كيف تغيّر الصحافة حياة أطفال الشوارع؟

مجلة تنشد التغيير الاجتماعي

بلغراد - بعدما كانت تنظف زجاج السيارات المتوقفة عند الإشارات الحمراء في شوارع بلغراد، تعمل مادونا اليوم في مطعم في العاصمة الصربية، هو تغيير جذري في حياتها لم يكن ممكنا لولا هذه المجلة الشهرية التي يبيعها الأطفال في الشارع، الأولى من نوعها في صربيا.

أطلقت مجلة "ليسيه أوليسيه" (أي وجه الشارع) بمبادرة "سمارت كوليكتيف" وهي منظمة غير حكومية تعنى بالقضايا الإنسانية.

ويحرر متطوعون هذه المجلة ويعدونها ليبيعها أطفال غالبيتهم من الغجر. والمطبوعة الشهرية التي تصدر بخمسة آلاف نسخة، تهدف إلى مساندة هؤلاء الصغار من فتيان وفتيات ينتشرون بكثرة في شوارع بلغراد.

فتساعدهم على إيجاد عمل وعلى إمكانية تغيير حياتهم، بالإضافة إلى تسليط الضوء على الظروف التي يعيشون فيها.

ومن أصل مئة دينار (حوالي يورو واحد) ثمن نسخة واحدة، يحتفظ البائع بخمسين دينارا.

تقول مادونا زورياني صبية غجرية جميلة في الثامنة عشرة من عمرها "تساعدنا هذه المجلة على تخطي ما نعايشه". تضيف وهي تتذكر الطريق الطويل الذي اجتازته خلال بضعة أشهر، "أنا أتكلم بحسب خبرتي الشخصية".

وتروي مبتسمة كيف سمحت "ليسه أوليسيه" لها بإيجاد عمل مضمون ومدفوع الأجر كنادلة في مطعم متخصص بالمأكولات اليابانية في بلغراد، بعدما كانت تحظى ببعض القطع النقدية فقط لقاء تنظيفها زجاج السيارات.

تضيف الفتاة "تسمح 'ليسه أوليسه' للأطفال بالبقاء على قيد الحياة وبشراء المأكل والمشرب بالإضافة إلى ابتياع ما يريدون من دون أن يبتزهم الآخرون".

تتشارك مادونا اليوم مسكنا مع رفيقها. وقد تحول الكوخ الذي كانت تقطنه مع والديها وتسعة إخوة وأخوات بالإضافة إلى عائلات أخرى، إلى مجرد ذكرى بعيدة.

ومنذ إطلاقها قبل بضعة أشهر، تمكنت "ليسه أوليسه" من تأمين فرص عمل لنحو عشرين مراهقا.

فيشير ميلوساف مارينوفيتش رئيس تحرير المجلة "بالنسبة إلى عدد كبير منهم، هذه هي المرة الأولى في حياتهم التي يجدون فيها عملا قانونيا وأجرا. ونحن ندعمهم أيضا من خلال تأمين تدريب عملي لهم بالإضافة إلى إعانة يومية تمكنهم من الاندماج في المجتمع".

وتعالج المجلة مواضيع غالبا ما تهملها وسائل الإعلام الأخرى، كموضوع الدمج الاجتماعي مثلا.

من جهة أخرى يشرح عدد من الخبراء كيف أن أطفال الشارع الذين يعانون من الصدمات جراء ما يعايشونه يوميا، يتعلمون تحمل مسؤولياتهم من خلال بيع المجلة.

فتشرح ييلينا دويسينوفيتش المتخصصة في علم النفس أن "كسب المال من خلال عملهم الخاص واتخاذهم بأنفسهم القرار حول كيفية إنفاقه" يسمح لهم بالاندماج تدريجيا في الحياة اليومية العادية.

على الرغم من البرد القارس، يبيع إينيس (17 عاما) المجلة في الشارع العريض المخصص للمشاة وسط بلغراد.

يفرك الشاب يديه، لكن السبب لا يعود إلى تدني الحرارة. فهو يهنئ نفسه كونه وجد عملا، على الرغم من اضطراره للمضي بتنظيف زجاج السيارات حتى يتمكن من تأمين ما يلزمه من مال، تماما كما كانت حال مادونا مؤخرا.

وهو يشير إلى حذائه الرياضي الجديد يقول "لا أبذر هذا المال كيفما اتفق. فأنا أنفقه لابتياع ما أحتاج إليه". يضيف "وما تبقى منه أعطيه لعائلتي".

يخصص البائعون وقتا كافيا لشرح أهمية المجلة للمارة. وهؤلاء الذين يستمعون إليهم حتى النهاية، غالبا ما يشترون المطبوعة.

حاليا تباع المجلة في بلغراد ونوفي ساد (الشمال) وقد أصدرت اخيرا عددها الثالث. لكن نقاط استفهام كثيرة تثار حول مستقبلها، بسبب التمويل.

فيأمل مارينوفيتش الحصول على مساعدة من المانحين ومن المؤسسات وكذلك من بلدية بلغراد. ويوضح "هذا النوع من المشاريع يستحيل المضي به من دون الحصول على دعم من البلدية".