كيف تغيرت عمان خلال 39 عاما

مسقط - من د. حسين شحادة
الاستثمار في الانسان اولا

في الثالث والعشرين من يوليو في عام 1970 عاشت سلطنة عمان التحول الأهم في تاريخها الحديث بتولي السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في عمان، فقد دخلت البلاد على يديه مرحلة جديدة تميزت بتفعيل كبير لطاقات أبناء شعبها وتوجيهها نحو طموح البناء والتطور لانجاز صرح الدولة العمانية الحديثة كما خطط له قابوس ليصبح اليوم صرحاً شامخاً ترعاه قيادة حكيمة ويحرسه ولاء شعب وفيّ.
انطلقت النهضة العمانية في طفرة سريعة عاشتها السلطنة من أقصاها الى أقصاها في كافة المجالات، أخرجها من حالة العزلة والتخلف الى مكانة متميزة من الرقي والتطور كنموذج للدولة العصرية الحديثة المتقدمة.
وفي هذا المضمار مضمار النقلة الحضارية الضخمة والشاملة التي عاشتها عمان على يدي قابوس، تكمل مسيرة البناء والتحديث العمانية هذا العام تسعة وثلاثين عاماً في ظل نجاح كبير على مختلف الأصعدة وكافة المجالات وفق الخطة التي سارت عليها عملية التحديث والبناء.

ويأتي تحقيق هذا كله في اطار حقيقة مهمة آمنت بها الحكومة العمانية ايماناً عميقاً ووضعتها وفق رؤيتها الاستراتيجية المستقبلية للتطوير والتحديث وهي توفير مناخ من الأمن والسلام والاستقرار، عملت على ترسيخه السلطنة في سياستها الخارجية مع الأشقاء والأصدقاء ومع مختلف الدول اقليمياً وعربياً ودولياً، فبعد عزلة عاشتها عمان في علاقاتها الخارجية قبل السبعين من القرن الماضي وضعت مسيرة النهضة العمانية الحديثة بقيادة السلطان قابوس بن سعيد لهذه المرحلة وأخذت في عمل دؤوب ومتواصل في مد جسور الصداقة مع كافة دول العالم فضلا عن الدخول في عضوية العديد من المنظمات الاقليمية والدولية التي تعمل في نهجها على ارساء قيم السلام والتعامل والتبادل الحضاري بين شعوب وأمم الأرض كافة، فقد ارتكزت السياسة الخارجية للسلطنة كما حددها قابوس على تدعيم أواصر الصداقة مع كافة الدول والسعي الى اقامة علاقات معها مبنية على أساس ميثاق الأمم المتحدة، والاحترام المتبادل.
منذ اليوم الأول لتولي قابوس بن سعيد مقاليد الحكم كان حريصاً على القضاء على عوامل الضعف وبناء الدولة العصرية بأركانها الأساسية: "أرض واحدة وشعب واحد وحكومة مركزية".. والبداية كانت تثبيت اسم البلاد "لسلطنة عمان" بعد أن كانت سلطنة مسقط وعمان.
اعتمد السلطان مسارات واضحة مترابطة لتحقيق اللحمة الوطنية وانجاز السلام الاجتماعي، فقد أنهى مخاطر الانقسام وحول عمان الى وطن لكل العمانيين داعماً عوامل الترابط المجتمعي كما قام بتطوير وتوسيع الجهاز الاداري للدولة ليستوعب أهداف النهوض بعملية تنمية شاملة من ناحية وتحويله الى أداة من أدوات الدمج والتماسك على المستوى المحلي والوطني وذلك باستيعاب الكل.
كما نجحت القيادة العمانية في تكريس سلطة الدولة والقانون، حيث قامت بتوظيف السياسة الخارجية لخدمة أهداف عمان الداخلية في التنمية والاستقرار حيث جرت تسوية كافة المشاكل الحدودية مع دول الجوار بما في ذلك الحدود البحرية وتبنت السلطنة ثوابت هامة في سياستها الخارجية قوامها الاحترام المتبادل وعجدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير ومد يد الصداقة والتعاون للجميع دون استثناء. كما قامت القيادة العمانية بتدعيم الوحدة الوطنية وتعزيز التقدم والنمو الاجتماعي عن طريق اتاحة الفرصة لمزيد من المشاركة من جانب المواطنين في ادارة شؤون البلاد، والتأكيد على دورهم الى جانب الحكومة مع توجيه تلك المشاركة وتنميتها تدريجياً وفقا لمرحلة التطور التي يمر بها المجتمع وهو ما عبر عن نفسه في علاقة وثيقة بين القيادة والشعب في جوانب كثيرة.
