العالم القذر وشخوصه البراغماتية الماكرة كشخصية (رياض الجعب) الذي جاء الى شقة الراوي مواسيا لما خسره من تعويض وعرض عليه طرق عديدة للحصول على المال منها شراء سيارة من المبلغ المتبقي والاتفاق مع أحد لسرقتها والحصول على تعويض جراء هذه السرقة وجمع الاثاث العتيق المرمي في الطرقات والحاويات للحصول على تأمين وبعد ذلك يتم حرقها مقابل حصول رياض الجعب على 70% من قيمة التعويض ويخرج رياض الجعب مع الراوي يجلسان في مقهى من أجل الاتفاق على طريقة ماكرة للتعويض والحصول على أموال طائلة سيناريو معد من قبل رياض وينفذه الراوي.

وبالفعل تحقق مراد رياض الجعب واستطاع أن يحصل على (شيك) تعويضا للراوي مقابل نسبة الفائدة المتفق عليها، الراوي يستلم المبلغ وتأخذه دوامة من التفكير وعدم الاستقرار، يلتقي (اي الراوي) بالسيد عبد مناحي يسدي له النصيحة بشراء محل بدل هدره هذا المبلغ على ملذاته لكن هذا الأمر وطريقة حصول الراوي على الأموال لا ترضي زوجته فهو عرضة للتوبيخ بشكل يومي على كل أفعاله وتقلبات سلوكه.

جرى اتفاق بين الراوي وعبد مناحي على شراء محل وتسجيل ملكيته باسم الراوي، وبعد أكثر من شهر تم حرق المحل بغية الحصول على تعويض مالي جراء الحرق الطريقة الماكرة التي اعتاد عليها الراوي، وبمساعدة عبد مناحي وخبرة رياض الجعب بالحصول على أموال واحرقت يد الراوي وساقه بفعل توجيهات عبد مناحي، وتم الاتصال برياض الجعب ورتب كل شيء من اجل إبرام صفقة التعويضات مع صديقه المحامي ونسبة الارباح المتفق عليها (80%) عشرة لسيد عبد مناحي، وما تبقى للراوي والذي يتوسم خيرا بسيد عبد مناحي كدليل يدله على بيوتات العاهرات ليمارس رغباته الجنسية.

وعبد مناحي يقدم نصائحه لشخص الراوي بأن الممارسة الجنسية مع العاملات أفضل من بنات الليل ويتصل عبد مناحي بسهيلة تلك المرأة التي تنتظر قدومه مع شخص الراوي الذي تذكر اول مشاهدته لها في الحسينية، ويوضح له عبد مناحي أنها زوجة (سيد نور) المسؤول عن الفتاوى والحيل الشرعية، يدخلان معا شقة سهيلة ويجلس الراوي في الصالة ويذهب عبد مناحي إلى الحمام للتهيؤ في مضاجعة سهيلة، الانهيار المبطن للقيم والخلسة في ممارسة العهر تظهر جليا في شخصية عبد مناحي وسهيلة زوجة الواعظ سيد نور المرأة المغناج التي مارست الجنس مع عبد مناحي في شقتها، ودافع الرفض يهيمن على قناعاتها بعدم الممارسة مع الراوي لتبريرها بأنها غير عاهرة.

الضحك يتصاعد على مر الأحداث لشخوص منحطة متسافلة في باطن الامور وتقية في ظاهر السلوك ويحاول عبد مناحي إقناع الراوي ان سهيلة امرأة غير عاهرة وتمارس الجنس مع عبد مناحي فقط، والسبب هو سبب معقد ان عبد مناحي وضع تبريرات لممارسة العهر والابتذال والملذات مع سهيلة وهي من أجل الحفاظ على استقامة سهيلة والتقية من عدم انحرافها وفقا لمنطق قناعته الفقهي واستشارته أحد الفقهاء الذي جاز فعله مما أصاب الراوي بالدهشة وأثار حفيظته واستغرابه على تجار الرذائل وأصحاب الفتاوى النفعيين الفعل الخارج عن كينونة الإنسان الأخلاقية يصبح حاضرا في شخصية سيد نور الذي اوجد كل تلك الحيل الشرعية الذي يحث على تطبيقها.

وسيد نور هذا لديه ولع طفولي بمضاجعة الحمير وما الحيلة من تخلصه من هذه الموبقات إلا بزواجه من سهيلة، ابتذلات مستمرة تهيمن على دراما سرد الكاتب تكتسب طابع الشرعية الدينية الافتراضية في وعي تلك الشخصيات الفاضحة في الوضاعة والاجتهاد في المسائل المحظورة فهي نزعات من المظاهر القبيحة الوضيعة وضعها بين ايدينا صلاح صلاح، ورسم لنا عوالم تشمئز لها الادبيات وتقشعر لها الابدان.

ماذا فعلت بي يا صلاح .. تمنيت اني لم أقرأ تلك المأساة وذلك السقوط إلى قاع العالم الفاحش.