وإذا كانت تلك المنظومة المترابطة من المسارات قد نجحت في تحقيق الوحدة الوطنية وحفظ النسيج الاجتماعي حيوياً متماسكاً، وهو ما يصعب في غيبته الحديث عن أي نوع من التنمية الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو الموارد البشرية أو حتى التأسيس لمجتمع مدني في دولة عصرية، وهو ما يعتبر في حد ذاته علامة فارقة في التاريخ العمالني بكل مراحله على امتدادها الزمني الطويل مما يعد رصيداً هائلاً يصب في خانة الانجازات القابوسية التي لم تعرف حدوداً طوال التسعة والثلاثين عاماً الماضية فإن علامة فارقة أخرى في التاريخ العماني لا تقل أهمية عن سابقتها برزت في السادس من نوفمبر 1996م، وذلك حين أصدر السلطان النظام الأساسي للدولة (الدستور) تتويجاً لحقبة ماضية تمكنت خلالها السلطنة من بناء دولة عصرية متكاملة في أجهزتها ومؤسساتها الملتزمة في مبادئها وسياستها الواضحة في مواقفها وتوجهاتها.
فقد جاء النظام الأساسي للدولة ليشكل القاعدة الأساسية التي تنطلق من خلالها سلطنة عمان لتحقيق المزيد من التقدم والرقي والتطور، فهو يرسم صورة واضحة للمبادىء التي تلتزم بها السلطنة في سياستها الداخلية والخارجية الهعادفة في جملتها الى بناء الانسان العماني وتطوير قدراته الذاتية وخبراته العلمية والعملية باعتباره قطب الرحى الذي تدور حوله كل الأهداف، وتحقق من أجله كل المنجزات، وتعد في سبيل تنشئته وإعداده مختلف الخطط والبرامج والمناهج.
يقول السلطان قابوس في هذا السياق: "ان المبادىء الموجهة لسياسة الدولة في شتى الميادين ليست إلا وسائل متعددة ترمي الى تحقيق غاية واحدة هي سعادة الانسان ورخاؤه ورقيه وتقدمه وأمنه وسلامته في ظل دولة قوية ناهضة تحظى بالاحترام والمكانة المرموقة على امتداد الساحة الدولية".
جاءت النهضة العمانية قبل 39 سنة لتحمل رياح تغيير وفلسفة جديدة نقلت خلالها عمان الشعب وعمان الوطن الى آفاق حياة جديدة قوامها العيش الكريم والتمتع بمباهج الحياة العصرية وتعويض الحرمان الذي شهدته كافة قطاعات الشعب، كما جاء هذا التغيير ليحمل فلسفة جديدة في الحكم من خلال سياسة الشورى والحوار واحياء الموروث التاريخي العماني الأصيل والمحافظة على الهوية واستنهاض الهمم.
ورغم التنمية السريعة التي شهدتها البلاد والتي قلما شهدتها دولة نامية في العصر الحديث كانت الجغرافيا من العوامل التي مثلت تحدياً حقيقياً علاوة على الامكانات والموارد المحدودة خاصة في السنوات الأولى. فالسلطنة ذات خصوصية جغرافية صعبة خاصة في مجال شق الطرق في الجبال، ورغم ذلك كانت إرادة الانسان العماني أقوى من الصخور وكان ايمانه بقيادته السياسية هو سلاحه الهم في التغلب على كل المشكلات وعوامل الطبيعة القاسية.
من أسرار تحقيق هذه التنمية الشاملة التي تعيشها عمان الجديدة التفاف الشعب العماني حول قيادته وايمانه بها والعمل بتفان وجدية لتحقيق تلك المكاسب الحيوية التي تحققت خلال 39 عاماً.
فالانسان يصنع التنمية وأهميته أكبر من الثروة المادية، فبقدر ما تتمكن التنمية بمختلف أساليبها ووسائلها من توفير الحياة الكريمة للفرد والمجتمع بقدر ما تكون تنمية ناجحة.
تمكنت عمان بفضل سياستها المتزنة من التعامل والتفاعل مع التحديات الاقليمية والدولية، سياسية كانت أم اقتصادية أو تنموية، ومن ثم أصبحت مسقط واحدة من أنشط عواصم المنطقة، وهو ما يؤكده التحرك الدبلوماسي العماني الفاعل.
مع تكامل ورساء قاعدة المشاركة الفاعلة في طرح ومناقشة قضايا وهموم بلده ضمن اطار نهج الشورى المتمثل في مجلسي الشورى والدولة، لم تنتفي الحاجة الى تقليد أصيل أرساه السلطان قابوس منذ استلامه مقاليد الحكم في 1970م. فمنذ انطلاق مسيرة النهضة وعلى امتداد 39 عاماً الماضية يحرص على الالتقاء المباشر والدائم مع المواطنين يقيمون أينما كانوا، وفي كل مناطق وولايات السلطنة، وذلك للاستماع اليهم وتلمس احتياجاتهم وافساح المجال لهم للتعبير بعفوية وبكل الحرية عن آمالهم ومطالبهم وتطلعاتهم أمامه ودون أي حواجز أو مسافات.
فكانت جولاته تنشد الالتقاء بالمواطن رغم تجشمه الصعاب أثناء زيارة المناطق البعيدة والنائية في الوديان وسفوح الجبال وفي القرى والبادية على امتداد الأرض العمانية المترامية الأطراف، حيث باتت الجولات السنوية تشكل صيغة فريدة ومميزة في علاقة الحاكم مع المواطكنين وعلى نحو أصبحت بالفعل احدى مؤسسات الشورى العمانية التي يمارس من خلالها المواطنون في القرى والوديان وفي السفوح والجبال دورهم الوطني، والتي يتم من خلالها كذلك تحقيق المزيد من وضوح الرؤية والتأكيد على أولويات التنمية الوطنية، بل وتناول العديد من القضايا ذات الصلة المباشرة بحياة المواطن وقيم المجتمع في حوار مباشر ومفتوح بينه وبين المواطنين، ومن ثم تكتسب أهمية كبيرة ومتزايدة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً كذلك باعتبارها من أهم ادوات ووسائل حشد الطاقات الوطنية وتوجيهها لصالح الوطن والمواطنين والحفاظ كذلك على قيم المجتمع والسمات المميزة للهوية الوطنية.
وخلال الجولات السنوية يقطع السلطان قابوس مئات الكيلومترات متنقلاً بين مناطق وولايات السلطنة من أقصاها الى أقصاها ليعايش خلالها المواطنين حيث يقيمون، وذلك على مدى أسابيع عديدة سنوياً، ويرافقه في جولته السنوية عدد كبير من الوزراء والمستشارين تنفيذاً لرغبته في أن يعايش المسؤولون ظروف ومتطلبات واحتياجات المواطن على الواقع.
وتمثل المناطق الواسعة والمفتوحة من الأرض العمانية على بساط رمالها وعلى حصباء فيافيها مسارح لقاءات مفتوحة حيث يلتقي فيها السلطان مع الشيوخ والوجهاء والأعيان وجموع المواطنين الغفيرة الذين يتجمعون للمشاركة في هذه المناسبة السنوية.
وفي هذا الاطار فان حديث القائد الى المواطنين في جولاته الى الولايات والمناطق العمانية لا يقتصر على ايضاح الحقائق ولكنه يتجاوز ذلك الى بناء وترسيخ أسلوب ومنهج للتفكير وتنمية وعي المواطن فيما يتصل بكيفية التعامل الصحيح والايجابي مع مختلف القضايا، وهو في ذلك يعطي أيضاً المثل والقدوة لكل المسؤولين على جميع المستويات، مما يعزز في الواقع جهود التنمية الوطنية في مجالاتها المختلفة، خاصة وأن كلماته تجد طريقها مباشرة الى قلوب وعقول المواطنين الذين يحرصون على التجاوب وبذل كل الجهود لترجمة توجيهاته الى واقع عملي ملموس.
هذا التراكم المتواصل من التفاهم والثقة بين السلطان وشعبه اعطى العمل الوطني فرصة الانطلاق، وهكذا بدأت المسيرة في كل الاتجاهات حيث بدأ الاهتمام بشكل خاص بالتعليم وهناك قول السلطان المعروف: "سنعلم ابناءنا ولو تحت ظلال الشجر".
إن السلطنة وهي واحدة من الدول الأكثر استقرارا وأمناً ليس على صعيد المنطقة ولكن على صعيد العالم قدمت نموذجا في كيفية انشاء دولة عصرية تعتز بثوابتها الدينية والوطنية والتاريخية ومنفتحة على العالم بكل ما فيه من تطور وثورة معلوماتية.
ولعل هذا الاستقرار السياسي والاجتماعي ودوران عجلة الحياة الاقتصادية هو الذي سمح لها باقامة جسور من التفاهم مع العالم كان هاماً وحيوياً لرسم سياسة خارجية متزنة وموضوعية مبنية على العديد من العوامل الأساسية لعل في مقدمتها عاملي الجغرافيا والتاريخ.
لقد خطا التعليم خطوات هامة حيث هناك أكثر من 600 ألف طالب وطالبة في أكثر من 1200 مدرسة، وهناك جامعة السلطان قابوس التي يربو عدد طلابها على 12 ألف طالب وطالبة، وهناك الجامعات الخاصة وهي جامعة صحار ونزوى وظفار عجدا عشرات الكليات المتخصصة وابتعاث مئات الطلاب الى الخارج، كل هذه الصروح التعليمية تعطي مؤشراً على اهتمام كبير بالانسان العماني الذي يعد حجر الزاوية في مجال التنمية.
يمكن للباحث المدقق والمحقق أن يكتشف العديد من الرؤى والأفكار الخلاقة التي اعتمدتها القيادة العمانية في تحديد أسس النهضة الحديثة في البلاد وهي رؤى وأفكار معتمدة أساساً من التراث العربي الاسلامي والثقافة العربية الأصيلة ومن المعطيات التاريخية والحضارية للشعب العماني عبر العصور.